على الرغم من حرص كل من الطرفين الفلسطيني
والإسرائيلي على اعتبار وقف إطلاق النار بينهما شأناً فلسطينياً داخلياً، أملته
الحسابات" الوطنية" لكلٍ منهما، فإن ما تم حتى الآن إذا ما قشرناه من
تمويهاته البلاغية هو هدنة بالمعنى التام للكلمة، غير أنها هدنة من نوعٍ خاصٍ غير
مألوف في تاريخ الهدنات، يحتمل غموضها" البلاغي" السماح لكل من الطرفين
بفهمها وفق مصالحه أو مقتضياته الاستراتيجية العليا، أو موازين الصراع بينهما،
وبالتالي رمي الكرة في كل لحظةٍ مواتيةٍ في مرمى الطرف الآخر، متى احتاج كل من
الطرفين إلى تحسين وضعه في المفاوضات التالية المفترضة.
مثلت هذه الطريقة البلاغية في تخريج الهدنة،
نوعاً من تخريجات الضرورة في حرب استنزاف الألف يوم، إذ إن حكومة شارون لا تستطيع
لألف سبب وسبب أن تبرم على مسمع ناخبيها هدنة" رسمية" مع تنظيمات"
إرهابية"، وهو الاسم الإسرائيلي لمنظمات المقاومة الراديكالية، لكنها تخرّج
ذلك في أن تعاملها الوحيد هو مع السلطة الفلسطينية، بقدر ما إن تلك الفصائل لألف
سبب وسبب أيضاً، لا تستطيع أن تبرم مثل ذلك مع من تعتبره عدوها الوجودي. ومن هنا
أتى الشكل اللغوي أو التخريج البلاغي التبريري" المشروط" للهدنة في شكل
وقفٍ فوريٍ لإطلاق النار ما بين الطرفين، نوعاً من تسوية الضرورة، التي يتراجع
فيها كل من الطرفين خطوتين إلى الوراء في سبيل ما يعتقد أنه خطوة إلى الأمام، لكن
يده ممسكة على الزناد حين الضرورة. في حين أن الرباعية وهي هنا بشكلٍ أساسيٍ
الراعي الأمريكي ليست مكترثةً ببلاغة كل من الطرفين بل بالنتائج الملموسة، فهي
تدرك جيداً أن كلاً من الطرفين يحتاج إلى هذه البلاغة كي يسوّق النتائج المترتبة
عليها في مجاله.
تبدو" الهدنة" الملفعة ببلاغة
التبرير المشروطة هنا بمثابة أول اختراقٍ أمريكيٍ جديٍ حقيقيٍ لوضع المرحلة الأولى
من خريطة الطريق- التي تنص على وقف "إسرائيل" لكافة عملياتها الحربية
العدوانية ضد الفلسطينيين شعباً وأفراداً، مقابل التزام السلطة الفلسطينية بإيقاف
كل أشكال المقاومة العسكرية لإسرائيل وضمناً إيقاف حتى رمي الحجارة- موضع التنفيذ،
وهي تنجح هنا حتى الآن في هذه النقطة التي فشل فيها كل من ميتشيل وتينيت وزيني،
بما يعنيه ذلك من أن الهدنة تمثل تطبيق المراحل الأولية لخطط هؤلاء برمتهم. ويدين
هذا" النجاح" في سير الخطوة الأولى في حقل الألغام الكثيفة إلى المخرج
الأمريكي الدؤوب الذي لعب هنا على وجه الضبط دور المخرج" الشاطر" في
المسرحية مع ترك جميع الأطراف المحلية والإقليمية تمثل دورها وفق مبدأ اللياقة
والمناسبة، الذي يصب في النهاية في" المقدمة المنطقية" للمسرحية أي في
وظيفتها وغايتها التأثيرية، كما يقال في لغة النقد المسرحي.
لعل ذلك ما يفترض أن الهدنة كما يفهمها كل من
الطرفين بحاجةٍ مستمرةٍ إلى تدخل المخرج وضبط اللاعبين بقواعد التمثيل الصعبة التي
تحتاج إلى كثيرٍ من الترويض. وهنا تكمن وظيفة المراقبين الأمريكيين بقيادة الموفد
الأمريكي جون وولف. ويعني ذلك حقيقة أن حضور الطرف الثالث في الصراع هو حتمي ولن
يمكن تحقيق أي تقدم في خطوات الخريطة وعلى الأقل مرحلتها الأولى دونه، وهو ما يمثل
أحد المداخل العملية المحتملة على الرغم من بعدها اليوم عن مدار التحقق لتدويل
الإشراف.
لقد مثّلت الهدنة بالمفهوم الفلسطيني،
ولاسيما أنه تم تخريجها في إطار توافقٍ وطنيٍ، رمياً" ماهراً" على
المستوى السياسي للكرة في ملعب شارون، الذي بذل كل ما في وسعه لتعطيلها، وسبق له
أن رفض كل الأفكار التي طرحت سابقاً عنها، وفي عدادها فكرة خطاب رئيس دولة
"إسرائيل" عن الهدنة في المجلس التشريعي الفلسطيني في شهر نوفمبر 2001.
وصحيح أن غموض الهدنة يتيح لشارون تفجيرها عبر تصفية ما يسميه بـ" القنابل
المتكتكة" أو" الموقوتة" إلا أن الجديد هنا هو رهن ذلك بإطلاع
الطرف الثالث وبعد استنفاد قدرة السلطة الفلسطينية على ذلك. ويجب أن نفهم ذلك
كبحاً لشارون وليس تنازلاً وطنياً فلسطينياً، إذ إن الشرط الوطني الفلسطيني يفترض
وقف العدوان الإسرائيلي المستمر عليه، في مرحلةٍ تمكنت فيها "إسرائيل"
من إقناع العالم عبر التضليل بأن من يرفض السلام هم الفلسطينيون وليس
"إسرائيل"، وتحويل الضحية إلى متهم. وهو ما استثمرته
"إسرائيل" ببراعة عقب كل عملية استشهادية كانت تتم في الواقع رداً على
ما يسمى إسرائيلياً بـ" إحباطٍ موضعيٍ"، فلن نستطيع إنكار حقيقة توظيف
"إسرائيل" للعمليات الاستشهادية ضد الضحايا.
لا ريب أن واشنطن قد وظفت جهداً تدخلياً
حقيقياً، لم تكن هناك ثقة مسبقة به، وكان أكثره يتم عبر الكواليس، من أجل إنجاح
المرحلة الأولى لخريطة الطريق، والتي لا يرى الراديكاليون الفلسطينيون سوى أنها
تعني إيقاف الانتفاضة، عبر حلولٍ من طراز" غزة-بيت لحم أولاً" التي
تستجيب لرؤى شارون، في تحميل السلطة الفلسطينية مسؤولية القمع الأمنية. لكن
الراديكالية الفلسطينية التي أقرت" الهدنة" ستجد أن ردها في حال اختراق
شارون له سيكون شرعياً، وسينعكس ذلك إيجابياً على سمعة النضال الفلسطيني الذي
تمكنت "إسرائيل" عالمياً من تشويهه عبر استثمار العمليات الاستشهادية
التي كانت في الحقيقة تمثل رد الضحايا.
إن التفاؤلية هنا يجب ألا تكون طليقة، وهي ليست كذلك لمختلف
الأطراف بمن فيهم الرباعية أي الطرف الأمريكي بصورةٍ جوهريةٍ، فحتى لو افترضنا
تطبيق المرحلة الأولى من الخريطة على" سمنٍ وعسل"، فإن المراحل التالية
هي الأكثر خطراً. ذلك أن تفهم واشنطن بل موافقتها فعلياً على اثنتي عشرة نقطة من
الاعتراضات الإسرائيلية على ما نصت عليه خريطة الطريق، من أصل أربعة عشر اعتراضاً،
يضع الخريطة في مدار التفجير الكامل، إذ إن المرحلة التالية مرهونة بأن التزام كل
من الطرفين بالتنفيذ هو الأساس في الانتقال إلى مرحلة تالية وليس الالتزام بجدولٍ
زمنيٍ، ويعني ذلك فتح المشاكل وليس حلها حتى إشعارٍ آخر، ولاسيما أن عودة
"إسرائيل" إلى حدود ما قبل 28 سبتمبر 2000 مرهونة هنا بالظروف الأمنية.
وهو ما سيضعف السلطة الفلسطينية في مرحلةٍ لاحقةٍ، ويهز من سمعتها الوطنية من حيث
إنها اليوم مع الهدنة قوية سياسياً في مجال الضرورة الوطنية.
إن القنابل المتكتكة الفعلية لا تتمثل
بالشهداء الفلسطينيين المحتملين وما أكثرهم في شروط الاحتلال الفظيع، بل في تفهم
واشنطن وإقرارها فعلياً باثني عشر تحفظاًٍ لشارون، يمكنها أن تجعل من الخريطة
هباءً منثوراً على قارعة الطريق بدلاً من أن تكون خطواتٍ حقيقةٍ فيه. ويثير ذلك
تساؤلاً مفهوماً عن سر موافقة شارون على طريقته على الهدنة، وانسحابه من غزة، إذ
إن شارون لا يريد في حقيقة الأمر هدنة بل تفكيكاً تاماً للمنظمات الفلسطينية
المعارضة، مع أن ذلك ليس ممكناً أبداً في الجو الفلسطيني، حتى ولو تولت قوات
واشنطن ذلك مباشرةً. وما سيسعى شارون له هو هذا الهدف الذي لن يمكن لحكومة أبو
مازن أن تضطلع به على الطريقة الشارونية.
نحن اليوم في أول الطريق الملغّم، وما يقوله
شارون لقاعدته في هذه المرحلة، هو أنه لم ينسحب بل أعاد انتشاره إلى محيط المدن،
وأنه يمرّر المرحلة الأولى بهدف الإجهاز على الانتفاضة من خلال الهدنة، لكنه سيكون
اللاعب الأساسي في المرحلتين التاليتين، وأن على الإسرائيليين أن يثقوا بأنه يعرف
متى "سيخوزق" الفلسطينيين، في حين أن منظمات المقاومة لا ينقصها الرد،
وتستطيع اعتبار فترة الهدنة ترميماً لوضعها، والتهيؤ لردٍ أقسى مكلفٍ بالمعايير
الإسرائيلية. فليست الهدنة للطرفين في حرب استنزاف الألف يوم سوى خطوتين تراجعيتين
مدروستين إلى الوراء في سبيل خطوة إلى الأمام. وهنا لا يبقى معنى للتفاؤلية التي
أطلقتها الهدنة، فمن المستحيل الحل مع شارون، والكرة هي في الملعب الانتخابي
الاجتماعي الإسرائيلي إذا أراد السلام فعلاً وليس السيف.