ضاق أفق الحلول السياسية كما رأته قيادة
منظمة التحرير الفلسطينية عبر السنين السالفة، وبات واضحاً أن ما يمكن قبوله
"إسرائيلياً" وأمريكياً هو إقامة كيان فلسطيني يمكن تسميته دولة يقوم
بالأعباء الأمنية المطلوبة "إسرائيلياً" مع تسيير الحياة اليومية
للفلسطينيين. أي أن المطلوب هو قيام الفلسطينيين بعمل الاحتلال بالوكالة مقابل أن
يكونوا آمنين وقادرين على العمل في "إسرائيل" وتلقي مساعدات مالية من
هنا وهناك تعينهم على الاستمرار في الحياة الاعتيادية. أما الطموحات الفلسطينية الكبيرة
والأحلام فلا مانع من أن تبقى ضمن دائرة المنام السعيد الذي لا تتخلله الكوابيس
إلا قليلاً. وواضح أن هذه الرؤية ليست "إسرائيلية" فقط، وإنما تخيم على
التفكير العالمي الذي لا يقوى على خوض جدل ولو حتى تفاهمي مع الولايات المتحدة
بخصوص القضية الفلسطينية.
ولهذا من المهم أن تفكر السلطة الفلسطينية
بمسألة الوحدة الوطنية بصورة أكثر جدية في ضوء تجربة السنين السابقة. من الناحية
الفكرية، ساد رأي فكري وأكاديمي في صفوف الشعب بأن الوحدة الوطنية يجب أن تبقى
دائماً الهدف الأسمى للشعب بكل فصائله وتنظيماته وأحزابه وأفراده، وأنه إذا اصطدمت
الوحدة الوطنية بأي قضية أخرى مهما بلغت أهميتها فإن الوحدة الوطنية يجب أن تكون
الخيار. أما إذا كان الخيار قضية لا تأخذ باعتبارها الوحدة الوطنية أو تتجاوزها أو
تتغذى عليها فإنه يصعب جداً تحقيق إنجاز. وقد ثبت تاريخياً في مرحلتي ما قبل عام 1948
وما بعد 1967 أن الشعب الفلسطيني قد دفع ثمناً باهظاً لسياسات لا تحرص على وحدة
الشعب. مزقت العائلات قبل عام 1948 صفوف الشعب وانتهى بالتالي إلى التشريد، وتجاوز
قادة منظمة التحرير وعدد من الفصائل مسألة الوحدة حتى اضمحل هدف التحرير إلى هدف
إقامة دولة وتقزم هذا بدوره إلى حكم ذاتي أجاز القيام بمحرمات ستبقى غير مشرّفة في
تاريخ الشعب الفلسطيني.
لكن الوحدة الوطنية الفلسطينية كانت دائماً
تجد تعبيراً لها في الميدان أو على أرضية المواجهة مع العدو. صنع المواجهون
والمجاهدون والمناضلون دائماً وحدة هدف ووحدة مصير. ترك ثوار عام 1936 القيادات
السياسية والعشائرية خلفهم وعملوا على تصعيد العمل العسكري ضد البريطانيين
والصهاينة. وتجاوز المناضلون في السبعينات كل الخلافات الفصائلية والحزبية
واستطاعوا أن يخوضوا مواجهات نضالية وسياسية فعالة ضد الاحتلال. وخلال الانتفاضة
القائمة حاليا استطاع المقاومون من مختلف الفصائل بخاصة من فتح وحماس والجهاد
الإسلامي والجبهة الشعبية أن يصنعوا وحدة وطنية ميدانية مقاومة متجاوزين في ذلك كل
الادعاءات السياسية والتشعبات الديبلوماسية. لكن هذه الوحدة تبقى أحادية الجانب
وذات مدى زمني محدود، هذا إلا إذا بقيت المواجهة الساخنة مع العدو عبارة عن حالة
يومية وتحولت إلى استراتيجية. أي أنه لا مفر من أن تنعكس الوحدة الميدانية على
النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتنظيمية وغيرها. أي يجب أن
يأخذ المستوى السياسي دوره في صياغة أسس ووقائع الوحدة الوطنية والتي تعتبر في
النهاية القلب الذي يحتضن استراتيجية التحرير أو إقامة دولة حقيقية.
يتم طرح فكرة الوحدة الوطنية بمعناها الشامل
هذه الأيام على الساحة الفلسطينية، ويقوم رئيس الوزراء المكلف باللقاءات الضرورية
مع قادة فصائل وأحزاب لكسب أكبر مشاركة ممكنة بحكومته. مع كل التمنيات بنجاح
العمل، يبقى من المهم عدم العودة إلى أساليب إقامة وحدة وطنية استاتيكية لا تجد
لها ترجمة فاعلة على الساحة. سبق أن هبّت على الفلسطينيين رياح الوحدة الوطنية وتم
الحديث عنها بحماس وحمية وأمل ولم تكن النتائج في النهاية كما كانت التوقعات. ثارت
قضية الوحدة الوطنية عدة مرات في السبعينات ولم يتحقق منها سوى عدة مقاعد يأخذها
هذا الفصيل أو ذاك في مجالس وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية، ولم ترتق الأمور إلى
مستوى القيادة الجماعية ولا إلى مستوى صرف الأموال ولا إلى مستوى سياسة أمنية
فلسطينية تحمي الصفوف من العملاء والجواسيس. وثارت محاولات تحقيق وحدة وطنية خلال
انتفاضة عام 1987 ولم تنجح، وتكرر التأكيد على صيغة حوار وطني في التسعينات ولم
ينجح. بالتأكيد لا يريد الفلسطينيون تكرار تجارب لم يكن الهدف منها سوى إضاعة الوقت
ولم تؤد إلا إلى مرارة عامة.
فحتى تكون هناك جدية نحو النجاح أرى، من خلال
تجاربي ومعرفتي، أنه من المفروض التركيز على ما يلي:
يجب تشكيل لجنة متنوعة العضوية مسؤولة عن تلقي الأموال وصرفها.
هذه أهم قضية على صعيد ترتيب الوضع الداخلي الفلسطيني. يجب ألا تكون الأموال حكراً
على شخص أو تنظيم أو على الأمريكيين، ومن المفروض انتقالها إلى أيدي الشعب
الفلسطيني لتسهل مراقبة الدخول والنفقات بخاصة فيما يتعلق بتوزيع الميزانية على
القطاعات المختلفة. هناك خوف كبير الآن بأن الأمريكيين هم الذين يقررون كيفية
توزيع الميزانية فيركزون على القطاعات التي تخدم مصالحهم وليس على الأولويات
الفلسطينية.
لا بد من تشكيل قيادة جماعية لصناعة القرار الفلسطيني، ومن
المفروض أن تتحرر حركة فتح من ممارساتها التاريخية وتدرك أن العمل الجماعي لمصلحة
الجميع بما في ذلك مصلحتها هي. من المهم تشكيل مجلس قيادة من أعضاء لا يدينون لأحد
بمال أو منصب أو وظيفة أو أي مصلحة شخصية أخرى. تعب الفلسطينيون من الذين يضعون
أنفسهم عبيداً لمصالحهم الشخصية فيصمتون على ما يرون من تجاوزات ويدلون بأصواتهم
تأييداً لها. ومن المهم أن يأخذ كل مجلس دوره بحرية، وأن تلتزم كل مستويات القيادة
بالقرارات الفلسطينية.
المطلوب تشكيل محكمة دستورية مسؤولة عن متابعة القيادتين
التنفيذية والتشريعية والتزامهما بما يتم إقراره، وعن الاطمئنان للجهاز القضائي،
وأن تكون لديها صلاحية تحميل المسؤولية والعزل.
يجب تحرير الوظائف العامة من الفساد بخاصة الوساطات والمحسوبيات والفئوية
واعتماد الكفاءة المهنية في إدارة المؤسسات العامة.
إعداد برنامج وطني لملاحقة العملاء والجواسيس الذين ينخرون جسد
الشعب ويفتون من عضده، وملاحقة الفاسدين الذين ينهبون أموال الناس ويدمرون عمل
المؤسسات العامة.
أن يصار إلى إصلاحات جذرية في المجالات الاقتصادية والتنظيمية
والاجتماعية والثقافية.