ليس مجرد هدنة بل تجريد حماس من السلاح ·· ثم التفكيك الكامل

 

 

 

بقلم : خالد الحروب

 

موقف الإدارة الأميركية الحالية من حماس، وكما تقول أنترناشيونال هيرالد تريبيون، الصحيفة التي تكاد تنقل وجهات النظر الرسمية للخارجية الأميركية، هو نسخة طبق الأصل من موقف "إسرائيل". في السنوات السابقة كانت الإدارات الأميركية تأخذ مسافة، تقل أو تكبر، عن الموقف الإسرائيلي التقليدي الذي يعتبر حماس منظمة إرهابية، كان هناك تفريق بين جناح حماس العسكري، كتائب عز الدين القسام، والأجنحة السياسية والاجتماعية لها (كما هو الموقف الأوروبي الحالي من الحركة)، وكانت "إسرائيل" تضغط على الإدارات الأميركية لاتخاذ موقف واحد، غير تجزيئي، من حماس وضمها إلى القائمة السنوية سيئة الصيت حول الدول والمنظمات الإرهابية أو التي ترعى الإرهاب، بحسب الرؤية الأميركية.

 

إدارة بوش، وكما يسجل كثير من المحللين، هي الصيغة الليكودية الأميركية غير المسبوقة للسياسة الإسرائيلية، حيث لا تتبنى فحسب الموقف الإسرائيلي، بل والجانب الليكودي منه. بشأن حماس، كانت واشنطن تريد وتطلب على مدار السنوات الماضية، سواء من السلطة الفلسطينية أو الدول العربية المحيطة، أن يُصار إلى ممارسة ضغط على حماس لإيقاف عملياتها العسكرية والتفجيرات التي تقوم بها وسط المدن الإسرائيلية، أي بلغة حماس الوصول إلى هدنة، تعطي العملية السلمية فرصة للتقدم. وكان الحصول على تلك الهدنة هدفاً كبيراً سواء للسلطة الفلسطينية، أم لإسرائيل أم للولايات المتحدة. وكان وقف حماس لعملياتها في أي وقت، وما زال، عاملاً مهماً في إبطال الذرائع الإسرائيلية، خاصة في عهد شارون، التي بها تسوغ كل الاعتداءات الوحشية على الفلسطينيين، والإبقاء على الاحتلال، وتوسيع الاستيطان وتكريس الأمر الواقع.

 

لذلك، فإن قرار حماس والجهاد الإسلامي الأخير بوقف عملياتهما يعني سحب تلك المسوغات، وبالتالي دفع "إسرائيل" إلى واحد من خيارين: إما الانتقال خطوة باتجاه ما تفترضه خريطة الطريق من تحرك مكافئ للخطوات الفلسطينية، وإما اختلاق ذريعة أخرى والتمسك بها للتهرب من أية التزامات شكلية أو حقيقية تفرضها خريطة الطريق. "إسرائيل" اختارت الخيار الثاني، والولايات المتحدة دعمتها فوراً، وكان ذلك عن طريق إزاحة وتغيير الموقف الثنائي الإسرائيلي- الأميركي من اشتراط وقف أعمال العنف والإرهاب بحسب تعبيراتهم كخطوة أساسية وأولية للانتقال لأية مفاوضات مع الفلسطينيين. الإزاحة التي حصلت في الآونة الأخيرة خطيرة وكبيرة، وتتمثل في نقلتين متتابعتين تخضعان كما يبدو لتنسيق دقيق بين صناع السياسة الإسرائيلية ونظرائهم الأميركيين بدليل التوافق التام حتى في اختيار الألفاظ.

 

النقلة الأولى تمثلت في التركيز على ضرورة ومشروطية نزع سلاح حماس وبقية الفصائل المعارضة كخطوة أولية لابد منها للمضي في خريطة الطريق. أي لا يكفي أن تعلن حماس وبقية المجموعات الهدنة ووقف العمليات، بل مطلوب منها تسليم أسلحتها، وإنهاء بنياتها العسكرية، وهو أمر لا يمكن أن تقبله هذه المنظمات تحت أي ظرف، ولا يُظن أن السلطة الفلسطينية مستعدة لخوض معركة من هذا النوع الآن أو في السنوات القليلة المقبلة - ما لم يتحقق تغيير جذري على الأرض يقنع غالبية الفلسطينيين.

 

أما النقلة الثانية في الإزاحة الموقفية الخطيرة التي حدثت، فهي بدء التركيز في الأيام القليلة الماضية على فكرة تفكيك حماس وليس فقط نزع سلاحها، فضلاً عن القبول بوقف عملياتها. والموقف الأميركي في هذا الصدد بالغ الخطورة لأنه يوفر غطاء دبلوماسياً وسياسياً للموقف الشاروني الرافض لفكرة الهدنة المؤقتة. فقد أعلن مسؤول كبير في الخارجية الإسرائيلية عن رفضه إعلان حماس والجهاد الإسلامي (يوم الأحد 29 يونيو) وقف عملياتهما لمدة ثلاثة أشهر، وقال: إن "إسرائيل" تطالب بـتفكيك هذه المنظمات كشرط لنجاح خطة الطريق، وأن الإيقاف المؤقت سيتيح لهما التقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الصفوف. قبل هذا الموقف بثلاثة أيام كان جورج بوش يخطب في عدد من القادة الأوروبيين في واشنطن مؤنباً إياهم بسبب موقفهم المتراخي إزاء حماس، وعدم انصياعهم للتعريف الأميركي للحركة بأنها حركة إرهابية من دون التفريق بين أي من أجنحتها. والأهم من ذلك أنه كرر مرتين قائلاً: إن تفكيك حماس شرط لنجاح خريطة الطريق.

 

منبع الخطورة في الموقف الأميركي هذا، إن تم التمسك به حقاً، يأتي ليس فقط من إنهائه ودفنه بشكل مبكر أية أحلام قد تراود البعض حول جدية الإدارة الأميركية بشأن خطة خريطة الطريق، بل من أنه يدفع الفلسطينيين دفعاً نحو الحرب الأهلية. فمن ناحية تمارس الإدارة الأميركية ضغوطاً هائلة على السلطة الفلسطينية وحكومة أبو مازن لإقتناص الفرصة الذهبية، وترفع على رقبتها سيف الوقت، وسيف الانتخابات الأميركية القادمة، وسيف الضجر الذي سيصيب الأميركيين جراء مداومة إغلاق فتح الملف الفلسطيني، وأن الإغلاق القادم قد يطول إن لم تنجح خريطة الطريق. ومن ناحية ثانية تشترط الإدارة الأميركية على السلطة الفلسطينية، لإقتناص الفرصة اشتراطات تضعها في موقف الخصم والعدو لشعبها فيما لو طبقتها وأرادت فعلاً أن تمضي فيها. فسواء تجريد حماس أو بقية الفصائل من السلاح، أو مجرد التفكير بتفكيك حماس لن يكون مهمة ستديرها أو تنخرط فيها مباشرة الولايات المتحدة أو "إسرائيل"، بل ستحال إلى السلطة الفلسطينية للتطبيق. وسيُصار إلى اختبار جدية ونوايا السلطة إزاء ليس فقط خطة الطريق، بل وأية شروط وتعديلات إسرائيلية/ أميركية جديدة بحسب نجاح أو فشل السلطة في مهمة تجريد حماس من سلاحها أو تصفيتها.

 

على الأرض، وفيما خص خطة خريطة الطريق، يمكن ملاحظة أن العنصر الذي يحظى بالاهتمام الأكبر من زاوية التطبيق هو الموجه إلى التخلص من خطر حماس وشقيقاتها. ففضلاً عن الضغوط الفلسطينية والإقليمية (الناتجة عن ضغوط إسرائيلية وأميركية أشد بالطبع) على حماس لإعلان هدنة، فإن الانسحابات الإسرائيلية التي يتم الحديث عنها من قطاع غزة وبيت لحم -غزة بيت لحم أولاً- هدفها الأساسي تسليم أمن هذه المناطق للسلطة الفلسطينية على سبيل الاختبار ولمراقبة مدى نجاحها في تطويق نجاح حماس بالدرجة الأولى. أما بقية عناصر الخطة فلا يبدو أنها تحظى سوى بأهمية ثانوية. فلا حديث عن تفكيك المستوطنات، بل عن زيادتها، وخاصة أن الحكومة الإسرائيلية أقرت في الأيام القليلة الماضية إنشاء 12 مستوطنة جديدة. في المقابل يستمر الاستعراض الإعلامي في تفكيك بعض الكرافانات التي ضُخم اسمها لتصبح مستوطنات غير قانونية وبذلك أصبحت هذه المستوطنات مصدر شرعية غير مباشر للمستوطنات الأكبر والأخطر والأهم التي هي قانونية عند مقارنتها بالصنف الكارافاني من المستوطنات.

 

الخطيئة الكبرى في خريطة خطة الطريق، هي الخطيئة نفسها التي حملتها اتفاقات أوسلو وكانت السبب في فشلها، وهي تأجيل الحقوق الفلسطينية الكبرى، وحشر القضية كلها في المنظور الأمني. إن تفريغ المسألة من جوهرها السياسي الحقوقي الإنساني الناتج عن احتلال عدواني عسكري، إلى مجرد قضية أمنية وخلايا عسكرية إرهابية معناه تكرار الفشل ثانية. فهذه الآلية تعطي "إسرائيل"، برضى أميركي مقرف، اليد الطولى لأنها ستظل تختبر صلاحية الفلسطينيين لأن يتفاوضوا معها، وتختبر قدرتهم على قمع أنفسهم. وكل ما تتمناه في هذا الاختبار هو وصول الأمور إلى نقطة الانفجار والحرب الأهلية حيث عندها تتنفس "إسرائيل" الصعداء، وتضع ساقاً على ساق لسنوات طويلة قادمة. ومن هنا يأتي الدفع المحموم لاستفزاز حماس وبقية القوى لجرها إلى الدفاع عن نفسها في وجه استراتيجية التجريد من السلاح ثم محاولة التفكيك.