الانتفاضة.. فلسفة قوة الإنسان

 

 

 

بقلم :د. أمينة أبوشهاب

 

 كنا أكثر أمم الأرض كراهية للنفس وشتماً لها في واقعها المعاصر، حتى أتت الانتفاضة لتزيل الكثير من اليأس من هذه النفس ولتنقذنا من التصنيف الذاتي القائل: إننا أمة الهزائم والخوف والإذعان والتاريخ الساكن، الانتفاضة تاريخ متحرك صار عمره الآن ثلاث سنوات كاملة، فكم غيرت مفهوم العرب عن أنفسهم، ومفهوم العالم عنهم، وكم غيرتهم هم أنفسهم؟ ليس فقط لأنهم رأوا عياناً خلال هذه السنوات الثلاث كيف أمكن حدوث غير المتصور وغير المتخيل قبلاً وهو أن تترك وحيدة ومقطوعة من الدعم وألا تقابل المذابح بأي صدى يمكن رؤيته في عالم عربي كبير ومتسع، وإنما أيضاً وبرغم هذا الخذلان والخصام الذاتي في النفوس.. بسبب هذا الخذلان تظل الانتفاضة تشكل حالة نفسية عالية ومستمرة للكثيرين خارج الوطن الفلسطيني من الذين لا يملكون سوى التفرج عن بعد.

 

غيرتنا الانتفاضة كأفراد لأنها في حقيقتها الصافية والواضحة إدراك لفعل الأفراد وفعل الإنسان وهو في منتهى قلة الإمكانية إزاء القوى الهائلة المدججة بالآلة المتقدمة التقنية والمدججة بالسلاح الفتاك المرعب لقوى المال اليهودي والسيطرة على العالم. أيقظتنا الانتفاضة على فعل الإنسان في وقت تحول فيه العالم الحديث وما بعد الحديث نحو إعلان الموت للإنسان، هذا الذي همش وأقصي وضاع دوره في تحويل التاريخ.

 

للانتفاضة فلسفة تنتمي إلى الفلسفات العملية، وهي فلسفة غير معقدة والأهم أنها قابلة للاعتناق في هذا الزمن، زمن نهاية الإنسان، ما زال الإنسان قوياً في هذا الزمن مهما تضاءلت إمكاناته المادية.

 

ومازالت قواه الإعجازية الجبارة كامنة ويمكن تفعيلها كما يحدث في فلسطين، هذه هي فلسفة الانتفاضة. ولو لم يكن الكثيرون من العرب وغيرهم اعتنقوا مجدداً فلسفة الإيمان بالإنسان هذه لما كانوا يتوقعون دائماً وبعد كل هجوم أو مذبحة إسرائيلية أن ترد قوى الانتفاضة بنفس القوة وبما يعادل الألم والخسائر في الصف الفلسطيني، إنهم يعلمون أن لا مجال لمقارنة قوة الفلسطينيين بقوة "إسرائيل". ولكنهم صاروا يؤمنون بقوة الإنسان الفلسطيني الجبارة التي أوجدت "توازن الرعب" الذي هو أحد شعارات الانتفاضة وفي نفس الوقت أحد أهدافها.

حضور الإنسان كقوة تعمل على أن تكون مكافئة لقوة "إسرائيل" المدججة بكل شيء، هذا الإنسان الممثل في الاستشهادي وحتى غير الاستشهادي الذي يتحمل بشكل غير عادي قتل أولاده واقتلاع أشجاره وهدم بيته كان بشكل ما تعويضاً عن تغييب الإنسان في المنطقة العربية عن حلبة الصراع الحي، كما أنها تحمل رسالة إلى العالم كله عن أن الإنسان موجود في هذه البقعة من العالم التي يختل فيها ميزان القوة بشكل فادح "هل هم بعد ذلك أن دعي هذا الإنسان إرهابياً؟).

 

النظرة إلى الانتفاضة كرمز لقوة الإنسان وما يمكن أن يفعله للدفاع عن وجوده تعززها كونياً مقارنتها بمقاومات الشعوب وحركات التحرر التي عرفها العالم الحديث والتي لقيت دوماً عوناً خارجياً فعالاً بالسلاح والمال مثل المقاومة الفيتنامية والجزائرية، لا يوجد هذا طبعاً لدى الانتفاضة المحاصرة بتهمة الإرهاب والمحاصرة فعلياً من كل المداخل والاتجاهات.

 

لماذا تبع الشعب العراقي طريق المقاومة سريعاً جداً بعد الاحتلال وفي ظل شروط اختلال قوة شديد يشبه اختلال القوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ أليس ذلك لأن الانتفاضة الفلسطينية قد نشرت ورسخت فلسفتها في المنطقة وتولد مثيلاتها حتى وإن اختلفت قليلاً أو كثيراً في الأسلوب، وهي كتجربة للإنسان في اختباره لقواه الجبارة في لحظة دفاعه عن وجوده تتكرر ويمكن أن تتكرر خارج المنطقة.

 

لماذا الآن في ذكرى الانتفاضة الرابعة تهاجم الانتفاضة من داخلها وممن يفترض أنهم بعض "أبنائها" الذي تحدث بالأمس أحدهم وهو محمد دحلان (صحيفة المورننغ ستار اللبنانية) الذي أراد إقناعنا أن الانتفاضة لم تأت بخير على الفلسطينيين بل أضرتهم وأفقرتهم وخربت ممتلكاتهم واقتصادهم. هذه الحملة "المتجرئة" على الانتفاضة في ذكراها الرابعة تأتي بعد إجراءات قطعها من المساعدات المالية من العرب والمسلمين وتأتي بعد وصم أهم قواها المقاومة بالإرهاب، إنها تعني أن الحرب مستمرة عليها بشكل خطر آخر، وتعني أيضاً، وفي ظل الوضع الجديد في المنطقة صارت أكثر من أي وقت مضى تهديداً (في منطقها وفلسفتها وأثرها) في نظر من يخططون للتحكم التام بهذه المنطقة.