المقاومة وأقصى درجات الحذر

 

 

 

 

بقلم :علي عقلة عرسان

 

بلغت خسائر العدو الصهيوني منذ اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة حتى الآن 800 من القتلى وبلغت خسارة الجانب الفلسطيني أكثر من 2400 من الشهداء مما يجعل نسبة الخسائر ثلاثة إلى واحد.

 

وإذا قارنا هذا الرقم بأرقام خسائر الجانبين في أثناء الانتفاضة الأولى جاز لنا أن نقول: لقد تحقق تقدم جيد في الأداء النوعي للمقاومة من خلال إلحاق خسائر مباشرة بالعدو تجعله غير قادر على تحملها.

 

وقد قال إيهود باراك قبل أيام، موجهاً اللوم إلى شارون، لو أنه بنى الجدار الفاصل لكان هناك 500 إلى 600 يهودي يمشون بيننا اليوم»، يقصد من بين الـ 800 الذين قتلوا في انتفاضة الأقصى. وفي هذا تأكيد على مدى ما ألحقته الانتفاضة بالعدو من خسائر بشرية واقتصادية ومعنوية تتجلى بالهجرة المعاكسة على الخصوص، ويذكِّر بما أسفر عنه انتصار المقاومة في جنوب لبنان التي صبرت ودفعت ثمناً باهظاً ولكنها دحرت العدو وقدمت تجربة يحتذى بها.

 

فهل هذا هو الذي يجعل العدو وحليفه الأميركي يتحركان باتجاه حل لقضية فلسطين، مضبوط ومفروض بالشروط الإسرائيلية وعلى رأسها تدمير المقاومة وبنيتها؟! أم أن ما «وعد» به جورج بوش بعض العرب ثمناً لمساهمتهم بتدمير العراق واحتلاله أو سكوتهم على ذلك، أي: دولتين لشعبين وفق خريطة طريق «تعلن بعد الانتهاء من موضوع العراق»، هو الذي يدفع بهذا الاتجاه؟!

 

أم تراه استشفاف الخطر القادم في يوم ما، ذاك الذي حذَّر منه البرفيسور غراهام أليسون من جامعة هارفارد، حيث قال بإمكانية حصول المقاومة الفلسطينية على ما يسمى «القنبلة القذرة» ومن ثم استخدامها ضد الاحتلال مما يخلق حالة مأساوية جديدة في المواجهة، هو الذي يدفع باتجاه حل للصراع الذي قال مسؤولون في الطرفين إنه لا يمكن أن يحل عسكرياً؟!

 

أم هو استثمار للحرب العدوانية على العراق ونتائجها والأوضاع الجديدة التي خلقتها، بتوظيف كل ذلك لفرض حلول القوة الغاشمة على الطرف العربي الذي لا يملك أن يواجه القوة في منحدر ضعفه وتمزقه؟!

 

أياً كان السبب الخفي وراء التحرك باتجاه تصفية قضية فلسطين بالتهديد والوعيد من جهة والقتل والتدمير والملاحقة...إلخ من جهة أخرى، فإن خريطة طريق بائسة قدمت لهذا الغرض وكان شرط تنفيذها الأول والمقدمة التي تسبق تنفيذ أية خطوة من خطواتها: القضاء على الانتفاضة والمقاومة ليس بتوقفهما عن العمل، وإنما بتصفيتهما وملاحقة عناصرهما ومحاكمتهم بوصفهم إرهابيين، وتفكيك البنية التحتية لهما بشكل تام، وفق المطلب الصهيوني الذي أصبح إرادة أميركية يقف وراءها معظم العرب وما يسمى « المجتمع الدولي» الذي تنطق باسمه الولايات المتحدة الأميركية وهو صامت أو غائب أو مغيَّب.

 

لقد تعهد الرئيس الأميركي بتنفيذ خريطة الطريق التي وضعت تنفيذاً لرؤيته في خطاب يونيو 2002، وجاء إلى شرم الشيخ والعقبة ليمنح الخطة مصداقية ويدفعها إلى الأمام. ولكنه أطلق في العقبة تعهده الذي نقض فيه 80% من خريطة الطريق على بؤسها، أعني التزامه بضمان يهودية الدولة التي أكد شارون على تمسكه بها.

 

مما يعني القضاء على حق العودة ويهدد عرب 1948 بالتسفير، ويضع التفاوض على القدس في دائرة الاضمحلال لمصلحة العدو. وما زال الرئيس الذي التزم هو شخصياً وبلاده «بدولة يهودية مزدهرة ومفعمة بالنشاط» يتابع تنفيذ ما وعد به شارون أي معالجة كل النقاط التي تشكو منها "إسرائيل" في أثناء تنفيذ الخريطة. وهو يفعل ذلك من دون أن يعدل النص مباشرة حفظاً لماء وجه شركائه في الرباعية.

 

فقد عين جون وولف رئيساً لفريق مراقبة أميركي لتنفيذ الخطة، مستبعداً مشاركة أي طرف من أطراف الرباعية في ذلك الفريق تلبية لطلب «إسرائيل»، وجون وولف هو يهودي متزوج من كاثوليكية وتربى تربية يهودية، حسب المصادر الإسرائيلية، وكان مكلفاً من الإدارة الأميركية بمساعدة البعثة الإسرائيلية في الأمم المتحدة لإلغاء القرار 3379 الذي نص على «أن الصهيونية شكل من أشكال العنصرية»، وقد نال شهادة تقدير خاصة على نجاح هذه المهمة، التي تمت من دون اعتراض أي من العرب عليها وبمشاركة فلسطينية فاعلة فيها بعد توقيع اتفاق أوسلو.

 

وها هو الحصاد مر والبيدر زؤان. وربما لذاك الجهد وذاك التاريخ والموقع والانحياز والانتماء اليهودي بالذات كلفه الرئيس جورج بوش بمهمة مراقبة تنفيذ خريطة الطريق - وهو الذي لا يعرف عن ملف هذه القضية شيئاً يذكر - بهدف تنفيذ ما يريد الصهاينة تنفيذه منها، وأداء ذلك بصمت تام وحذق كبير، وتحميل المسؤولية السلبية للفلسطينيين ولحماس من بين كل الناس.

 

ومن الواضح أن شارون يتآمر مع كل اليهود والصهاينة والمتصهينين من أجل إحداث ذلك الانقلاب في خريطة الطريق، وتعطيل الخطوات التي تمهد لاستئناف ما يسمى عملية السلام في المنطقة، ويقوم بالكثير من الأفعال التي ترشح الموقف للانفجار. فقد توصل شارون وفريقه إلى جعل الإدارة الأميركية تنفذ بعض الاعتراضات التي قدمها على خريطة الطريق من دون ضجيج يذكر، حيث ألغت الولايات المتحدة الأميركية عملياً، بناء على طلب "إسرائيل"، «المقدمة الإشكالية في نص الخريطة وهي التي تشير إلى المرجعيات وشمولية الحل وفقها، وتم تركيز المباحثات في تطبيق الخطة على الجانب الأمني الذي يقدم أمن «إسرائيل» على كل ما سواه، ويشترط تصفية المقاومة والانتفاضة بحرب أهلية فلسطينية - فلسطينية مع استمرار تنفيذ مسلسل التصفيات الإسرائيلي من دون توقف وبمباركة أميركية، وتم حصر جهاز الرقابة على تنفيذ خريطة الطريق بأميركيين، أي فريق جون وولف. أما حق العودة والقدس فقد تكفل بإلغائهما أو الإجهاز عليهما مسبقاً، التأكيد الأميركي في العقبة على يهودية الدولة كما أسلفت.

 

ويتابع شارون من جانب آخر تنفيذ هجمات متكررة على مناطق من قطاع غزة، واعتقال سكان الخليل، واغتيال عناصر منظمات المقاومة، فقد اغتال الشهيد عبد الله القواسمة بعد محاولة اغتيال فاشلة للدكتور عبد العزيز الرنتيسي، ومن ثم محاولة اغتيال فاشلة أيضاً لمحمد صيام في شرق خان يونس.. بتغطية شاملة من الولايات المتحدة الأميركية كان آخرها القرار المزري الذي اتخذه الكونغرس الأميركي بعد محاولة اغتيال صيام وسقوط شهداء وجرحى من المدنيين بأن "إسرائيل" تدافع عن نفسها؟؟ كل ذلك يتم ليؤكد شارون لليهود استمراره في نهجه القديم كما عرفوه: فهو يرعى الاستيطان، ويرفض الهدنة، ويعادي العرب، وأنه لم يزل الدموي الذي يعشق القتل، والإرهابي الذي لا يمل من ارتكاب الجرائم، وأنه يعمل على توسيع دائرة الاستيطان وتعطيل كل مسار للتفاوض، ويقتنص كل الفرص ليفوز باعتراف عربي وتطبيع وسلام مع بقاء الاستيطان والمستوطنات؟

 

 وشارون اليوم، كما وصفه بعض الصحفيين الصهاينة، في خصام العاشق حول بعض المستوطنات، مع صديقه «زاميش» وبقية المستوطنين في تجمع « يشع» المحتجين الذين جاؤوا ليردوه عن القيام بتفكيك أي عربة «كرافان» يشكل نقطة استيطانية في أي موقع من الضفة وغزة، فبدا لهم شارون رئيس الحكومة وليس إريك زعيم الإجرام والاستيطان. ولكنه في العمق كان ينسق الأدوار والمطالب والألاعيب مع جانبين مهمين في وقت واحد:

 

1 - مع المستوطنين عن طريق أصدقائه الذين بنوا 12 نقطة استيطانية جديدة بعد أن فكك نقطة استيطانية هي عربة واحدة شكلت مستعمرة سميت « متسبيه يتسهار» ليقول إنه نفذ ما التزم به في قمة العقَبَة وليبتز الآخرين. وكان رأيه في مجلس وزرائه حسب يديعوت أحرونوت: «يمكن البناء في المستوطنات ولكن لا يجب الحديث عن ذلك والخروج بالرقصات في كل مرة يصدر فيها ترخيص بناء، فليبنوا دون أن يتحدثوا».

 

2 - ومع الأميركيين حيث أرسل وفداً إلى واشنطن خلال الأسبوع الماضي فيه رئيس مكتبه دوف فايسغلاس وآفي ديختر رئيس الشاباك والجنرال يوآف غرانت سكرتيره العسكري، وحمل الوفد خطة باسم « هكذا ينبغي محاربة حماس» وتمكَّن من إقناع الإدارة الأميركية بأن حماس تشكل خطراً على الجميع بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية ومصالحها - فلنتذكر تضخيم خطر صدام حسين وأسلحة الدمار الشامل التي يملكها لتسويغ الحرب واحتلال العراق - ووضع حماس على درجة واحدة مع تنظيم القاعدة.

 

وبذلك نجح شارون بعد أيام من مؤتمر العَقَبَة في أن يجعل بوش يحمِّل حماس مسؤولية جرائم شارون كلها، ويوافق على عملياته المستمرة لاغتيال عناصرها، وعلى اجتياحه لقرى الضفة ومدنها ولغزة وقراها بهدف ملاحقة حماس وتصفيتها بشكل تام، وجعَلَه يصف منظمة حماس بأنها خارجة على القانون، ويوصي بقطع التمويل عنها، ويعلن أنها «عدو السلام»، ويدعو العالم كله إلى محاربتها وتفكيك بنيتها وتصفية عناصرها وملاحقتهم، من جهة، واستئناف التهديد والوعيد وافتعال الذرائع لمن يرى أنهم يشجعونها، فأخذ وزير خارجيته يلوح لسورية وإيران بالتهديد لجعلهما تتخليان نهائياً عن تأييد المقاومة، ولا سيما تأييد حماس وحزب الله. وذلك في الوقت الذي يستمر فيه شارون بالاغتيال والتدمير والقتل والاجتياح والاعتقال.. إلى آخر مسلسل عملياته النازية المعروفة عربياً والمؤيدة أميركياً.. وكان مزرياً ومثيراً قرار الكونغرس بتأييد علميات شارون ضد المدنيين الفلسطينيين ووصفها بأنها دفاع عن النفس؟!

 

ويبدو أن هذا هو السيناريو المشترك بين اليهود الصهاينة والمحافظين الجدد في الولايات المتحدة الأميركية وأتباع ما يعرَف بالمسيحية اليهودية فيها ومنهم الرئيس جورج دبليو بوش نفسه للوصول بالمشروع الصهيوني إلى بعض أهدافه الكبيرة، حيث يعمل أطراف السيناريو بتصميم لاستدراج الفلسطينيين ومن خلفهم بعض العرب إلى الفخ والاستمرار في قتلهم ودفنهم في المستنقع الموحل الذي يصنعونه، وتحميلهم مسؤولية دمهم ومسؤولية الجريمة التي ارتكبها بحقهم اليهود.. لأنه يريد للعرب أن يخوضوا بدم الفلسطينيين في حرب أهلية تدعم فيها أنظمةٌ عربية سلطة أبي مازن ضد حماس.

 

مذهل الغدر والمكر وفعل الخديعة في الجانب الأميركي الصهيوني ولكن المذهل بشكل أكبر قبول العرب بدور لا يليق بهم، ومشاركتهم بتصريحات وإعلانات تدين مقاومتهم المشروعة وتبدي الاستعداد لتصفيتها والقبول بكل ما يسوغ الإجرام اليهودي بكل أشكاله، ويسكت عليه، ويغطيه من الخلف، ويسير في ركابه لاستكمال مخطط الإبادة الجماعية للفلسطينيين!؟

 

نحن اليوم أمام إعلان اتفاق فلسطيني قبلته المقاومة بوقف عملياتها ضد العدو لمدة ثلاثة أشهر شريطة أن يتوقف العدو عن مسلسل التصفيات والاعتقالات والقتل والتدمير والاجتياح.. فهل نتوقع أن يفي العدو بشيء مما في خريطة الطريق، وهل نتطلع إلى موقف عربي من أي نوع يقول: إن من حق الفلسطيني أن يدافع عن نفسه إذا رفض شارون التوقف عن التصفيات، وطالب بحرب أهلية يجبر السلطة الفلسطينية على خوضها أو يخوضها هو نيابة عنها بتأييد ومشاركة أميركيين؟!

 

أرجو أن يتحقق شيء مما لا أتوقع تحققه، وآمل أن تستفيد المقاومة الفلسطينية من الدروس السابقة فتبقى في أقصى درجات الحذر وفي أقصى درجات الاستعداد، وتعرف جيداً كيف تستفيد من الوقت، لأن صهاينة وأميركيين وعرباً وحتى بعض الفلسطينيين يريدون رأسها ويجب أن يسلم هذا الرأس الذي رفع راس الأمة عالياً، ويجب أن يبقى فاعلاً.. وستثبت الأيام أن طريقنا الوحيدة في الدفاع عن النفس والحق والأرض ودحر الاحتلال والتصدي للمشروع الإمبريالي الصهيوني هي المقاومة بمعناها العميق والشامل، وبما تحتاج إليه من أداء نوعي، وقدرة على التضحية، وتجسيد للعلم والإيمان والعمل بهما، من موقع الوعي بالحقائق وحسن التعامل معها.