بقلم :منير شفيق
قبل أي تقويم لموقف حماس والجهاد وقوى
المقاومة الأخرى في اتخاذ قرار الهدنة يجب التأكيد على ان ممارسة المقاومة
المسلحة، او أي شكل من اشكال المقاومة، ضد الاحتلال يحمل الشرعية من وجهة النظر
الاسلامية والقومية والوطنية، كما من وجهة نظر ميثاق هيئة الأمم المتحدة، والقانون
الدولي. وتدعم وجهة النظر هذه ممارسات الشعوب التي ابتليت باحتلال اراضيها ابتداء
من تجربة الثورة الامريكية نفسها ضد الاحتلال البريطاني في القرن الثامن عشر
ومروراً بتجارب الشعوب الاوروبية في مقاومة الاحتلال النازي وانتهاء بتجارب غالبية
شعوب العالم الثالث طوال القرن العشرين.
اما الجانب الثاني الذي يجب التأكيد عليه فهو
متى يمارس هذا الشكل او ذاك من اشكال المقاومة آنفة الذكر. فممارسة القتال او
المقاومة المسلحة او عدم ممارستهما لا يتخذ قانوناً ثابتاً وان امتلك شرعية ثابتة.
لأن الممارسة، او عدمها محكومان بالظروف والشروط، او بعبارة اخرى بموازين قوى
محددة احياناً، او بظروف جغرافية او جيوسياسية، او شعبية، احياناً ثانية، او
بالامكانات والحاجة للاعداد وما شابه اطواراً ثالثة او بالطريقة التي يتعامل بها الاحتلال
وما هي الاستراتيجية الانسب في مواجهة تلك الطريقة «مثلاً اذا كان وحشياً في ردود
فعله ضد المقاومة السلمية او اذا كان في ازمة وتحت ضغوط كثيرة تكفي هزة واحدة حتى
يتراجع، او اذا كان مرناً يفتح آفاقاً لتحقيق الهدف دون الحاجة الى اللجوء الى
المقاومة المسلحة، وهذه جميعاً عليها امثلة من مختلف البلدان».
ومن هنا فان اتخاذ قرار الهدنة لا يمس مبدأ،
ولا ثابتا، وانما يجب ان يُقوّم على ضوء المعطيات والظروف القائمة الآن فلسطينياً،
وعربياً، واسلامياً، ودولياً.
على الرغم من هول ما حدث، ويحدث في العراق،
ومن التهديدات الامريكية لسورية، ولبنان، وايران، ولكل من لا يقبل بالاملاءات
الامريكية الا ان امريكا في وضع اضعف مما تظهر، واقل قدرة من التهويل الذي يشيعه
البعض حول ما يمكن ان تفعل. فعلى سبيل المثال الرئيس الامريكي يواجه ازمة حقيقية
بسبب عدم العثور على اسلحة دمار شامل في العراق مما يعرضه الى فقدان مصداقيته في
نظر شعبه والرأي العام العالمي. هذا وما زالت الأزمة قائمة بين امريكا وكل من
فرنسا، والمانيا، وروسيا، والصين، وان اظهر سطح العلاقات الآن عكس ذلك. لأن اسباب
الأزمة لم ترفع او يخفف منها. أي محاولة امريكا استتباع تلك الدول وفرض تبعية
كاملة عليها. ثم هنالك ما تواجهه من تخبط، وخطر فقدان السيطرة العسكرية، في
افغانستان، والعراق، وذلك بسبب تصاعد المقاومة ضدها، بل حتى على مستوى علاقاتها
الرسمية بالدول العربية فان ما تطلبه «الخضوع الكامل للمشروع الصهيوني» لا تستطيع
تلك الدول ان تلبيه، وهو ما يجب ان يلاحظ بالرغم مما قدم ويقدم من تنازلات
وتراجعات.
وبكلمة، الوضع بعمومه ليس سيئاً، ان لم يكن
جيداً، الا ان اغلب السياسات الرسمية العربية والاقليمية، والدولية تُظهر من الضعف
الشيء الكثير الأمر الذي راح يعرض حماس والجهاد والفصائل الفلسطينية الى ضغوط
شديدة. والأهم تركيز السياسة الامريكية - الصهيونية على تفجير اقتتال داخلي
فلسطيني - فلسطيني تحت دعوى تطبيق «خريطة الطريق» التي لم يبق منها غير الاسم.
ومن هنا يكون قرار الهدنة في أوانه، ويعبر عن
حكمة، وبعد نظر، ولن تخسر منه حماس والجهاد، على الخصوص، ولا يدل على ضعف او
تراجع، فسواء نجحت الهدنة او لم تتحقق مطلقاً فالخاسر سيكون امريكا وشارون،
والكاسب اصحاب قرار الهدنة حيث راهنت امريكا على رفضهم لها، فراحت ترفضها هي مما
ادخلها في حرج ومأزق شديدين فلسطينياً، وعربياً، ودولياً.