"الرباعية" وبيان شرعنة الاحتلال والعدوان الصهيوني!!!

 

 

بقلم: عوني فرسخ

 

في فلسطين المحتلة أصدر 27 طياراً مقاتلاً إسرائيلياً بياناً أعلنوا فيه امتناعهم عن القيام بغارات على أهداف في الضفة والقطاع، مما يعني اعتبارهم ذلك عدواناً على شعب محتلة أرضه ومعتدى عليه يمارس حقه المشروع بالمقاومة. وبعد ثلاثة أيام من صدور بيان الطيارين الرافضين إرهاب الدولة الصهيوني صدر في نيويورك بيان عن "الرباعية" أبسط ما يقال فيه إنه أضفى المشروعية على الاحتلال وإرهاب الدولة الصهيوني. وذلك في عدوان صارخ وفاضح على الشرعية الدولية الممثلة بقرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة. ومما يجعله وبحق كاشفاً لحقيقة دوافع وغايات "الرباعية" من مبادرة "خريطة الطريق" التي لما تزل السلطة الفلسطينية ملتزمة بها، كما أعلن نبيل أبو ردينة، المستشار السياسي للرئيس عرفات، في تعقيبه على بيان إهدار الحقوق المشروعة للرئيس وسلطته والشعب الذي يمثله.

 

فالبيان الصادر عن وزراء الخارجية الأمريكي والروسي والإيطالي، ممثلاً الاتحاد الأوروبي، وأمين عام الأمم المتحدة، تضمن ثلاثة مطالب وإعلان موقف، كل منها مخالف مخلفة صريحة لا لبس فيها لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالصراع العربي – الصهيوني. إذ بموجب قرار مجلس الأمن رقم 242 لسنة 1967، والذي أعيد تأكيده بالقرار رقم 338 لسنة 1973 تعتبر الضفة الغربية وقطاع غزة أرضاً محتلة والوجود الصهيوني فيها غير مشروع، والمستوطنات القائمة عليها مخالفة القانون الدولي، سواء أكانت "مشروعة" إسرائيلياً أو "عشوائية". وقد صدرت بإدانة إقامتها وتوسيعها جملة من القرارات عن الجمعية العامة للأمم المتحدة وبغالبية الأصوات الساحقة. واللجنة الرباعية" التي تعتبر ممثلة "المجتمع الدولي" يفترض فيها أن تكون القيّمة على الشرعية الدولية، لا سيما وهي تضم أمين عام الأمم المتحدة واثنين من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وبرغم ذلك كله تنكرت "الرباعية" لواجبها الدولي، ولم تلتزم بما هو مفترض منها أن تؤديه، بما تضمنه وما سكت عنه بيانها الأخير.

 

فمن جهة أولى طالب البيان السلطة الفلسطينية المحتلة أرضها، والمعتدى على شعبها، أن توقف مقاومة الاحتلال والعدوان. معتبراً مقاومة الاحتلال المشروعة دولياً "إرهاباً"، ومتجاهلاً أنه لو نفذت إسرائيل القرار 242 بالانسحاب لحدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 وأقرت للاجئين بحقوقهم المنصوص عليها بقرار الأمم المتحدة رقم 194 للعام 1948 لما كانت هناك مقاومة. وبدلاً من أن تدعو "الرباعية" دولة العدوان للجلاء عن الأرض المحتلة طالبت المحتلة أرضهم بوقف مقاومة الاحتلال. الأمر الذي يدل دلالة قاطعة على أن "الرباعية" لا تعتبر الضفة والقطاع أرضاً محتلة، وإنما هي أرض متنازع عليها، متبنية في ذلك وجهة النظر الإسرائيلية، وما أخذ يقول به مؤخراً بعض رموز الإدارة الأمريكية.

 

ومن جهة ثانية تضمن بيان "الرباعية" حث إسرائيل على بذل الجهد لتجنب خسائر المدنيين. مما يعني ضمناً إباحة دماء نشطاء المقاومة حتى ولو كانوا من الأطفال رماة جنود العدوان بالحجارة. ناهيك عن عمليات الاغتيال المبرمجة الجارية ليل نهار، والتي اعترض على مواصلة اقترافها سبعة وعشرون طياراً صهيونياً. ولم تقف "الرباعية" عند حدود إجازة إرهاب الدولة الصهيوني، وإنما أضفت عليه مشروعية دولية، بإعلانها أن من حق إسرائيل الدفاع ضد ما ادعته "عدواناً" على مواطنيها، في تجاوز لما استقر عليه القانون والأعراف الدولية من أن للمحتلة أرضه مقاومة محتليها سواء أكانوا مدنيين أو عسكريين.

 

ومن جهة ثالثة طالب البيان العتيد إسرائيل بإزالة "مستوطنات" وليس "المستوطنات" ومصدرو البيان لم يسقطوا "ال" التعريف سهواً، وإنما عن سابق قصد وتصميم. مما يعني أنهم أرادوا ألا يحمل الطلب على الظن بأن "الرباعية" تطلب إلى إسرائيل إزالة جميع المستوطنات باعتبارها غير مشروعة، وإنما تحصر المطالبة بإزالة بعض المستوطنات، تاركة لإسرائيل تحديد عدد ومساحة وموقع هذا "البعض". وبهذا تكون ممثلة "المجتمع الدولي" والقيمة على مبادئ الأمم المتحدة، قد تعاملت مع المستوطنات في الأرض العربية المحتلة وفق المنظور الصهيوني بالتمييز بين المستوطنات بين ما هي "مشروعة" و"عشوائية"!!

 

ومن جهة رابعة سكت البيان تجاه ما تقترفه إسرائيل من جرائم، وتعديات على حقوق الإنسان، ومخالفات صارخة "لاتفاقية حقوق الطفل" في الأراضي المحتلة. ولم تأت "الرباعية" في بيانها الأخير مطلقاً على ذكر الحصارات والاغلاقات وهدم المباني وتجريف المزارع. ولا طالبت بوقف الإذلال المتعمد على الحواجز، ولا التعذيب المبرمج في المعتقلات والسجون، ولا على ترك الجرحى ينزفون حتى الموت، وقصف سيارات الإسعاف. كل ذلك سكت عنه بيان "الرباعية" والسكوت في معرض الحاجة بيان. بل والساكت عن الحق شيطان أخرس. ولقد وصل افتقاد الموضوعية بأساطين "الرباعية" إجازة "دفاع" إسرائيل عن مستوطنيها، وحرمان السلطة الفلسطينية من شرف الدفاع عن مواطنيها، إذ طالبتها بقمع مقاومي الاحتلال والعدوان.

 

وبيان "الرباعية" بما نطق به وما سكت عنه يوضح بشكل جلي الدوافع والغايات الحقيقية لمبادرة "خريطة الطريق"، ويكشف الذي استهدفته من "الغموض البناء" الذي صيغت به "خريطة الطريق". وألاحظ أنه عندما طرحت مبادرة الرباعية مطلع العام الجاري كان واضحاً أن تصعيد إرهاب الدولة، الذي انتهجته حكومة شارون منذ مارس/آذار 2000 قضى تماماً على كل الآمال والأوهام التي راودت أذهان النخب العربية التي اعتمدت السلام خياراً استراتيجياً. كما كان واضحاً يومها أن الانتفاضة ألحقت بإسرائيل خسائر مادية ومعنوية. وكثيرة هي المصادر الموثوقة التي كانت تؤكد توقف النمو الاقتصادي لأول مرة منذ قيام الكيان الصهيوني سنة 1948، وإصابة السياحة بخسائر فادحة، وتراجع تدفق الاستثمارات الخارجية، وانتكاس الهجرة لدرجة أنه في العام 2000 لم يصل سوى ثمانية عشر ألف مهاجر في حين بلغ عدد الذين طلبوا استرداد جنسيتهم الألمانية في العام ذاته أربعة وعشرين ألفاً. ناهيك عمن استقروا في الولايات المتحدة واستراليا وبعض دول أوروبا الغربية.

 

وكان التأثير الأقوى والأشد للانتفاضة في الوسط الصهيوني تأثيرها المعنوي. وليس من المغالاة في شيء القول بأن "أمن" الصهاينة العزيز عليهم بات رهينة عند منظمات المقاومة العربية، إذ هي التي تهدده، وهي التي يمكن أن توفره. فضلاً عن أن غالبية الصهاينة عدوا مسكونين برعب حدَّ من قدرتهم على ممارسة أنشطتهم المعتادة، خاصة ارتياد المقاهي وركوب الحافلات. ويذكر أحد أبرز المختصين العرب بالشؤون الإسرائيلية أن الخوف بلغ عند الجمهور مبلغه بحيث لم يخرج في عيد "المسخرة" اليهودي إلى الحدائق العامة والمتنزهات إلا القليل، خلافاً لما جرت عليه العادة في سنوات ما قبل العمليات الاستشهادية، كما أخذت الصحافة الإسرائيلية تعبر عن قناعة قطاع متزايد من المحللين السياسيين والعسكريين المعروفين باستحالة القضاء على الانتفاضة بالعمل العسكري مهما اشتد عنفه.

 

وعليه يمكن القول بأن مبادرة "خريطة الطريق" إنما استهدفت الإبقاء على "عملية السلام" بضخ الدماء في شرايينها من ناحية، والحيلولة دون تداعيات الانتفاضة إقليمياً وفي الساحة الإسرائيلية من ناحية ثانية. و"الخريطة" بالتالي من حيث دوافعها وغاياتها لا تختلف في شيء عن "اتفاق أوسلو" الذي ما كان اسحق رابين ليقدم عليه لو أن آلة حربه نجحت في قمع انتفاضة الحجارة، التي كان قد أمر بتكسير عظام أطفالها. و"خريطة الطريق" كما "اتفاق أوسلو"، وكل المبادرات الأمريكية التي صدرت لإنجاح المفاوضات المتعثرة في أعقاب الاتفاق سيء السمعة. جميعها ومن غير استثناء ليست سوى إعادة إنتاج لبعض ما اعتادت طرحه القوى الدولية الراعية والحامية المشروع الصهيوني منذ أواسط عشرينات القرن الماضي.

 

والثابت تاريخياً أنه في مواجهة نمو وتطور الحراك الوطني الفلسطيني توالى طرح مشروعات ومبادرات التسوية، إلا أن أياً منها لم يخرج يوماً عن حدود الاستراتيجية الاستعمارية الدائمة والشاملة لإدارة الصراع مع شعب فلسطين وأمته العربية. وذلك من منطلق الالتزام بإنجاح المشروع الصهيوني وتمكينه من أداء دوره في خدمة المصالح الاستغلالية في الأرض العربية. ولقد استهدفت جميع تلك الطروحات والمبادرات، ومن دون استثناء أن تؤدي إلى إضعاف قدرة العرب على توظيف الممكن والمتاح من إمكانياتهم في مواجهة التحدي الإمبريالي - الصهيوني. وحين يدرس أي مما جرى طرحه خلال العقود الثمانية الماضية يتضح أنه لم يكن يقصد تنفيذ كامل ما تضمنه، وإنما ذلك الشق منه لذي يستهدف إدخال النخب العربية في دوامة الخلافات الحادة فيما بين أدعياء الواقعية ودعاة و"إنقاذ ما يمكن إنقاذه"، وبين الملتزمين بالثوابت الوطنية والقومية، الحريصين على عدم تقديم التنازلات المجانية.

 

و"الرباعية" ببيانها الأخير مشكورة كل الشكر إذ ألقت الضوء الساطع على غاية "خريطة طريق" تبديد ما تبقى من الثوابت الوطنية، التي لم يجر التنازل عنها في المفاوضات الماراثونية التي توالت طوال العقد المنصرم.. وبهذا يكون السادة وزراء الخارجية الأمريكي والروسي والإيطالي وأمين عالم الأمم المتحدة قد وضعوا رموز السلطة جميعاً، وليس الرئيس عرفات وحده، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاندفاع في محاولة إنجاز ما لم تستطعه آلة الحرب الصهيونية طوال ثلاث سنوات بلغ فيها إرهاب الدولة غايته. وإما الوقوف إلى جانب شعبهم، بتعزيز انتفاضته التي رسمت بدماء الشهداء طريق التقدم على درب التحرير والعودة. أما "الرباعية" فبما تضمنه بيانها وما لم يتضمنه لم تشرعن فقط الاحتلال والعدوان الصهيوني، وإنما أهدرت أيضاً أسس الشرعية الدولية، وخانت مع الأسف الشديد شرعة حقوق الإنسان واتفاقية حقوق الطفل، ومبادئ الأمم المتحدة.