يحلو للمحللين والمراقبين ان يختموا
تحليلاتهم للشد والجذب بين واشنطن وطهران بأن الخيار العسكرى يعد مستبعداً لأسباب
كثيرة منها ان طهران ليست ضعيفة ولا مغرية، وان احتلال ايران لن يجد ذريعة قادرة
على اقناع العالم بعكس افغانستان والعراق، وان ايران ذات الـ 70 مليون نسمة والدخل
السنوى 240 مليار دولار والمساحة الكبيرة حوالى مليون كيلو متر مربع لديها جيش
اقوى وشعب اكثر استعدادا للقتال، وان الشيعة فى العالم قادرون على انزال الجحيم
بالامريكان.. وهكذا فالمسألة ليست سهلة وحيثيات هذه النتيجة كلها صحيحة، ولكن بشرط
ان يكون هناك عقلاء يحكمون العالم.. نعم ايران اقوي، وامتداداتها العقائدية اكثر
تماسكا، بل وتتمتع بنظام الى حد ما يعطى حرية الانتخابات ولايزورها، وحتى لو كانت
هناك مصفاة لاختيار المرشحين من قبل اجهزة الحكم الا انها فى النهاية تسمح بمرور
عناصر مناوئة للمرشد فى رئاسة الجمهورية والبرلمان او على غير هواه على الاقل،
المهم ان هناك هامشا من الديمقراطية لا يسمح بالحديث عن تحرير شعب ايران من
الاستبداد مثلاً، ربما تكون الورقة الوحيدة القابلة للتداول فى سوق الحجج
الامريكية هى موضوع امتلاك ايران لاسلحة دمار شامل، وبرنامج نووى متطور وتشددها فى
موضوع التفتيش الدولي، ولكن هذا بدوره لن يكون امراً سهلاً، لان ايران لم تستخدم
اسلحتها تلك ضد الجيران ولا هى اعتدت على دولة اخرى ولان اسرائيل تمتلك ماهو اكبر
واخطر 200 رأس نووى قابل للعمل والانطلاق فوراً ومع ذلك لم يحاسبها احد!!
ولكن فى المقابل فان اوروبا التى تريد ارضاء
امريكا تبدو اكثر تشددا مع ايران عنها مع العراق ربما لاسباب تتصل بالايديولوجيا
او تتصل بعدم رغبة اوروبا فى عصيان امريكا وخاصة المانيا وفرنسا كما حدث فى حالة
العراق، وهكذا فان النقد الاوروبى لمشروع ايران النووى كان قويا لدرجة التلويح
باستخدام القوة.
*****
فى كل الاحوال فان العدوان على ايران يمكن ان
يحدث على عكس كل التحليلات، وحتى لو تأخر ذلك حتى تتم الانتخابات الامريكية فان
الرغبة الامريكية فى اعادة هيكلة المنطقة قوية لدرجة لن تسمح فيها الا بالانصياع
الكامل، ولان الحماقة الاستعمارية الامريكية معروفة فان المراهنين على استبعاد
العدوان لاسباب تتصل بالظرف الدولي، او الاقليمى واهمون، الشئ الوحيد الممكن فى
هذا الصدد ان امريكا ستحاول اسقاط النظام الايرانى من الداخل وهناك حدث عن تدخل
مالى امريكى فى المظاهرات الطلابية الاخيرة واعتماد 500 مليون دولار لهذا الغرض،
ولكن هذا لايعنى ان الطلبة المتظاهرين عملاء، او انه ليست هناك اسباب موضوعية
لمظاهراتهم ولكن امريكا تريد ان تستغل الفرصة وتعمل لاثارة قلاقل اقليات ومعارضة
بهدف اسقاط النظام وتفكيك ايران ذاتها.
ومن ناحية اخرى فان النظام الايرانى يعانى
مشكلات داخلية حقيقية والهجوم الامريكى عليه يفيده بالطبع بل يمكن ان يقويه وهكذا
فان من المفروض والمتوقع لمصلحة ايران الوطنية ولمصلحة المبادئ الاسلامية
للجمهورية، ولمصلحة اشخاص ورموز النظام انفسهم التشدد مع امريكا، لأن السقوط فى
المواجهة افضل من السقوط من الداخل، ناهيك عن امكانية تحقيق نوع من الصمود والنصر
اذا ما اتبعت ايران سياسة الهجوم على امريكا، وحركت المتعاطفين معها والمرتبطين
بها فى العراق ولبنان والخليج والعالم ضد المصالح الامريكية، وساعتها ستكتسب طهران
زخما ثوريا عاليا يعيدها الى ايام الخومينى وثورته المليونية.
المسألة بالطبع ستعتمد على المبادرة وعدم
فقدان الزمام فى اية لحظة وعدم الانتظار لأمريكا لتقوى وجودها فى العراق ومن ثم
تعيد ترتيب الاوضاع ثم القفز بوسائل متعددة على ايران.
مرة اخرى فى كل الاحوال فان العدوان الامريكى
على ايران واقع لامحالة.. ووهم امكانية الافلات منه بالمرونة والحوار هو خطر
وخطأ.. والامريكان لن يقبلوا بأقل من انهاء النظام وتفكيك ايران، والحاسة
الاستعمارية الامريكية تعنى مباشرة ان الحسابات الامريكية لن تدخل فى مساحة العقل،
بل مساحة الغرور والغطرسة