من طهران الى الخرطوم يتجدد الأمل
بقلم : مجدى أحمد حسين
عند عودتى من طهران لم
أكتب عن مشاهداتى و حواراتى رغم ان ايران قد أصبحت فى بؤرة الأحداث .. لاننى رأيت
ألا أصرف نظرى و نظر القراء عن الأوضاع فى مصر التى أرى أنها مفتاح تغيير كثير من
الأوضاع فى بلادنا العربية و الاسلامية .. و أيضا للانشغال بفضح كارثة خارطة
الطريق .. و كنت أنتوى نفس الشئ لدى عودتى من الخرطوم .. و لكننى عدت أرى ان
الحديث عما لمسته فى طهران و
الخرطوم واجب .. لأننا فى مصر - فى بؤرة العالمين العربى و الاسلامى .. نتأثر الى
حد بعيد بالأجواء و التيارات المحيطة بنا .
و أيضا لان التقديرات
التشاؤمية كانت قد تزايدت حول مواقف ايران و السودان .. فى ظل الهجمة الصهيونية
الأمريكية العاتية التى دفعت الحكام و الأنظمة الى رفع شعار "الانحناء
للعاصفة" .. و كنا نرى دوما ان الحملة الصهيونية الأمريكية تستهدف مراكز
المقاومة و الرفض و الاستقلال فى قوس يمتد من لبنان و فلسطين الى كابول شرقا و ليبيا
و السودان و اليمن جنوبا و غربا .. (بالنسبة لمصر) ..
و كنا من المبشرين منذ
سنوات بأن موازين القوى تتغير بالتدريج لصالح الأمة العربية و الاسلامية و لكن
الأحداث فى السنتين الماضيتين بدت عكسية .. فالحلف المعادى حقق بعض النقاط التى
اعدت انتصارا :
(1) تم فرض هدنة هشة
على المقاومة الفلسطينية بفضل حكام مصر و السعودية .
(2) تم احتلال العراق
و اسقاط النظام العراقى الوطنى .
(3) حدث تراجع فى
الموقف السورى فى أعقاب سقوط بغداد .. على الأقل فى القضية العراقية .
(4) تم اسقاط نظام
طالبان الاسلامى المستقل .
و فى الجناح الغربى
للأمة العربية :
(1) تراجعت ليبيا عن
مواقفها و التزاماتها تجاه القضايا العربية لصالح شعار "الاتجاه
لافريقيا" و تحت ضغوط "لوكربى" و هى مجرد أداة للضغط .
(2) تراجعت اليمن عن
مواقفها القومية لصالح مزيد من الصداقة مع الولايات المتحدة .
(3)انكفأ السودان على
مشكلاته الداخلية خاصة "حرب التمرد فى الجنوب " و دخلت الولايات المتحدة
الى قلب المعادلة الداخلية فى قضايا السودان و التى امتدت من الجنوب الى جبال
النوبة .
كل هذه التطورات توحى
على السطح أن الولايات المتحدة قد امتلكت بلاد العرب و المسلمين .. و انه لم يعد
هناك معقب على رغباتها و مطالبها .
و الحقيقة ان تبدل
موازين القوى لصالح الأمة لا يتم فى خط بيانى صاعد مستقيم بل عبر خطوط متعرجة و
منكسرة .. و ان الضمان الأساسى لاستمرار تطور موازين القوى مع الأعداء لصالحنا ..
هو صحوة الأمة الواعية .. و هى الصخرة الصلدة التى نبنى عليها مشروع التحرر .
صحوة الأمة الواعية و
المتنامية فى مختلف الأرجاء .. فى طليعتها الانتفاضة الفلسطينية . و نحن أمام هدنة
هشة الآن فى فلسطين .. ربما حتى لن تكمل شهورها الثلاثة .. و لن تتوقف انتفاضة هذا
الشعب البطل الذى هو أكثر المعادين للهدنة العسكرية .. رغم انه اكثر الذين يعانون
من الصهاينة .
و تحول احتلال العراق
من نقمة الى نعمة .. فحرب العصابات هى أنجح الطرق لادماء أنف أمريكا و تحطيم
هيبتها فى المنطقة بصورة نهائية .. و القضاء على مشروعاتها الاستعمارية الخائبة
التى تتصور امكان عودة الاستعمار التقليدى الى ربوعنا ..
و مع تصاعد المقاومة
العراقية البطلة التى أصبحت بؤرة تقدم الأمة .. و رأس حربتها .. يتحسن الموقف
السورى من جديد و يعود الى توازنه التقليدى .. أما أفغانستان فتشهد صعود طالبان من
جديد .. و انكماش الوجود العسكرى الامريكى .. و لا يمكن الحديث عن سلطة احتلال
حقيقية .. فأفغانستان مقسمة عمليا ، و كل جهة هى التى تحكم نفسها .. و هزيمة
أمريكا فى أفغانستان قد حدثت و لم يبق سوى الاعلان أو الاعتراف بها .. و لا تقلل
أمريكا من خسائرها الا بانكماش قواتها المحدودة (8 آلاف جندى) فى قواعد معزولة ..
لا تسلم من الضرب كل يوم مع ذلك !
أما فى السودان ،
فلاشك ان تورطات أمريكا و هزائمها العسكرية فى العراق و أفغانستان ، عقب الاحتلال
السريع .. و كل التطورات الوضع
الدولى .. و الداخلى فى السودان .. ساعدت على تماسك الموقف السودانى فى مفاوضات
السلام .. و هذا ما سنعود اليه تفصيلا ..
----------
و أكرر ما قلته .. ان
مراكز الرفض و الاستقلال القومية و الاسلامية أى هذه البلدان التسع لو كانت أقامت
تحالفا استراتيجيا ، خاصة و ان هناك امتدادا أرضيا من بيروت الى كابول ، ما أمكن للأمريكان
ان يتوغلوا فى أرضنا و يتغولوا .. و ان النظرة القطرية هى التى جعلتهم ينفذون الى
أعماقنا .. فى ظل غياب المفهوم القومى الاستراتيجى و المفهوم الاسلامى الاستراتجى
(ان هذه امتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) .. و اذا لم تتعلم الأنظمة التى تسقط واحدة تلو الآخر .. فان الأمة تتعلم
.. و تخلق نسيجا جديدا متحررا من هذه النظرات الأنانية التى أوردتنا مورد التهلكة
.. و الحقيقة ان الأنظمة لم تكن عند المستوى صفر فى مجال التعاضد و التناصر ..
فسوريا قامت بدور لابد ان يذكر لها مع العراق .. و بين العراق و ايران .. كما حافظ
المحور الايرانى - السورى - اللبنانى على صلابته .. و حكومة الانقاذ السودانية
انفتحت بأقصى ما تملك على ايران و العراق و سوريا .. و حاولت دوما مع اليمن و
ليبيا .. كانت هناك أشكال متنوعة من التقاطع و المحاور .. و لكننا كنا نحتاج الى
محور معلن شبه رسمى .. بين هذه الدول التسع .. و لكننا لن نبكى على ما مضى .. و
نطالب القلاع المتبقية ان تتعاضد و تتناصر فيما بينها .. و تكرس كل جهودها لدعم
المقاومة فى فلسطين و العراق و أفغانستان .. هل ينكر عاقل ان هزيمة أمريكا فى
العراق تعنى نهاية استراتيجية لأمريكا فى منطقتنا .. اذن لماذا لا توجه كل الجهود
لهذا الهدف العظيم .
و الآن ماذا عن ايران
و السودان ؟
لاشك ان قيام
الجمهورية الاسلامية فى ايران و نظام الانقاذ السودانى فى عامى 1979 ، 1989 كان
بداية التحول .. و العودة الى المرجعية الاسلامية فى النظم السياسية لبلاد العرب و
المسلمين . و لذلك تعرض النظامان لأعتى صنوف العدوان الأمريكى .. و كل أشكال
المحاصرة ، و صمود هذين النظامين .. و الدفاع عنهما .. من أول أولويات المسلمين ..
ذلك انهما كانا بمنزلة الطابق الأول فى بنيان نريد له أن يعلو بطوابق أخرى .. و
يتصاعد الاحباط عندما يتعرض الطابق الأول للتشقق و مخاطر الانهيار لان معنى ذلك اننا سنبدأ من جديد من النقطة
الأولى .. و قد توسع هذا الطابق الأول .. بنظام طالبان الذى أقصاه الأمريكان عن
السلطة مؤقتا .. كذلك نجح الأمريكان فى تقويد امكانية إقامة نظام اسلامى فى
البوسنة باتفاقية دايتون (كان لايران دور مشهود فى دعم جهاد البوسنة بالسلاح ) و
نجح التحالف الغربى فى تقويض امكانية اقامة نظام اسلامى فى الجزائر (لعل من علامات
التفاؤل الافراج الآن عن عباسى مدنى و على بلحاج ) .. و لكن ظهر فى الطابق الثانى
نظام ماليزيا الذى هو تجربة فريدة فى اقامة نظام اسلامى عبر الانتخابات . و ليس من
المصادفة قيام تعاون اقتصادى خاص بين ماليزيا و كل من السودان و ايران ..
و ساعة كتابة هذه
السطور يكون النائب الأول للرئيس السودانى فى زيارة لطهران . و نرجو ألا تكون
زيارة روتينية . ذلك أن من العوامل السلبية فى الفترة الماضية انه لم تنشأ علاقات متميزة بين طهران و الخرطوم إلا
على فترات متقطعة و محدودة .. لاشك ان البعد الجغرافى يفسرها جزئيا .. و لكنه لا
يبررها .. و اذا عدنا الى كل بلد على حدة ..
فى ايران .. قلت كل ما
أراه بمنتهى الصراحة و الوضوح ، و من فضل المضيف ان يستمع فى صبر و تفهم لملاحظات
الضيف .. البعض تفهم ملاحظاتى و أيدها .. و البعد رفضها و قدم تفسيرات للموقف
الايرانى تجاه القضيتين العراقية و الأفغانية ..
و اذا ركزنا على
الحاضر و المستقبل فان أهم ما تمكنت من استخلاصه هو الآتى :
(1) الموقف الايرانى
من التهديدات الأمريكية .. موقف صلب و لن يسمح بأى تنازل جوهرى فى استقلال ايران و
مشروعها النهوضى فى المجالات التكنولوجية و العسكرية .. فى ظل المخاطر المحدقة
بالبلاد من كل جوانب حدودها الجغرافية .
فى مرقد الخمينى
استمعت الى كلمة قاطعة لا لبس فيها لمرشد الجمهورية الاسلامية آية الله على خامنئى
.. حول التهديدات الأمريكية .. و قال ان الحرب ليست خيار ايران .. و لكنها قادرة
على سحق المعتدين اذا هم وسوست لهم أنفسهم بالاعتداء على ايران .. كانت الجماهير
ملتهبة .. و عاد شعار "الموت لأمريكا .. الموت لاسرائيل" يعلو و يتألق
.. و من قبل وصولى لايران كان السيد خامنئى قد أعلن ان ايران لن تكون على الحياد
بين الاحتلال الأمريكى و الشعب العراقى .
(2) التهديدات
الأمريكية الخارجية .. و الفتن
الداخلية التى تغذيها أمريكا لتقويض النظام الاسلامى من الداخل .. قربت بين جناحى النظام "المحافظين و
الاصلاحيين" . حدث فرز فى صفوف الاصلاحيين بين أصحاب مشروع الاصلاح فى اطار
النظام الاسلامى بقيادة الرئيس خاتمى ، و أصحاب مشروع تقويد النظام الاسلامى ككل .
و قد أدى ذلك الى تغير دراماتيكى فى انتخابات المحليات منذ عدة شهور ، فبعد أن كان
الاصلاحيون يحتلون 70% من مقاعدها ، نجح المحافظون بنسبة 80% .. و اللافت للنظر ان
المحافظين حصلوا على كل المقاعد تقريبا فى المدن خاصة طهران .. و لهذا دلالة
سياسية واضحة . و من المتوقع ان يتكرر ذلك فى الانتخابات التشريعية القريبة .
و لايزال الخلاف
موجودا بطبيعة الحال بين جناحى المحافظين و الاصلاحيين ، و ليس مطلوبا انهاء كل
الخلافات و الاختلافات ، فهى من علامات حيوية النظام ، و من مظاهر الشورى ، و لكن
ان تكون الخلافات منضبطة بالدستور الاسلامى و بالحفاظ على النظام .
لذلك كان ملفتا للنظر
ان مظاهرات الطلاب - التى اندلعت بعد سفرى و بالتالى لا أستطيع أن أدلى بشهادة حية
عنها - كانت تهتف ضد خاتمى أيضا ، لأن الجناح العلمانى المتأمرك فى حركة
الاصلاحيين .. يشعر بان خاتمى قد تخلى عنه فى مهمة تقويض النظام الاسلامى .
و بدون الدخول فى
تفصيلات كثيرة .. يمكن القول ان النظام السلامى راسخ و ليس بامكان أمريكا ان تزلزله من الداخل . و تقدر القوة
العقائدية التى يستند اليها النظام الى قرابة خمسة ملايين و التى تعد القلب
الداخلى للجمهورية الاسلامية .. وفقا لبعض التقديرات .
(3) تواجه ايران مصاعب
اقتصادية جمة .. مع انفجار سكانى شبيه بالمصرى (حوالى 70 مليون) و يشكل الشباب تحت
الثلاثين 70% من الشعب الايرانى .. و لديها مشكلة بطالة حقيقية .. و يعانى أصحاب
الدخول الثابتة من ضآلة دخولهم ، و مع ذلك سجل الناتج الكلى نموا ب 4% خلال عامى
98 - 2002 . و هناك نهضة صناعية حيث تغطى المنتجات الايرانية معظم احتياجات السوق
.. و هناك قفزات متوالية فى صناعة السيارات .. و تم التوصل الى انتاج سيارة
ايرانية 100% . بالاضافة لصناعات التجميع مع زيادة المكون الايرانى فيها مع شركات أوروبية و آسيوية - و بلغت صادرات مصنع واحدهو المجمع
البتروكيمائى فى بندر عباس أكثر من نصف مليار دولار فى العام الماضى وحده . و على
مستوى الصناعات الحربية يطول الحديث و تكفى الاشارة الى بدء الانتاج المكثف لجيل
جديد من الأسلحة الذكية و القنابل الموجهة . حيث تم تصميم الصاروخ "قدر"
الموجه ذو العين الالكترونية بقدراته العالية و دقته المتناهية فى ضرب الأهداف
المرصودة فلهذا الصاروخ قدرة تتبع أوتوماتيكية و خفية و يحتوى على أسلحة موجهة
بالعين الألكترونية تجعله لا ينحرف بسهولة . كذلك تم تصميم صاروخ
"زوبين" لاستخدامات القوات الجوية على نحو يوفر الفرصة للاصابة الدقيقة
و المباشرة للأهداف المرئية أيا كان مكانها على الأرض فهذا الصاروخ (جو - أرض )
مزدوج الاستخدام : يمكن استخدامه فى اصابة الأهداف بعيدة المدى و قصيرة المدى .
و على المستوى الزراعى
تم تأكيد الاكتفاء الذاتى الغذائى مع توفير بعض الانتاج للتصدير . و من الانجازات
بعيدة المدى التى لا يشعر بها أهل المدن .. ما قامت به الجمهورية الاسلامية
بالاهتمام بمناطق المحرومين .. ففى عهد الشاه كان كثير من القرى بلا كهرباء فى بلد
بترولى .. الآن تقريبا لا توجد قرية بلا كهرباء .. و نفس الشئ فى مجال توفير
المياه الصحية. و على هذا الصعيد نجد مشكلة مكررة فى ايران و السودان .. فأهل
العاصمة و المدن الكبرى لا يقدرون توجيه أجزاء كبيرة من الميزانية للمناطق
المحرومة .. فى حين ان تغطية البلاد بالماء و الكهرباء و الخدمات الأساسية ليست من
قبيل الانجازات التلفزيونية أو الدراماتيكية .. و لكنها واجب أساسى .. و تنعكس
بالضرورة على النمو الاقتصادى و لكن على المدى الأطول ..
كذلك تم تحويل الامداد
الكهربائى فى ايران من النفط الى الغاز فغطى الغاز الطبيعى 494 مدينة + 60% من القرى الايرانية (منزلى - تجارى -
صناعى ) .. و ايران تملك ثانى أكبر احتياطى للغاز فى العالم بعد روسيا .
و ايران بلد سياحى من
الطراز الأول .. و بعد الاستقرار السياسى بلغ عدد السائحين فى عام 1999 أكثر من
مليون و نصف مليون سائح بعائد تجاوز المليار دولار . و كانت السياحة قد قاربت
الصفر خلال الحرب العراقية - الايرانية ..
و ايران تدير معركة
المفاعلات النووية بثقة .. و هى قادرة فى كل الأحوال على إكمال برنامجها النووى
التكنولوجى . مهما كانت الضغوط الخارجية ، و مهما كان الموقف الروسى . ( و أشارت
تقارير صحفية الى ان بعض علماء العراق قد يكونوا قد لجأوا لايران .. و كذلك حدث من
قبل علماء سابقين فى الاتحاد السوفيتى ) كذلك تشير تقارير غربية الى ان ايران قد
تجاوزت نقطة اللاعودة و انها امتلكت طرقها الخاصة للسير فى هذا المجال .. كذلك
نشرت تقارير فى اليابان .. عن تعاون كورى شمالى - ايرانى . و نشرت تقارير أخرى عن
امتلاك ايران بالفعل لعدة قنابل نووية تم الحصول عليها جاهزة خلال فترة تفكك
الاتحاد السوفيتى .. و تقول اسرائيل ان ايران ستصل الى امكانية انتاج القنابل
النووية خلال عام أو عامين .
لذلك فان دوائر الحلف
الصهيونى الأمريكى تخطط لضرب ايران خلال عامى 2004 ، 2005 هذا اذا صفا الجو لهم فى
العراق !!
(المعلومات الأخيرة من
قراءاتى و ليس من زيارتى لايران فلم أكن لأسأل حول هذه الأمور .. لاننى لن أتلقى
أى أجوبة ! و لكن فى ايران لمست الثقة بالنفس .
(4) فيما يتعلق
بأفغانستان .. فايران الآن فى حالة المراقب النشط .. المناطق المحاذية لايران تقيم
علاقات وثيقة معها (كهيرات مثلا) .. و فى هذه المناطق تنتشر اللغة الفارسية رغم
انها مناطق سنية .
و رغم ان ايران لم
تغير خطابها ضد طالبان .. و لكنها لا شك تدرك ان تصاعد المقاومة الأفغانية ضد
الاحتلال الأمريكى يصب فى مصلحتها . و من الواضح ان التفاهم الايرانى - الأمريكى
حول أفغانستان قد انتهى و قد ظهر ذلك فى تصريحات أمريكية ضد عدم تعاون ايران معها
.. بل و اتهامات بالتعاون مع القاعدة و طالبان ..
(5) يبقى الموقف من
العراق هو الموقف المركزى سواء بالنسبة للأمة العربية و الاسلامية أو بالنسبة
لايران .. فالعدو الأمريكى أصبح على حدود ايران من كل الجهات : أفغانستان -
باكستان - العراق - و قواعد أذاربيجان بالاضافة ربما لوجود عسكرى اسرائيلى - و
كذلك فى تركيا حيث تربض طائرات اسرائيلية و يقال 20% من القوات الجوية الاسرائيلية
حيث يدور الحوار بين أمريكا و اسرائيل حول من سيقوم بضرب مفاعل بوشهر ، أما الجديد
فهو العراق .. حيث نٌقل عن مصادر فى البنتاجون تأسيس 3 قواعد فى الموصل و كركوك
مجهزة بصواريخ نووية موجهة لايران .. هذه بالاضافة لربع مليون جندى فى العراق و
منطقة الخليج .
و لقد كانت الحسابات
الايرانية قائمة طوال السنوات الماضية على عدم التورط فى حرب خارج الأراضى
الايرانية تصطدم فيها مع القوات الأمريكية .. و لم تكن عقدة صدام حسين وحدها هى العقبة فى قبول
التحالف الاستراتيجى مع النظام العراقى السابق .. أما الآن فان المصلحة القومية
الايرانية تتجه الى التطابق مع المصلحة العليا للعرب و المسلمين .. و هى هزيمة
الوجود العسكرى الأمريكى فى العراق .. فالعراق أصبح خط الدفاع الأول عن ايران ..
كذلك فان سقوط النظام العراقى .. يتيح الفرصة لكى تتولى القوى الاسلامية الشيعية
المرتبطة فى معظمها بايران .. مكانتها فى النظام الجديد الذى لم ينشأ بعد فى
العراق .
و كما ذكرت من قبل فان
التصادم الايرانى - الأمريكى على أرض العراق يكاد يكون حتميا فالولايات المتحدة لم
تقم بهذا العدوان الوحشى على العراق بكل تكلفته السياسية و المالية و البشرية لكى
تقدم العراق على طبق من فضة أو ذهب للجمهورية الاسلامية .
و ايران من ناحيتها
اذا تركت الوجود العسكرى الأمريكى يستقر فى العراق فان هذا سيساعد أمريكا على
تهميش القوى الاسلامية الشيعية بالاضافة لفتح شهيتها لضرب ايران .
و الحقيقة ان لدى
ايران فرصة تاريخية شبيهة بفرصة الصين تجاه أمريكا خلال حربى كوريا و فيتنام ، فقد
كانت الصين ترى فى وجود قرابة ربع مليون جندى أمريكى فى المنطقة صيد ثمين يحقق
التوازن الاستراتيجى ( فى وقت لم تكن تملك فيه الصين قنبلة نووية و لا وسائل حملها
) .. و الآن فان فى امكان ايران ان تساعد فى أسر أو اصطياد قرابة 150 ألف جندى فى
العراق قابلين للزيادة .. و مع حماقة الحلف الصهيونى - الأمريكى الذى يصر على
تقويض النظام الايرانى ..و حيث لا يفتح بابا معقولا للتفاهم .. فان ايران تتجه
بشكل قطعى لدعم الكفاح المسلح العراقى ضد الاحتلال الأمريكى .. و قد كان أهم
تطورات هذا الصدد تغيير محمد باقر الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة الاسلامية فى
العراق من تصريحاته المعارضة للمقاومة المسلحة الى تهديد للقوات الأمريكية و
البريطانية بأنه " قد يأمر أنصاره باللجوء الى القوة ضدها اذا لم تعد العراق
للعراقيين " .
و الحقيقة ان القوى
الاسلامية الشيعية ستخسر كثيرا اذا تركت للقوى السنية و البعثية حمل لواء الجهاد
.. بل ان الجماهيير الشيعية ستخرج عن طوع قيادتها و ستقاتل ، كما حدث أخيرا فى
منطقة العمارة حين أدت هبة شعبية مسلحة الى قتل 6 بريطانيين و جرح 8 آخرين لقيامهم
باستباحة المنازل و الحرمات . و نحن فى المقابل ندعو الى جبهة وطنية اسلامية قومية
، شيعية سنية ، عربية كردية تركمانية
لمقاومة الاحتلال و دحره .. لان امكانية ذلك متوفرة و قادرة على تحقيق
اهدافها فى مدى قصير نسبيا لا يتعدى العام أو العامين .
فنحن أمام شعب حضارى
يتمتع بالعزة و الأنفة ، ترسخت فى وجدانه العقيدة الاسلامية ، و لديه ما يكفى من
السلاح لسنوات كثيرة قادمة ( الأمريكان يتحدثون عن خمسة ملايين قطعة سلاح و هذا تقدير
أقل بكثير من الواقع لان العراق كان منتجا للأسلحة الخفيفة و المتوسطة و الثقيلة )
.
إن تأخر أمريكا فى
اعلان حكومة عراقية بل و الاعلان عن أن ذلك سيحتاج لوقت طويل ، لا يعكس عجزا فى
العثور على العملاء المناسبين و ما أكثرهم لتشكيل هذه الحكومة ، و لكن لأن تشكيل
هذه الحكومة العميلة سيكون نقطة فراق مع كل القوى الوطنية و الاسلامية العراقية ،
و سيحتم لجوء من لم يلجأ بعد الى الكفاح المسلح . و لكن مطوحة الأمريكان للاعلان
عن حكومة الى وقت طويل سيؤدى لنفس النتيجة ، لانه يعنى ان الادارة ستكون فى يد
بريمر و من حوله من مستشارين عملاء . فنحن الآن بالفعل أمام حكومة احتلال و لكنها
حكومة عاجزة عن ادارة البلاد و عاجزة عن توفير الخدمات ، و انتاج النفط و تصديره ،
و عاجزة عن توفير الأمن و الاستقرار لها و للعراقيين ، و لكنها على أى حال ادارة
ما ، بريمر و شرذمة حوله من المستشارين الأمريكيين و العراقيين العملاء .
إن تصاعد المقاومة
العراقية فى الأسابيع و الأيام القليلة الماضية جعلها هى الحقيقة الكبرى الأولى ..
و لا أعتقد ان تصريح باقر حكيم معزول عن هذه الحقيقة ، و لا أعتقد ان موقفه معزول
عن الموقف الايرانى .
***********
و هكذا نرى ان توغل
الأمريكان على أرض العرب و المسلمين جعل الحرب أكثر تكافؤا حيث تم تحييد الطيران و
الصواريخ .. و أصبحنا رجل أمام رجل .. فأين الرجولة الأمريكية ؟ و من أين يأتى
الجندى الأمريكى المرفه بالعزيمة لقتال بلا قضية أو رسالة مقنعة . انهم يطالبون
بالعودة لبلادهم .. و بوش يهزى و يعترف بالهزيمة فيقول : " ان المقاومة
العراقية تستهدف اصابة الجنود الأمريكيين بالانهيار النفسى " . لقد حدث
الانهيار النفسى بالفعل يا سيد بوش .. و الحرارة فى العراق تتراوح الآن بين 45 -
50 درجة .. انها فيتنام جديدة باذن الله .. و تصوروا عندما تدخل المقاومة
الاسلامية الشيعية فى الميدان كيف ستتضاعف خسائر الأمريكان التى تعد الآن بالمئات
- منذ دخولهم الى بغداد ..
***********
ايران لا تحتاج الى
التدخل فى القتال الدائر على أرض العراق .. و العراقيون كفيلون بالقضاء على
الاحتلال الأمريكى .. و لكن الحدود الممتدة بين العراق و ايران 1400 كيلومتر هى
حدود مثالية للامداد و التموين ، و لا أعتقد ان المقاومة العراقية تحتاج لهذا
الامداد و التموين .. و لكن وجود هذه الحدود المفتوحة كاف لاشعار المقاومة
العراقية بالثقة .
و أختتم بطرفة .. طرفة
حقيقية .. عندما كنت أتناول الغذاء فى مطعم فندق انقلاب بطهران كان يجلس على نفس
الطاولة شخص بدا مصريا أو عربيا ، قلت له هل أنت مصرى ؟ قال بل عراقى .. و قد حضرت
لزيارة أخى فى ايران .. و خلال حديثنا علمت انه عندما عبر الحدود بين البلدين فى
نقطة حدود رسمية لم يكن هناك أى جندى أمريكى أو موظف عراقى على الحدود .. و انه ظل
يسير حتى وصل الى نقطة الحدود و الجمرك الايرانى !!
و هذه طرفة تؤكد هشاشة
الأوضاع الأمريكية فى العراق .. و عندما علمت انه من الناصرية سألته عن الوجود
الأمريكى داخل المدينة فقال انه رمزى جدا و معظم القوات خارج المدينة ! و هذا جانب
آخر من هشاشة الوضع العسكرى الأمريكى حيث تتجمع معظم القوات فى الصحراء و خارج
المدن و خارج الكثافة السكانية ..
**********
و عدت من طهران و قد
تجددت آمالى .. و كنت أتمتم بينى و بين نفسى و أنا معلق فى السماء فى الطريق الى دمشق ثم القاهرة : إن العدو سيوحدنا
.. ان غطرسة القوة الأمريكية ستوحد
الأمة ..
و فى القاهرة فوجئت
بأن اجتماع الأمانة العامة لمؤتمر الأحزاب العربية سيعقد خلال أيام فى الخرطوم ..
و كانت فرصة لألمس بنفسى التطورات فى السودان بعد غياب دام أكثر من 8 سنوات ..
و هذا حديثنا المقبل
باذن الله .