مع دخول الانتفاضة والمقاومة في فلسطين
المحتلة عامها الرابع تظهر التطورات في فلسطين أنها تزداد قوة وعزيمة وتصميماً على
الاستمرار في الكفاح والنضال الشعبي المسلح من أجل تحرير الأرض وتحقيق عودة الشعب
الفلسطيني إلى أرضه ودياره التي شرد منها.
وإذا كان من الواجب الوطني جعل هذه المناسبة
محطة لتأكيد الوقوف إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني ودعم انتفاضته ومقاومته فإنها
أيضاً يجب أن تكون مناسبة للتوقف عند النتائج التي حققتها هل كانت إيجابية أم
سلبية وبالتالي ما هي الصورة اليوم هل هي سوداوية محبطة أم مشرقة ومتفائلة؟
إن قراءة موضوعية في مسيرة الانتفاضة
والمقاومة على مدى السنوات الماضية تبرز أنها حققت إنجازات كبيرة ومهمة جداً
بالنسبة لنضال الشعب العربي الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني تدحض كل محاولات تصوير
الواقع على أنه مأساوي وسوداوي بهدف إدخال اليأس والإحباط إلى النفوس والنيل من
عزيمة وإرادة الشعب الفلسطيني على مواصلة انتفاضته ومن هذه الإنجازات:
الإنجاز الأول: في 28 سبتمبر من سنة 2000 يوم
تفجرت الانتفاضة انطلاقاً من القدس المحتلة وبالتحديد من قلب المسجد الأقصى أثناء
زيارة رئيس وزراء العدو أرييل شارون الاستفزازية، كان واضحاً أنها لم تكن ردة فعل
على الزيارة بقدر ما كانت الزيارة بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير أي الشرارة
التي فجرت الانتفاضة الكامنة أسبابها في فشل الاتفاقات المذلة والمفرطة بالحقوق في
تحصيل حتى بعض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وسقوط المراهنة على نهج المساومة
واستمرار واقع الاحتلال وازدياد عمليات الاستيطان والإرهاب والقمع الصهيوني، وكان
مقدراً أن الانتفاضة لن تكون هذه المرة عقوبة ومجرد ردة فعل بل هي تعبير واع عن
بلوغ الشعب الفلسطيني وقواه الحية قناعة راسخة أن لا سبيل لتحرير الأرض واستعادة
الحقوق والتخلص من القهر والمعاناة والإذلال بكل أشكاله بغير الانتفاضة والمقاومة
المسلحة، وبهذا المعنى فإن الأعوام المنصرمة أكدت هذه الحقيقة الساطعة ألا وهي
استمرار الانتفاضة والمقاومة التي تدخل عامها الثالث وهي أكثر إصراراً على
الاستمرار. ولكن استمرار الانتفاضة بزخمها الشعبي إلى جانب عمليات المقاومة
النوعية ضد الاحتلال يشكل إنجازاً كبيراً لأن هذا الاستمرار يحصل برغم الاختلال
الكبير والحاد بميزان القوى المادي والواقع الصعب الذي يواجه الشعب الفلسطيني،
فعلى صعيد ميزان القوى فإن الشعب الفلسطيني الذي لا يملك سوى أسلحة خفيفة وروح
الاستشهاد يواجه أقوى جيش في المنطقة بحوزته التكنولوجيا المتطورة إلى جانب اقتصاد
إسرائيلي هو الأقوى في المنطقة أيضاً فيما يحظى الكيان الصهيوني بدعم غير محدود من
الولايات المتحدة الأميركية.
يضاف إلى ذلك أن الشعب الفلسطيني يتعرض لحرب
إبادة تشمل الحصار والتجويع والإرهاب والقتل والاعتقال والتدمير للبيوت وجرف
الأراضي الزراعية.
وفوق ذلك حصلت تطورات دولية أعقبت أحداث 11
سبتمبر في الولايات المتحدة أدت إلى ما يشبه الحصار على الانتفاضة وإعطاء الفرصة
لشارون لتبرير حربه الدموية على أنها حرب ضد الإرهاب والقيام باجتياح الضفة
الغربية وتنفيذ المجازر وأعمال القتل والتنكيل والاعتقال وبالرغم من كل ذلك استمرت
الانتفاضة ومعها المقاومة وفي مقدمتها العمليات الاستشهادية محبطة كل محاولات
شارون للقضاء عليها وفي الوقت نفسه فشلت كل المؤامرات الداخلية والخارجية للالتفاف
عليها وإرباكها وإشغالها في صراعات جانبية.
ثم جاء الاحتلال الأميركي للعراق بدافع من
اللوبي الصهيوني والمحافظين الجدد المتصهينين في الإدارة الأميركية بهدف خلق
مناخات الهزيمة والاستسلام واليأس والإحباط لخنق الانتفاضة وفرض الاستسلام على
الشعب الفلسطيني.
من هذا المنطلق فإن استمرار الانتفاضة
والمقاومة برغم كل هذه المعطيات يشكل إنجازاً هاماً وكبيراً ونوعياً في آن يثبت أن
الشعب الفلسطيني يمتلك قدرات كبيرة على التضحية والعطاء والصمود والتحمل قل
مثيلها.
الإنجاز الثاني: استنهاض الشارع العربي
وإعادة استحضار القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية الأولى في سلم
اهتمامات العرب من المحيط إلى الخليج، مما أسهم في إيقاظ الشعور القومي وفي سيادة
مناخ شعبي معاد لسياسة الولايات المتحدة الأميركية الداعمة للكيان الصهيوني
وعدوانه ضد الشعب الفلسطيني وهو ما انعكس في إطلاق حملة شعبية لمقاطعة المنتجات
الأميركية والشركات التي تتعامل مع الكيان الإسرائيلي كشفت عن أهمية سلاح المقاطعة
في المعركة حيث أصيبت الشركات الأميركية بخسائر كبيرة نتيجة تراجع مبيعاتها في
الدول العربية أكثر من 30%.
الإنجاز الثالث: حدوث تطور نوعي في أداء
المقاومة تجلى في تحولها إلى ثورة شعبية مسلحة يتم المزاوجة فيها بين أشكال
المواجهات الشعبية والعمليات المسلحة ضد الاحتلال، والتي شهدت عشية الذكرى السنوية
الثانية تجديداً نوعياً تجلى في زخم المشاركة الشعبية في التظاهرات والمسيرات
والمواجهات الساخنة مع قوات الاحتلال وفي عمليات المقاومة المتعددة والنوعية فإلى
جانب العمليات الاستشهادية نفذت سلسلة من العمليات النوعية التي تؤشر إلى حدوث
نقلة مهمة في المقاومة تجلت في القدرة على تدمير دبابات ميركافا بصواريخ مضادة
للدروع والتصدي لقوات الاحتلال خلال توغلها في المدن والمخيمات الفلسطينية
والاشتباك معها وإيقاع الخسائر الجسيمة في صفوفها والقدرة على تصنيع الصواريخ
المحلية واستخدامها في قصف مدينتي أشدود وعسقلان في إطار معادلة جديدة مما يشير
إلى أن زمام المبادرة لا يزال بيد الانتفاضة والمقاومة وأن سياسات شارون القمعية
والإرهابية فشلت في انتزاع المبادرة منها واجتثاث المقاومة مما اضطره مؤخرا إلى
الإقرار بعدم إمكانية الاستمرار في الاحتلال.
الإنجاز الرابع: أعادت إبراز عدالة القضية
الفلسطينية لدى الرأي العام الدولي من خلال التأييد الشعبي الكبير الذي أظهرته
المظاهرات المؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني والمنددة بالاحتلال الإسرائيلي
واعتداءاته المتواصلة.
الإنجاز الخامس: حصول تحول في ميزان القوى
فلسطينياً باتجاه سيادة الاتجاه الراديكالي وإضعاف الاتجاه المساوم وبرز ذلك في:
1 - تولد ما يشبه الإجماع الوطني ضد إنتاج
لحد أو قرضاي فلسطيني.
2 - التأييد الكبير للعمليات الاستشهادية وفق
استطلاعات الرأي.
3 - توحد القوى الأساسية للانتفاضة على أساس
استمرار المقاومة وتحرير الأراضي المحتلة عام 67 والتمسك بحق العودة ورفض العودة
لخيار التفاوض على حساب وقف المقاومة أو التخلي عنها.
4 - تجذر حركة فتح على أرضية خيار المقاومة
وعزل التيار المساوم (أبو مازن، الدحلان).
الإنجاز الخامس: على صعيد جبهة العدو تمكنت
المقاومة في غضون العامين المنصرمين من توجيه ضربات موجعة للعدو الصهيوني رفعت من
كلفة احتلاله على كافة الأصعدة:
1 - على صعيد الخسائر البشرية أدت العمليات
إلى مقتل أكثر من 850 بين جندي ومستوطن وإصابة ما يقارب الـ 9 آلاف وهذا رقم كبير
جداً بالمقارنة مع الخسائر الإسرائيلية في حروبها السابقة.
2 - على صعيد الاقتصاد قدرت خسائر الاقتصاد
بـ 25 مليار دولار فيما تراجعت قيمة الشيكل وجرى تقليص التقديمات الاجتماعية لصالح
زيادة الموازنات الأمنية.
3 - إسقاط نظرية الأمن الصهيوني وانعدام
الأمن الإسرائيلي وسيادة حالة الخوف والرعب والهلع في أوساط الإسرائيليين والذي
عبرت عنه صحافة العدو بعنوان بالغ الدلالة عندما وصفت الكيان الإسرائيلي بأنه تحول
إلى ما يشبه "غيتو الخوف".
4 - تقلص الهجرة اليهودية إلى داخل فلسطين
لصالح زيادة الهجرة إلى الخارج حيث أدت المقاومة وعملياتها إلى دفع أكثر من نصف
مليون مستوطن إلى الرحيل إلى الدول التي أتوا منها.
5 - على صعيد المؤسسة العسكرية سيادة حالة
العجز والانقسام والإحباط نتيجة تزايد الإدراك بانعدام سبل القضاء على المقاومة
والانتفاضة والخوف من تكرار السيناريو اللبناني وظهور حالات التمرد على الخدمة في
الضفة الغربية وقطاع غزة والتي كان إعلان 27 طياراً رفضهم القيام بأي طلعات وقصف
الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع مما أثار زوبعة سياسية في الكيان الصهيوني.
إن ما تقدم يبرز أن الانتفاضة والمقاومة وهي
تدخل عامها الرابع حققت إنجازات هامة ونوعية على كل المستويات تظهر أن الصورة
مشرقة وأن مأزق العدو الصهيوني في ازدياد.