تواتر الاحداث في المنطقة، تشير الى فشل
الولايات المتحدة الامريكية في اثبات اسباب عدوانها على العراق، وخاصة فيما يتعلق
بإثبات وجود اسلحة الدمار الشامل التي بنت عليها امريكا حجتها لتبرير الحرب. وقد
اتضح ايضا ان النظام السياسي الذي ظل يقود دفة الحكم في العراق منذ ثلاثة عقود، لم
يكن يشكل تهديدا لا لامريكا ولا لاي احد من جيرانه، حتى لو حسبنا اسرائيل التي
تحتل فلسطين وتهدد باقي الدول العربية احد هؤلاء الجيران، رغم عدم انطباق الصفة
على الموصوف...!؟ وبالتالي فإن الحرب لم تكن مبررة حسب القوانين الدولية وشرعة
الامم المتحدة مما يضعنا مرة اخرى امام حقائق لا يمكن التغاضي عنها في دراسة
المصالح الخاصة للدول الكبرى والتي تعبر من خلالها عن رؤيتها لامن منطقتنا
العربية، وبالتحديد منطقة الخليج العربي.
وبلا شك، فإن منطقة الخليج تمثل اهمية كبرى
في استراتيجيات العديد من القوى الفاعلة والموثرة في عالمنا المعاصر، وذلك لعدة
اسباب سياسية وجغرافية واقتصادية وعسكرية. وبسبب هذه الاهمية، حظيت منطقة الخليج
باهتمام العالم لكل ما تمثله من تأثيرات على خريطة الاحداث اليومية العالمية.
والتاريخ يحكي ان بريطانيا، وقت ان كانت
الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، وخلال الربع الاخير من القرن التاسع عشر،
قد احكمت سيطرتها على مقدرات المنطقة، وانها قد فرضت الحماية عليها بصورة مختلفة،
وكان دافعها وراء ذلك تأمين مصالحها في المنطقة.. واعطت لنفسها الحق في تحمل
مسؤولية تأمين الملاحة في الخليج العربي، معتبرة نفسها انها القوة العظمى الوحيدة
في الغرب التي يجب ان تتواجد عسكريا في المنطقة..!!؟
التاريخ يعيد نفسه هذه المرة عن طريق
الاستراتيجية الامريكية في المنطقة بنظرية ملء الفراغ التي بدأت بمبدأ نيكسون في
توكيل شاه ايران السابق في القيام بدور الشرطي لحساب الولايات المتحدة الامريكية
في الخليج العربي ومرورا بمبدأ جيمي كارتر الذي اعلن استعداد الولايات المتحدة
للتدخل المسلح السريع لضمان امن الخليج بعد سقوط نظام الشاه في طهران، وهو المبدأ
نفسه الذي استمر عليه رؤساء البيت الابيض من رونالد ريغان الى بوش »الاب« وكلينتون
ثم جورج بوش »الابن«، الكل منهم ظل ملتزما بهذا المبدأ حتى استطاعوا الهيمنة
الكلية على مقدرات الخليج سياسيا وعسكريا واقتصاديا..!!؟
ودون غيرها من مناطق العالم، تتميز منطقة
الخليج بعدد من الخصائص الجغرافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، تتمثل فيما
يلي:
- ان اقليم المنطقة الجغرافي، صحراوي في
غالبيته العظمى، واراضيه مفتوحة دون عوائق طبيعية مما يتيح امام القوى الكبرى
ميدانا للمعارك يسهل الخوض فيه بالاسلحة التدميرية دون رقيب او حسيب.
- ان الكثافة السكانية في معظم دول الخليج
العربي ضئيلة الى الحد الذي لا يمكن ان تشكل به اية مشكلة للحد من اجتياح اي من
القوات النظامية لاراضي المنطقة في سهولة واضحة.
- ان السواحل الخليجية كلها تقريبا تعتبر
مناطق انزال بحري نموذجية، من ذلك الطراز الذي تفضله كل القوات المحمولة بحرا،
وهذا الاعتبار ولا شك يدخل ضمن حسابات الخطط التفصيلية التي وضعتها القوى الكبرى
للتدخل في المنطقة عند تعرض مصالحها للخطر.
- ان الخليج العربي ذاته يعتبر بخصائصه
الجغرافية، مسرحا مناسبا للعمليات البحرية من قبل الاساطيل الكبرى، وذلك لسهولة
التحكم في مدخله عند مضيق هرمز.
- ان الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ السائد
في منطقة الخليج قد جعلا منها طريقا رئيسيا لا يسهل الاستغناء عنه لحركة الملاحة
والنقل الجوي بين الشرق والغرب، فضلا عن كونها طريق المواصلات بين قارات العالم
القديم منذ قديم الزمان.
- ان المنطقة غنية بمصادر البترول، الى
الدرجة التي اعتبرت معها احد المصادر الرئيسية للامداد بالطاقة في عالمنا المعاصر،
كما ان احتياطياتها من هذا البترول تضع الخليج بأسره في مرمى المطامع الدولية،
والاحتكارات العالمية.
وعليه، بنت الولايات المتحدة الامريكية اسس
استراتيجيتها في منطقة الخليج على المحددات التالية:
- اعتبار التهديد السوفياتي قبل التسعينيات
من القرن المنصرم مصدر الخطر الرئيسي لمصالح دول الخليج، وللمصالح الامريكية.
- اعتبار اي وحدة اقليمية عربية مصدر خطر
يهدد مصلحة الغرب الرأسمالي وامريكا الامبريالية، فلذلك تم القضاء - في المهد -
على مجلس التعاون العربي.
- اعتبار اي تنسيق عقائدي مبني على روح
العقيدة الاسلامية السمحة »ارهابا«، وتحشيد العالم ضده باعتباره يهدد مصالح امريكا
والغرب، ومحاولة نشر ثقافة الضد بالتدمير الاعلامي والحربي.
- تأمين منابع البترول، وضمان استمرار تدفق امداداته
الى الولايات المتحدة الامريكية دون انقطاع، عن طريق اللجوء الى استخدام القوة
المسلحة كما هو حاصل الآن بعد احتلال العراق.
- العمل على توجيه عائدات البترول التي تحصل
عليها دول الخليج، لكي يتم استثمارها في الولايات المتحدة دون غيرها من بلدان
العالم.
- العمل على ضمان استمرار جيوش المنطقة في
شراء السلاح الامريكي والاعتماد عليه، على اساس ان اعتماد الجيوش الخليجية على
السلاح الامريكي من شأنه ان يجعل من صناعة الاسلحة الامريكية قوة ضاغطة عند
اللزوم، فضلا عن الارباح الطائلة التي تجنيها الصناعة الحربية من وراء بيع الصفقات
المختلفة.
وعليه، تتضح الصورة لابعاد سخونة الاحداث
التي تحصل في منطقة الخليج العربي هذه الآونة، فأمن الخليج في رأي القوة الكبرى،
يعني الحفاظ على مصالحها في المنطقة عن طريق هز الاستقرار الذي يمكن ان يسود في
البلاد بغرض تقويض الانظمة التي تقود فيها. ولا يهم واشنطن كثيرا من يحكم هنا ومن
يسود هناك، المهم هو ضمان استمرار تدفق البترول واستثمار عائداته والاستفادة من
الموقع الاستراتيجي الهام، وهذا اليقين يفرض في الواقع التزامات قومية خطيرة على
شعوب المنطقة العربية بشكل عام والخليجية بشكل خاص، تستلزم الكثير لضمان استقلال
وحرية ابنائها من خلال العمل على كسر حلقات الحزام الاستراتيجي الذي تسعى الولايات
المتحدة الامريكية باستمرار لاقامته في منطقتنا..!!؟