بقلم : زياد أمين القاضي
لا تنظر "إسرائيل" إلى خطة خريطة
الطريق كمشروع تسوية يعيد للفلسطينيين بعضاً من حقوقهم، بل كفرصة لاستغلال القوة
الأمريكية المندفعة إلى المنطقة لفرض الاملاءات على العرب، وبما يضمن القضاء على
مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال وتحقيق أمن مزعوم لا حدود له، والاحتفاظ بالسيطرة
على الأرض العربية المحتلة.
شكلت خطة خريطة الطريق التي طرحتها الإدارة الأمريكية الحالية
للتسوية السياسية بين الكيان الصهيوني والسلطة الفلسطينية مثار جدل نتيجة التباين
في الرؤى حيال هذه الخريطة واستحقاقاتها السياسية والأمنية على وجه الخصوص،
وبالتالي ضرورة التشخيص الدقيق لطبيعة هذه الخريطة والأهداف المتوخاة منها، خصوصاً
أن طرح هذه الخطة الأمريكية للتسوية جاء بقوة اندفاع كبيرة رافقت التطورات
السياسية في المنطقة العربية لجهة احتلال العراق وما نجم عنه من حضور عسكري وسياسي
أمريكي ضاغط.
ورغم موافقة السلطة الفلسطينية على هذه الخطة
فإن الكيان الصهيوني رفض هذه الخطة في بادئ الأمر رغم انحياز هذه الخطة الأمريكية
بمحتواها السياسي الأمني لصالح الكيان الصهيوني، ويبدو أن هذا الرفض جاء في سياق
خطة تكتيكية انتهجتها حكومة الكيان الصهيوني للموافقة لاحقاً على هذه الخطة التي
تركت حالة جدل متفق عليه داخل التجمع الصهيوني، لتوافق هذه الحكومة في نهاية
المطاف على خطة خريطة الطريق، متحفظة على /14/ بنداً من بنودها، وأوفدت الحكومة
الصهيونية مبعوثاً خاصاً بها إلى واشنطن لتوضح للحكومة الأمريكية موقفها من هذه
الخريطة.
وشرعت الحكومة الصهيونية بتقديم سلسلة مطالب
إلى السلطة الفلسطينية وطلبت منها القيام بمبادرة تستهدف وضع حد لما أسمته العنف
الفلسطيني (المقاومة)، بل واستئصال جذوره من خلال حل منظمات المقاومة الفلسطينية
وملاحقة أجنحتها العسكرية كي تثبت هذه السلطة رغبتها بتحقيق السلام مع الكيان
الصهيوني، وبالمقابل تقوم السلطات الصهيونية بإدخال تسهيلات أسمتها (إنسانية)
لتخفيف الضغط على المواطنين الفلسطينيين، في الوقت الذي أكد فيه قادة الكيان
الصهيوني مجدداً وعلى رأسهم رئيس وزراء العدو شارون رفض كيانه حق العودة بالنسبة
للاجئين الفلسطينيين، وهو الحق الذي أقرته الهيئات الدولية، مقابل السماح بإقامة
دولة فلسطينية منزوعة السلاح وممسوخة ومفصلة على المقاس الصهيوني لا حدود لها ولا
سيادة، إضافة إلى تحايل رئيس وزراء العدو حول موضوع المستوطنات الموجودة في الضفة
والقطاع ونزع ما أسماه المستوطنات غير القانونية، وكأن هناك مستوطنات قانونية وغير
قانونية أقيمت على الأراضي العربية المحتلة عام 1967، والتي هي باعتراف المجتمع
الدولي أراض عربية محتلة يجب الانسحاب منها، إضافة إلى تأكيد الكيان الصهيوني على
احتفاظه بالقدس وبقائها تحت السيادة الصهيونية واستمرار سياسة التهويد حيالها
للوصول لتهويدها بشكل نهائي وتفريغها من العنصر العربي عبر تهجيره الطوعي أو
القسري.
ورغم كل هذه المواقف والشروط التعجيزية التي
طرحتها الحكومة الصهيونية ومحاولة فرض سياسة الاملاءات، ورغم ما جاء في لقاء
العقبة، ورغم كل ما قدم فيه للكيان الصهيوني وللحفاظ على أمنه المزعوم، إلا أن هذا
الكيان لم يكترث بكل هذا وذاك وصعّد من ممارساته العدوانية بحق الشعب العربي
الفلسطيني اغتيالاً وقتلاً وتدميراً وتوج جرائمه الوحشية بمحاولة اغتيال للدكتور
عبد العزيز الرنتيسي، الأمر الذي أثار استغراب العديد من الأطراف الباحثة عن
مشاريع التهدئة، ولو كان ذلك على حساب الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه، إذ تواصل
"إسرائيل" سياستها الإجرامية بحق الشعب الفلسطيني من اغتيال ومذابح ،
كما في المجازر الأخيرة في قطاع غزة التي أدت إلى استشهاد قرابة ثلاثين فلسطينياً
ما بين امرأة وطفل ورجل في مقدمتهم الشهيد ياسر طه وزوجته وطفلاه، الأمر الذي يؤكد
من جديد طبيعة هذا الكيان العدواني وتعطشه لإراقة الدماء واستخفافه بكل المواثيق
والأعراف الدولية ورفضه لكل المبادرات حتى تلك التي تتضمن حداً أدنى من حقوق الشعب
العربي الفلسطيني وإصراره على مواصلة طريق الدمار والقتل وسفك الدماء، والأنكى من
ذلك أن تقوم الولايات المتحدة الأمريكية وفي ظل استمرار سياسة البطش الصهيونية
بالتحريض على إنهاء المقاومة الفلسطينية والدعوة لاستئصالها في إشارة معلنة لدعم
إجراءات رئيس وزراء العدو شارون الفاشية بحق الشعب العربي الفلسطيني واستمرار
سياسته الإجرامية.
إن كل ذلك يؤكد ، وفي ظل الغموض الذي يخيم
على كثير من جوانب خريطة الطريق، أن "إسرائيل" تريد من هذا المشروع، كما
من كل المشروعات التي طرحت القضاء على مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال وتحقيق
أمنها المزعوم، والاحتفاظ، في الوقت نفسه، بالأرض العربية المحتلة بشكل مباشر أو
غير مباشر وهو أمر نعتقد أانه مستحيل التحقيق.