استشهاد حماس وانتحار العرب

 

 

 

 بقلم : داود حسن  

 

تعرضت حركة المقاومة الإسلامية حماس، وفصائل المقاومة الفلسطينية الأخرى كالجهاد الإسلامي، وكتائب شهداء الأقصى التابعة لفتح إلى ضغوط قاسية، من أطراف عدة، دولية وعربية، وفلسطينية، وإسرائيلية، لوقف أعمال المقاومة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي، والموافقة على إبرام هدنة مع الاحتلال، وإن كانت حماس صاحبة النصيب الأكبر من هذه الضغوط، بما تكبدته من شهداء ومعتقلين وحصار دولي من الولايات المتحدة، وتسليط إعلامي على دورها في المقاومة خلال الفترة الماضية.

 

وكانت مدة الهدنة المطلوبة في البداية عاماً واحداً، ثم أصبحت ستة أشهر وانتهت أخيراً إلى ثلاثة أشهر- بسبب تردي الأوضاع في الأراضي المحتلة- وتهدف الهدنة حسب ما أعلنه القائمون عليها، إلى منح الفرصة لتطبيق خريطة الطريق الأمريكية، وإعادة الأوضاع في الأراضي المحتلة إلى ما كانت عليه قبل 28 من سبتمبر 2000 أي قبل انطلاق انتفاضة الأقصى، ومن أجل ترميم ما أفسده الاحتلال ولالتقاط الأنفاس بعد هذه الجولة الطويلة من المقاومة.

 

هذا ما تعلنه الأطراف العربية والفلسطينية والغربية المشاركة في هذه الجهود وإن كان لكل طرف منها مآرب أخرى، يطرحها علانية، أو سراً، مثل الولايات المتحدة التي ترحب بخطوة الهدنة كمرحلة أولى تتبعها تصفية المقاومة، وتدمير البنى التحتية للفصائل المجاهدة، ومحاولة تحقيق نصر سياسي في تحريك عملية السلام المتعثرة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وهو ما قد يعد فاتحة للحملة الانتخابية للرئيس بوش في انتخابات 2004.

 

وتريد "إسرائيل" من الهدنة مساعدة اقتصادها المنهار، وأزمة الثقة في أمنها المتردي من خلال توفير وقت للراحة ولو قليلاً من التصدي للمقاومة، وإن كان شارون يعلن من خلال سياساته التي ينفذها على الأرض رفضه لها، لأنه يريد حرباً فلسطينية فلسطينية.

 

أما العرب أصحاب القضية فيبدو أنهم لا هم لهم في الموضوع برمته سوى محاربة ما يوصف بالإرهاب، وأن يضاف جديد إلى رصيدهم في البيت الأبيض، وهم يعلمون أن أطراف اللعبة ليست في أيديهم بل في أيدي شارون وصقور البيت الأبيض، لذلك رضوا بدور الوسيط وترويج معظم ما يطرح عليهم على مائدة المفاوضات.

 

وفي هذا السياق أعلنت فصائل المقاومة مسؤولية عالية في قراءة الموقف سياسياً وميدانياً وحددت طريقة الاستجابة لهذه الضغوط أو الطلبات شديدة اللهجة، ظهر ذلك في عدم رد المقاومة بعمليات كبيرة على تصعيد شارون العسكري بحق الشعب الفلسطيني مثل اغتيال الشهيد في حماس عبد الله القواسمة، أو اعتقال أكثر من 160 من الشباب والأطفال في بيت حانون والخليل الأسبوع الماضي، وتنفيذ عدة اجتياحات وتجريف أراض واغتيالات في المدن والقرى الفلسطينية، رغم قدرة الفصائل على الرد، كما حدث في التعاطي مع المحاولة الفاشلة لاغتيال الدكتور عبد العزير الرنتيسي في غزة، في العاشر من الشهر الجاري حيث كان الرد قوياً ومدوياً في اليوم الثاني مباشرة لمحاولة الاغتيال.

 

وظهرت مرونة الحركات الفلسطينية في الاجتماعات التي عقدتها في غزة وفي الخارج وإن أظهرت تصريحات قادتها نوعاً من الانقسامات أو الخلافات بين قبول الهدنة أو رفضها، أو ما يروجه بعض المسؤولين العرب الذين يسربون في وسائل الإعلام أنباء عن قرب التوصل لموافقة من قادة الفصائل على الهدنة، في حين نفى المسؤولون في الحركات وخاصة حماس والجهاد حدوث ذلك.

 

إن الصورة العربية الراهنة مليئة بالعديد من التفاصيل المتناقضة، مثل تبني سياسة المقاومة والاستشهاد كما تفعل الفصائل الفلسطينية كحركات تحرر وطني من الدرجة الأولى، وبين تبني سياسة الانتحار الجماعي كما في الحالة الرسمية العربية التي تسمح بأن تشارك في توفير الأمن للعدو الصهيوني دون ضمانات، وترضى بأن يشارك مندوب المحتل في العراق في اجتماعات دولية دون احتجاج على ممارساته وترضى بلعب دور الوسيط بين المقاوم والمحتل.

 

كما يبرز في الصورة واحد من أكبر ملامح التناقض في الموقف السياسي العربي، وهو أنه في الوقت الذي ندعو فيه إلى أن يجلس العدو مع المقاومة على طاولة واحدة وأن يكون بينهما هدنة، نجد أن الحوار في العالم العربي مع المعارضة يتخذ أشكالاً أخرى باستخدام المدافع والصواريخ وطائرات الهليكوبتر والاعتقالات في التعامل مع المعارضة ونسمع تصريحات من طرف واحد دون أن نتمكن من فهم وجهة نظر الطرف الأخر، وكله بحجة مواجهة الإرهاب، رغم أن العدو الصهيوني الذي نعامله بلطف ونبلع له الزلط كما يقول المصريون للحبيب، ينفينا تماماً بينما من يتهمون بالإرهاب من أبناء الوطن قد يكون غرر بهم وانحرف فكرهم إلا أن التعاطي معهم لا يكون بالمدافع والاعتقال وإلا كان ذلك مؤشراً خطيراً على ضعف حجة وهيبة الدولة، وأصبحت مثل تلك العمليات بمثابة انتحار سياسي لبعض الحكومات العربية في تعاطيها مع أبنائها.

 

إن مواجهة الاحتلال في الأراضي المحتلة تحتاج أطراف مساندة على درجة عالية من المسؤولية والغطاء السياسي لمساعدة الفصائل الفلسطينية في مكافحة الاحتلال والمحافظة على المكاسب التي انتزعتها منه، وزيادة نزيف الخسائر المادية والمعنوية التي سببتها له، نفعل على الأقل مثل الأوربيين الذين رفضوا حتى الآن كل الطلبات الأمريكية بوضع الجناح السياسي لحماس على قائمة المنظمات الإرهابية، أو على الأقل إعادة نموذج العلاقة بين حزب الله و الدولة في لبنان في تحرير الجنوب ولو سراً، ونتمنى أن تستمر مواقف مثل تلك التي خرجت عن القاهرة والرياض ورفضت الربط الأمريكي بين حماس والإرهاب، أو وقف مساعدة عائلات الشهداء، لكننا نحتاج المزيد.