الشروط الموضوعية لانجاح الحوار مع الانظمة العربية بعد ان
اصبح ملاذها الاخير
الجمود دائما يولد التصدع وربما الانهيار وقد
تبدو لحظات ما قبل الانهيار فاصلة وحاسمة لتداركه ولا اعني بالانهيار هنا فقط
الانهيار المادي فالمعنوي كذلك اشد قوة حيث يتمثل في الخروج عن العصر والعيش خارج
حلقة التاريخ الفعال بل والانفصال التام عن مجراه ومحاولة التمترس للبقاء قدر
المستطاع في بيوت زجاجية مفرغة من ابسط قواعد العيش المشترك التي تستلزم مشاركة
وتفاعلا ايجابيا يضع الامور في اطارها النسبي ضمن حركة التاريخ الدائمة والمستمرة
المتجهة دائما الي الامام وليس الي الخلف. انظمتنا العربية يبدو انها وصلت الي هذه
المرحلة ويبدو انها تحاول كذلك انتهاز الفرصة الاخيرة امامها للتماثل مع العصر
والياته وشروطه. فبعد ان كان الحوار كمفهوم لديها يدعو الي الاشمئزاز والتنازل
والضعف خلال كل تلك العقود السابقة اصبح مطلبا تدعو اليه معظم انظمتنا العربية
الراهنة طبعا، الجميع يعرف دوافع ذلك وهي باختصار تتمثل في قوة التيار المضاد الذي
يفرضه العصر.. حسنا تفعل هذه الانظمة ولكن يجب التنبه الي ان هناك شروطا موضوعية
كذلك يفرضها نفس التيار لانجاح مثل هذه المبادرات الحوارية من جانب السلطة
العربية. وهي ليست من اختراع الشعوب ولكنها من افرازات العصر الراهن. اول هذه
الشروط يتمثل في اعتراف السلطة العربية بنسبية وضعها وليس قياسا علي السابق بمعني
ان هناك ثمة ادراكا لاهمية المحاور الاخر وهي الشعوب وانها صاحبة الرأي والكلمة
الاخيرة ان مجرد ادراك ذلك يكفي لقيام مثل هذا الحوار ولا يمكن ان يكون حوارا
هادفا اذا كان غرض الانظمة احداث التغيير فقط في الطرف الاخر حتي وان كانت الشروط
الموضوعية تستدعي احداث التغيير داخلها اولا.
الشرط الثاني: اعتذار هذه الانظمة العربية
للشعوب عن ممارساتها طيلة العقود الماضية وهي ما تقوم به ولكن علي استحياء ومضض
مثل منح بعض مجالات التعبير في وسائل الاعلام والفضائيات المختلفة دونما اقرار
حقيقي واسف علي ما قامت به في السابق حيث يبدو الامر وكأنه استلطاف ومداهنة مؤقتة
وتدجين لا يلبث ان يزول.
الشرط الثالث: المساواة بمعني الارتقاء
بالطرف الاخر وهو الشعب الي مستوي الحوار، فالسلطة العربية تملك كل شيء حتي الهواء
والماء. ودونما القبول بمبدأ المساواة والاقرار بذلك سيبدو الحوار املائيا ومن فوق
الي الاسفل وستبقي الامور علي ما هي عليه ويصبح الامر استنزافا للوقت وتحايلا علي
العصر سوف ينذر بكوارث قادمة.
الشرط الرابع: اسقاط الشرط التاريخي الذي
تتشبث به السلطة ايا كان نوعه قبليا او عسكريا او طائفيا كان والبداية من نتائج
هذا الحوار بشروطه الموضوعية والقبول بافرازاته فالسلطة العربية استنفدت هذا الشرط
ايما استنفاد حتي خيل للعالم ان التاريخ قد توقف وان الساعة الزمنية قد كسرت في
هذا الجزء من العالم. فبالتالي فان استمرارها وبقاءها مرهون بشروط اخري معاصرة
لابد من ان تلتزم بها في كل بقعة من بقاع عالمنا العربي، تضع المواطن كانسان في
محور اهتماماتها وترجع اليه دائما ادراكا منها بانه من يصنع بقاءها واستمرارها.
الشرط الخامس: يتمثل في وضع برامج زمنية من
الان لتحقيق ذلك بصورة فاعلة بعيدا عن ديكورات الديمقراطية ومجالسها الصورية. هذه
في اعتقادي اهم شروط الحوار الهادف بين السلطة والانظمة العربية وبين شعوبها بغير
ذلك تبدو محاولات هذه الانظمة ضربا من مكر التاريخ لابد وان ينكشف وقد تعودت عليه
الشعوب العربية فخزاناتها مليئة بالوعود البراقة والمحاولات الناقصة لتحقيق اسس
الدولة الديمقراطية وما ان ينجلي الغبار ويذهب الضجيج وتخف التهديدات ويزول الخطر
حتي يعود الماضي مستلقيا علي فراش الحاضر واريكة المستقبل لا يرضي ان يزول.