تونس :لو تركنا جانبا حالة الانتظار و طرقنا بجرأة باب المبادرة الحازمة و الفعل الجاد

 

 

بقلم : صــالح كــركــر

بن علي عـمم الرعـب و أرهب الشعـب و خرب البلاد لمدة ستة عشرة سنة متتالية، وهو الآن، سنة الله في خلقه، يتهيأ للرحيل للمثول أمام محكمة الحق للحساب العـسير، غير مأسوف عنه من طرف أحد و لوكانت بطانته و قرابته. أما الشعـب بنخبه و معارضته و شبابه، كله ينتظر أن يحصل بعـد رحيل بن علي ما كان يتمناه و يرضاه منذ أمد بعـيد، دون أن يعـرف ما هو بالضبط ذلك الذي يتمناه، و لا كيف يمكن أن يحصل و لا من يمكن له أن يقوم به.

 كل الناس يتهامسون في كل مكان، في الشارع، في المقاهي، في مقرات العـمل، في الجامعات و المدارس، في البيوت، في الداخل و الخارج و على الأنترنات و غيرها، عن مرض الجنرال، و هل أن ذلك صحيح حقا أم هو مجرد إشاعة؟ و يبدو أن الجميع غـدوا متأكدين من مرض رئيسهم المنبوذ، وهم يتمنون أن يكون ذلك مؤذنا بنهاية الطغـيان و الظلم و الفساد  الذي أرهق البلاد و العـباد كثيرا و فوق كل تصور. فالجميع يتمنى و ينتظر زوال الجنرال بدون عـودة و رفع الجور و الإرهاب و الظلم من البلاد بدون رجعة. و الجميع ينتظر و لا يفعـل شيئا، و ينتظر أن تفعـل العـصا السحرية مفعـولها، أي أن تزيل له الجور و الفساد و أن تأتي له بالخير و العـدل و الحرية، و تحقق له ما يتمنى!!!

إن وضع الانتظار و العجز و غـياب المبادرة الذي يعـيشه الشعـب الونسي اليوم هو نتاج طبيعي لسياسة الرعـب و التحجيم المتواصل لأي نفس معارض الذي انتهجه الحاكم الحالي و الذي أدى إلى نوع من الإخصاء الجماعي لكل الشعـب  التونسي تقريبا. فالجرأة على الفعـل من قبل الجماهير لا تزال محدودة جدا إن لم نقل إنها لا تزال غائبة بالكامل. و في أحسن الحالات لا يتجرأ المعارضون للسلطة إلا على الاحتجاج الكلامي، بأسمائهم الحقيقية بالنسبة للقليل النادر، و بأسماء مستعارة بالنسبة للبقية، و ذلك أيضا يعـتبر من مؤشرات الخوف و الرعـب و الفـزع من بطش السلطة المتوحشة.

و لا ندري هل يمكن أن يجاز عن هذا الموقف للشعـب التونسي أم هو سيدان عليه أمام التاريخ لا محالة، و ستدين عليه الأجيال القادمة الأجيال السابقة المقصرة. خاصة و أن المرء يبقى مشدوها أمام شجاعة و جرأة بعـض الشعـوب الأخرى أمام طغاتها. فنذكر على سبيل المثال بما شهدناه في الأيام الأخيرة من تجند واسع و من نضال بطولي الذي واجه به متعاطفو مجاهدي خلق اعتقال قيادتهم من قبل الإدارة الفرنسية، حيث ذهب الغـلو في الاحتجاج و النضال بالنسبة لبعـضهم إلى حد حرق أنفسهم، و بالنسبة للبعـض الآخر إلى الامتناع المتواصل عـن الطعام و بالنسبة للأغلبية إلى الاعتصام المتواصل في الأماكن العامة ليلا نهارا. و يقول القائل إن هؤلاء يقومون باحتجاجهم بفرنسا حيث تتوفر الحريات و الحد الأدنى من احترام النفس البشرية و السماح لها بحرية التعـبير و الاحتجاج. و الرد على مثل هذا القول هو أنه هناك بفرنسا أيضا جالية تونسية واسعة جدا إلا أنها و مع الأسف الشديد ليست معـبأة و مجندة لقضية البلاد بمثل هذا الشكل، و لم تقم بما قامت به الجالية الإيرانية و لا حتى بما هو أقل منه بكثير، فالجميع يفكر في مصالحه الشخصية و كيف سيعود في العطلة إلى البلاد للتمتع بالاصتياف على الشواطئ بدون ضرر و لا خطر. و من جانب آخر يجدر التذكير بأن الجرأة على الاحتجاج و مواجة السلطة قوية جدا داخل إيران، رغم أن السلطة في هذه الأخيرة ليست أقل شراسة من مثيلتها في تونس، إلا أن ذلك لم يفت في ساعد المعارضة و لم يرهبها و يصرفها عن الاحتجاج الميداني و المواجهة مع السلطة بمثل ما فت في ساعد المعارضة التونسية و ساعد جماهيرها الشعـبية.

ما العـمل يا ترى و نحن في هذا الوضع المؤسف؟ هل نلازم الصمت و نكتفي بموقف المترقب العاجز عن الفعـل و المستسلم لأن يفعـل به بمثل ما ربتنا عليه قصرا هذه السلطة الغاشمة؟ أم هل أنه من واجبنا أن نقطع مع الخوف و الجبن و مع ما روضتنا عليه السلطة الفاسدة و ننهض و ننتفض في حشود واسعة انتفاضة الرجل الواحد؟

فمن المتأكد أن جهاز السلطة القائمة يعـيش هو الآخر بكل شرائحه خوفا قاتلا من غضب الشعـب و نقمته، و تعـطشه إلى الأخذ بالثأر من هذه السلطة الفاسدة التي أرهبته و أرهقته كثيرا و أذاقته من كل الألوان و من كل الأصناف. فجهاز الحكم يعيش خوفا قاتلا بسبب ما اقترفه من فساد و ظلم و إجرام في حق الشعـب و جور و اغـتصاب لأموال و ممتلكات و أعراض العباد، وهو ضعـيف بسبب إفلاسه الكامل في تسيير شؤون البلاد على جميع المستويات، وهو ضعيف بسبب فضائحه التي لا تحصى في شتى المجالات، وهو ضعـيف جدا بسبب عمالته للأعداء وخيانته للوطن،  ضعـيف أيضا و على وجه الخصوص بسبب غـياب الشخص البديل المناسب للحاكم الحالي بعـد رحيله المرتقب.

فالخوف إذن متبادل من كلا الجهتين، من جهة السلطة بسبب ما أسلفنا ذكره، و من جهة الشعـب بسبب ما عودته عليه السلطة بواسطة جهاز أمنها من بطش و من رعـب، و ذلك ليس بالمبرر الذي يعـذ بسببه الشعـب و خاصة جماهيره الشبابية.

و ما هو الحل أمام هذا الوضع ياترى؟

و الجواب على هذا السؤال لا يحتمل أكثر من حلين. أما الحل الأول فيتمثل في الاستمرار على حالة الرعـب و العجز عـن اتخاذ المبادرة و الجرأة على الفعـل من قبل الشعـب و قواه الحية و الاكتفاء بحالة الرفض الصامت غير المعـبر عـنه، ثم الانتظار، انتظار الغـيب أن يفعـل فعـله، في عزوف كامل عـن العـمل و الأخذ بالأسباب الواجب الأخذ بها. و هذا الحل هو ما تتمناه و تراهن عليه السلطة الفاسدة القائمة حتى تبقى طليقة اليدين تفعـل بالبلاد و العـباد ما تشاء. و قد يفاجئنا القدر في إطار هذه الفرضية، لا قدر الله، بأسوئ الاحتمالات، و قد يصل بنا الأمر حتى إلى احتمال تولي ليلى الطرابلسي و قبيلتها من حولها رئاسة البلاد و العـبث بها و بشعـبها كما يشاؤون. و نخشى في حقيقة الأمر أن يكون هذا الاحتمال، احتمال تواصل عقدة الخوف و الجمود و الاكتفاء بالانتظار من قبل الشعـب، هو الأرجح.

أما الاحتمال الثاني، وهو بدون شك هو الأصلح و الأوكد، فيتمثل في أن تحضر الشعـب لحظة حقيقة يثيب فيها إلى رشده و ينفض فيها دفعة واحدة على نفسه غبار الخوف و الجبن، و ينهض فيقوم قومة رجل واحد، و ينزل إلى الشارع في حشود غفيرة رافعا صوته عاليا بالاحتجاج و الرفض للظلم و للدكتاتورية و مطالبا بدولة الحريات و الديمقراطية، و لا يعـود من قومته و خروجه إلى الشارع صاخبا و محتجا إلا مظفرا مطيحا بهذ السلطة الفاسدة إلى الأبد و محققا لمطالبه و آماله.

إن هذا الاحتمال و لئن كان من الصعـب أن يتحقق إلا أنه يبقى  ممكنا، خاصة و أن الشعـب التونسي عودنا بمثله في تاريخه القديم و الحديث. فشعـبنا الأبي قد يأخذه سبات عـميق ينزل بسببه اليأس في نفوس العقلاء إلا أنه متى هب من سباته، على حين غـرة و بشكل غير منتظر،  ينسي من حوله أنه كان يغـط قبل حين في نوم عـميق و يخاله الملاحظ سيد الشعـوب و أشجعها. و مما يمكن أن يعـين على احتمال تتحقق ذلك أنه يجب على الرجال الأحرار من بين صفوف المعارضة أن يتحملوا مسؤوليتهم التارخية في هذه الفترة الدقيقة و يجتمعـوا حول "بيان ـ نداء" قوي و هادف يوجهونه إلى الشعـب، يشرحون له فيه الخطوط العريضة الأساسية لما يجب على الجميع فعـله في هذه المرحلة الدقيقة، خاصة عـند حصول الفراغ مباشرة، أي يوم رحيل الطاغـية، واعدينه فيه أنهم سوف لن يتخلفوا عـن موجة الاحتجاج و أنهم سيكونون في مقدمة الحشود المحتجة على الميدان و سيقومون بتشكيل خلية قيادة التحركات الاحتجاجية و تشكيل حكومة ائتلاف مؤقتة تهيء لبداية الاصلاحات التي يجب القيام بها في البلاد.

و من المتأكد أن مثل هذا "البيان ـ النداء" سيكون له الأثر الجيد على نفوس الجماهير و سيبعـث فيها العـزم و  الأمل و يدفعها إلى الخروج إلى الشارع خاصة مع الوقع الجيد أيضا الذي سيحدثه زوال الطاغـية المنبوذ على كل النفوس في البلاد. فالفرصة بدون شك فريدة من نوعها من حيث أثرها القوي على النفوس و دفعها بشكل غير متعود من قبل إلى اتخاذ المبادرة و الفعـل، وهو ما يجعـل من الواجب المتأكد و الحكمة البالغة اغتنامها و قد تكون فرصة ثمينة جدا لانقاذ للبلاد.

أما الجهاز الأمني، و الذي لا يجب بأي حال من الأحوال تجاهله و نسيان حضوره و لا إهمال دوره، فنحسب أنه سيتدخل في البداية كعادته بكل وحشية لقمع الجماهير مما سيجعـل بعـض الضحايا تسقط في الميدان، إلا أنه إذا ثبتت الجماهير و أصرت على مواقفها فسيضطر البوليس إلى التقهقر و لربما إلى الالتفاف مع الجماهير مثلما حصل في بلدان عدة من العالم.

و قد تتورط الإدارة المبعــثرة بسبب زوال الطاغـية في إخراج الجيش من ثكناته إلى الشارع لمنع تحرك الجماهير من أجل تعـبيرها عن احتجاجها. و هذا أيضا سوف لن يجدي نفعا و سيدفع الجيش في النهاية إلى الالتحاق بالجماهير. إننا إذا نجحنا في إخراج الجماهير إلى الشارع في حشود غفيرة و واجهنا الصدمة الأولى مع البوليس و الجيش بثبات نكون بذلك قد قطعـنا شوطا كبيرا في حل المشكلة التونسية.

و أقترح هنا أن يقدم كل من يريد من الأحزاب السياسية، خاصة من مثل حركة النهضة و حوب المؤتمر من أجل الجمهورية و غيرها، و من مؤسسات المجتمع المدني و من الرموز الوطنية و الشخصيات المستقلة مشاريعهم في هذا "البيان ـ النداء" إلى الشعـب، و أنا مستعـد لتقديم مقترح في ذلك، ثم نتفق بعـد ذلك على صغة جماعـية، تمضى من قبل كل المستعـدين للإمضاء بدون الستثناء لأحد.

ثم بعد ذلك يجب على كل الممضين لهذا البيان النداء إلى الشعـب أن يتشكلوا آليا في لجنة تقوم على متابعة هذا المشروع و معاونة الشعـب على الخروج إلى الشارع و تأطير التحركات و التطور حسب تطوراتها و نتائجها في وضع مستلزمات المرحلة.                                 

          و لسنا نعـتبر هذه الكلمات مجرد مقالة نظرية في التحليل السياسي للوضع في البلاد بقدر ما نقصد من ورائها التنبيه لخطة عـمل من أجل مواجهة احتمال حصول الفراغ السياسي في البلاد أو من تواصل منظومة الحزب الحاكم بعـد الجنرال. و على هذا الأساس فنحن ندعـو إلى تعـميم هذه الورقة، أي أن كل من يحصل عليها و يدرسها يقوم بتبليغها  إلى من يعـرف ما استطاع، و يجتهد الجميع في مناقشة الفكرة بغاية الانتهاء إلى برنامج عـملي تلتف حوله القوى الحية في البلاد.