انتفاضة لندن

 

 

 

بقلم : ابراهيم العبسي

  

منذ ساعات الصباح الاولى، كنت اقف في حديقة »الهايد بارك« في لندن، وارقب تدفق المتظاهرين الغاضبين على الحديقة، وهم يحملون اليافطات المكتوبة بكل لغات العالم، تأييدا للانتفاضة الفلسطينية الباسلة وهي تدخل عامها الرابع، واحتجاجا صارخا على العدوان الصهيوني المتواصل ضد الشعب الفلسطيني، وتنديدا بسياسات الحكومتين البريطانية والاميركية وغزوهما اللااخلاقي واللاشرعي للعراق والمطالبة بانهاء احتلالهما فورا، ولا ابالغ اذا قلت ان يوم امس الاول، كان يوم انتفاضة لندن، يوم الانتصار للحرية والسلام ضد الحرب والبشاعة والظلم والموت، اذ بدت العاصمة المشهورة ببرودتها وضبابها وكأنها بركان من الغضب الجماهيري الهائل الذي انفجر فجأة يشق الصمت والهدوء في هذه المدينة، وليتردد صداه الى ما هو ابعد من لندن والجزر البريطانية وليصل الى معظم العواصم العالمية التي خرجت لنفس المناسبة، وبنفس اللغة الغاضبة التي كان يرددها المتظاهرون ضد النزعات العدوانية الاستعمارية الجديدة التي يتصدرها مثلث التحالف الامبريالي الاميركي البريطاني الصهيوني، وعلى الرغم من ان هذه التظاهرة التي نظمتها قوى التحالف ضد الحرب والحركات الداعية للسلام والاحزاب والتنظيمات اليسارية والديمقراطية والمنظمات الاسلامية المدنية، اضافة الى المواطنين البريطانيين العاديين، بمناسبة دخول الانتفاضة الفلسطينية عامها الرابع، الا انها كانت مناسبة ايضا لفضح السياسات البريطانية والاميركية التي قامت على الكذب والتزوير والتلفيق والتلاعب والخداع لغزو العراق واحتلاله، وتعريض شعبه الى ظلم وويلات الاحتلال ومؤسساته المدنية وموروثاته الفنية والحضارية الى النهب والدمار، باسم تحرير العراق، وباسم حرية الشعب العراقي، التي رفعها قادة العدوان والغزو بعد افتضاح مزاعمهم حول امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل وانكشاف اكاذيبهم حول تهديده للعالم الحر، ففي ساحة الطرف الاغر في قلب العاصمة البريطانية، التي وصل اليها المتظاهرون بعد مسيرة طويلة وحاشدة عبر شوارع لندن، تحولت التظاهرة الفريدة الى مهرجان خطابي سياسي، تصدره قادة احزاب المعارضة وحركات السلام البريطانية، وحتى عدد من النواب الاعضاء في حزب العمال البريطاني الحاكم، طالب هؤلاء باستقالة حكومة بلير، بل وتقديم بلير وحكومته للمحاكمة، اذا ما امتنع عن كشف الحقائق التي دفعته للزج بالجيش البريطاني في هذه الحرب الظالمة، في تبعية مخزية للادارة الاميركية التي لم يعد سرا ان حفنة من المحافظين اليمينيين المتصهينيين والرأسماليين قد اشعلوها لهدفين اثنين، هما حماية اسرائيل وتمكينها من مواصلة احتلالها للاراضي الفلسطينية دون ان تخشى اية ردة فعل عربية، والاستيلاء على النفط العراقي لصالح هذه الحفنة التي تمتلك اكبر مجمعات صناعات الاسلحة، وشركات البترول في الولايات المتحدة، وفيما كان الخطباء يواصلون القاء خطاباتهم، كانت هتافات الجماهير تتعالى: »بلير كاذب«، »اوقفوا هذه الحرب الملعونة«، »كفى كذبا«، »الحرية لفلسطين«، »الحرية للعراق«، »لا للحروب التي تستند الى الكذب والتزوير« »لا سلام في فلسطين دون عودة اللاجئين«، »القدس عربية«، »ليخرج الاسرائيليون من فلسطين«، »نعم للسلام والحرية ولا للعدوان والاستعمار الجديد«، »نعم للانتفاضة الفلسطينية ولا للاحتلال الاسرائيلي«.

كانت التظاهرة كبيرة جدا، وحاشدة جدا، وربما كانت هي الاكبر التي تشهدها العاصمة البريطانية في السنوات الاخيرة، اذ شارك فيها اكثر من مائة الف مواطن بريطاني، وكان من الصعب عليّ ان التقط كلمات الخطباء بالكامل، وكذلك هتافات الجماهير التي اسقطت كل المقدسات التقليدية البريطانية في هذه التظاهرة الاستثنائية، وان كنت قد التقطت عناوينها الابرز والاهم، الا وهي تعاظم قوى السلام في بريطانيا، وحضورها السياسي القوي في الشارع البريطاني التي وصلت نسبة معارضته للحرب ولسياسات بلير الى ثلثي عدد السكان في بريطانيا، اكثر من ذلك فقد اعتبر عدد من المراقبين والمحللين السياسيين في لندن، ان هذه التظاهرة كانت بداية العد التنازلي للسقوط السياسي المدوي لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وربما سقوط حزب العمال الحاكم ايضا، هذا السقوط الذي سيقود بريطانيا حتما الى الابتعاد عن سياسة التبعية التقليدية البريطانية للولايات المتحدة، واقترابها المؤكد من محيطها الجغرافي والسياسي والاقتصادي الاوروبي.