مقاومة الواقعية

 

 

بقلـم : محمـود شنب

mahmoud.sh@islamway.net

mahmoudshanap@hotmail.com

 

 

 

الذى يريد أن يعمل لا تعوقه العوائق ، والذى يريد أن يخدم وطنه ويدافع عن قضايا أمته لا توقفه العراقيل ولا تخيفه الأساطيل ... أما الخائن والخائر فإنه كثيرًا ما يرهق نفسه ويفنى جهده فى البحث عن مبررات واهية وعوائق كاذبة يضحك بها على نفسه وعلى الآخرين ، مدعيًا بأنه قدم كل ما فى وسعه ـ دون أن يقدم شئ ـ مكتفيًا بنصائح الإستسلام والتحريض على نبذ المقاومة والنظر إلى الأمور نظرة واقعية .

والواقعية منطق مرفوض فى أمور المقاومة واستخلاص الحقوق ، ولو قيست المقاومة اللبنانية بقوة الجيش الصهيونى ما حُرر الجنوب اللبنانى ، ولو انخدعنا فى مقولة "الجيش الذى لا يُـقهر" بعد هزيمة 67 ما كانت حرب أكتوبر ، ولو نظرت الصومال إلى قوتها وقارنتها بقوة أمريكا ما حدثت مقاومة من الأصل وما خرجت القوات الأمريكية من هناك مذلولة ومقهورة ومدحورة ، ولو نظر أسامه بن لادن والحفنة التى معه من المجاهدين المؤمنين إلى قدراتهم مقارنة بقدرة أمريكا وقوتها ما أقدموا على ضرب أمريكا فى عقر دارها وفى أعز ما تملك ، لقد فعلوا فى أمريكا ما لا تستطع دولة عظمى أن تفعله ، وللآن ما زالت لهم اليد العليا ولأمريكا اليد السفلى .

إن المقاومة لا تعرف الواقعية ، ونتيجتها فى النصر حتمية مهما طال الزمن ومهما تباعدت القدرات واتسعت المسافات .. ولم يعرف التاريخ أمة قاومت وانهزمت ، ولم يعرف التاريخ شعبًا قاوم ولم ينل حريته ، وما نسمعه اليوم من أنه لا جدوى من المقاومة الفلسطينية أمر يدعو إلى السخرية ، لأن المقاومة الفلسطينية بحجارتها وأطفالها حققت ما عجزت الجيوش العربية عن تحقيقه .. لقد أقدت المقاومة مضاجع إسرائيل وأفسدت عليها علوها الكبير وجعلتها تغرق فى شبر ماء وأوقفت الهجرة إليها وضربت إقتصادها فى مقتل وحرمتهم من الأمن والأمان ...!!

ودحلان وأبو مازن الآن يفاوضان على خلفية هذه المقاومة ، ولولا المقاومة ما ظهر أبو مازن ولا دحلان وما احتاجت إسرائيل إلى جهودهما وجهود باقى الحكام العرب التى تصب فى الإتجاه المعاكس .

بسبب المقاومة الفلسطينية وضرباتها الموجعة نزلت أمريكا بكل ثقلها إلى الميدان واستخدمت كل ما تملك من وسائل تهديد وضغط على كل دول المنطقة ، وجيشت كل جيوش الباطل من أجل محاربة "حماس" وليس من أجل دولة أو مجموعة دول ، وتلك هى نتائج المقاومة التى يسخرون منها صباح مساء .

يقول العملاء : هل ستـُسقط الحجارة الطائرات ، وهل سيصمد اللحم الفلسطينى أمام المدرعات ، وهل العمليات الإستشهادية هى التى سوف تستخلص الحقوق ؟!!

نعم ستـُسقط الحجارة الطائرات ، وسيصمد اللحم الفلسطينى أمام المدرعات ، وسينتصر الحق على الباطل ولو وقف العالم كله ـ كما هو حادث الآن ـ مع الباطل ، وتلك سنة الحياة .

الفلسطينى اليوم ـ من خلال مقاومته ـ يضع حذاءه فى وجه المفاوض الإسرائيلى ويضع شروطه مثلما تضع إسرائيل شروطها .

لقد خلقت المقاومة الإسلامية فى فلسطين حالة من الندية جعلت العدو الصهيونى يفقد صوابه يستخدم كل أسلحته القتالية دون أن يحقق أى نتائج ملموسة على أرض الواقع ، أما الحكام العرب فإنهم يعيشون بلا قيمة ولا وزن .. لا يفعلوا شئ ولا يتركوا غيرهم يفعل ما عجزوا هم عن فعله ، ولو تركوا الحجج والأكاذيب وإدعاء الإخوة والتضامن وشاركوا المقاومة فى وضع لبنة واحدة فى جدار المقاومة .. لتغير حالنا وأصبح لنا شأن آخر غير الذى نعيشه الآن .

إن القضية الفلسطينية تـُعد بمثابة المعمل الصادق للتحاليل الوطنية والدينية .. إنها تكشف العلل والعورات وتحدد نوعية الرجال والحكام وتحدد الصادق والكاذب والمؤمن والمنافق .. إنها القضية التى تغوص فى الأعماق وتكشف حقيقة الإيمان فى صدور كل منا .

يستطيع الإنسان من خلال القضية الفلسطينية أن يحكم على نفسه .. أين هو .. وإلى أى معسكر ينتمى .. وماذا قدم .. وماذا قال .. وماذا أعد .. هل تبرع بالمال .. هل شارك فى توضيح الصورة ودعى إلى الجهاد .. هل قاطع منتجًا وأصر على مقاطعته ودعى غيره إلى ذلك .. هل دعى الله من قلبه للمجاهدين عند كل صلاة .. هل حاول أن يفعل شئ أم ركن للمبررات الكاذبة ـ كالحكام ـ ليُضلل ضميره ويهرب من مسئوليته .... ؟!!

إن أمتنا الإسلامية تـُحارَب كما لم تـُحارَب من قبل .. تـُذبح وتـُقتل وتـُحاصر ، ومن العار أن تقف الشعوب عاجزة عن الحركة وقد جعلت الحكام شماعة علقت عليها الضعف والهوان وعدم القدرة على التغيير .

اليوم وبسبب سياسات القمع الأمريكية يصبح كل من يساعد فلسطين متطرف وإرهابى ، وكل من يُدير لها ظهره متحضر وإيجابى ... ضُربت مصـر من أجل إسرائيل ، وضُربت أفغانستان من أجل إسرائيل ، وضُرب لبنان من أجل إسرائيل ، وأحتل العراق من أجل إسرائيل ، واليوم تـُحاصر سوريا وايران من أجل إسرائيل ، ولو ظهرت دولة فى المريخ أو احدى القطبين تناصر فلسطين لناصبتها أمريكا العداء ... تلك هى الحقيقة وهذا هو الواقع ، ولذلك لا توجد قضية فى العالم نالت من الزيف والتشويش والتضليل قدر ما نالته القضية الفلسطينية .. لها فى كل مرحلة أجارم ومنافقين ومزيفين ومسوقين .. هناك من يقول : إن قضية فلسطين أولها "فـَـلـَس" وآخرهها "طين" .. والصحيح أنها الطريق للفوز بإحدى الحسنيين : النصر أو الشهادة ، وهناك من يقول : لقد باعوا أرضهم لإسرائيل ، وهناك من يقول : إنهم خونه يرشد بعضهم عن بعض فى كل حين ، وهناك من يقول : ما لنا وفلسطين ...!!

فى السبعينيات راجت فى مصر ـ بعد توقيع السلام مع إسرائيل ـ مقولة ان الفلسطينيين يعيشون فى رغد من العيش ويحاربون من الكباريهات ويتاجرون بقضيتهم ولا يريدون لها حل وأن الفلسطينى سيظل يحارب حتى آخر جندى مصرى وسورى .... قيلت أشياء كثيرة أطلقها العملاء والخونه وكتبة السلطة وأعضاء الطابور الخامس ، وقيل أيامها أن الفلسطينيين لو أخلصوا لقضيتهم وحاربوا إسرائيل سيجدوا العالم كله معهم صغيرًا وكبيرًا وغنيًا وفقيرًا ، ولم يخطر على بال المنافقين أن الزمن سيدور دورته وأنه سيأتى اليوم الذى يُقاتِل فيه الفلسطينى بصورة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً .. يحارب بالحجارة ويحارب بالسكاكين ويحارب بالأطفال والنساء ويفجر نفسه فى الأعداء ، ورغم كل ذلك لم يجد الفلسطينى من يساعده أو يؤيده ، بل وجد نفسه وحيدًَا فى الميدان .. معزولاً عن أمته ومتهمًا بالإرهاب ... لا لشئ إلا لأنه يناضل ويقاوم !!

لا يصل الفلسطينى اليوم أى مساعدة ولا دعم ولا مساندة ، ومن يدعى غير ذلك كاذب ومنافق حتى لو ذكرنا بالأموال التى سبق وأرسلها ، لأن ذلك لم يتم إلا بايعاز أمريكى ولفريق فلسطينى محدد ـ يشبه الحكام العرب ـ وكان بغرض بناء سلطة فلسطينية تقاوم الإرهاب وتنبذ الجهاد وتعيش فى فلل وقصور على حساب القضية .

لقد انقطعت المعونات الدولية ـ بما فيها العربية ـ عن فلسطين فى الوقت الذى ارتفع فيه نجم المقاومة الإسلامية هناك واشتد ساعد الفلسطينى وانتقل بالمقاومة من الحجر إلى السكاكين إلى البندقية إلى الرشاش إلى صواريخ القسام ، وكل ذلك لم يشفع عند من كتبوا قديمًا وروجوا لجهاد الكباريهات وحياة القصور .

اليوم نجد نفس الفئة المأجورة تروج لشئ آخر يقول : إن الفلسطينيين أضاعوا على أنفسهم فرصة استرداد حقوقهم أيام دعاهم السادات لذلك وهاهم اليوم لا يجدون ربع ما عرضه السادات عليهم ... هذا كذب وتدليس ونفاق وخلط للأوراق ، فلا السادات كان يملك شيئـًا ولو كان يملك ما وقع على اتفاقية العار التى أعادت إلينا سيناء منقوصة الكرامة والسيادة ، ومنزوعة القوة والسلاح ، ومعدومة الروح والضمير وما يحدث فى شرم الشيخ خير شاهد على ذلك .

لم يحدث أبدًا أن وافقت إسرائيل على قيام دولة فلسطينية أو اعادة القدس والضفة الغربية ، وكل ما حدث أنها عرضت إعادة انتشار لقواتها على بعض أجزاء من الضفة وغزة مقابل إنهاء القضية واسقاط حق اللاجئين فى العودة وعدم المطالبة بالقدس ... هذا هو الواقع وتلك هى الحقيقة .

واستمرارًا لمسلسل الزيف والتضليل يخرج علينا اليوم من يُحدثنا عن خطأ المقاومة وأثرها الضار على القضية وعلى الحلول السلمية مشككـًا فى جدواها وان ضررها أكثر من نفعها لأنها تعطى المبرر لإسرائيل فى الانتقام من الشعب الفلسطينى والتملص من شتى الالتزامات الدولية التى أقرها المجتمع الدولى ... طبعًا كل هذا محض افتراء وكذب وبُعد عن الحقيقة ، لأن المقاومة الإسلامية فى فلسطين لم تكن فى يوم من الأيام سببًا فى الإجرام الإسرائيلى ، لأن سياسة إسرائيل سواء بالمقاومة أو غير المقاومة تقوم على أساس الردع والتنكيل وليس على الفعل ورد الفعل .

وإسرائيل هى الدولة الوحيدة التى تقوم عقيدتها على ألا يمر يومًا بغير دماء ، وهى على ذلك حتى الفناء ، وهى الدولة التى لا تخضع لأى قوانين أو التزامات دولية وتعيش دون مراقبة أو محاسبة ، ولذلك فإنه يعز عليها كثيرًا أن تجد من يحاسبها ويردعها ويحرمها من هذا الوضع الاستثنائى التى تنعم به .

إن للفلسطينيين علينا حقوقـًا كثيرة ليس أقلها حق الجوار والإسلام والعروبة فهناك حقوقـًا غير منظورة لم نتحدث عنها كثيرًا وأهمها تلك المسئولية التى تقع على عاهل كل من مصـر وسوريا والأردن بعد هزيمة 1967 فقد شاركنا فى ضياع باقى فلسطين وأن ضياع الضفة الغربية وغزة لم يحدث إلا كنتيجة مباشرة لهزيمتنا فى 67 والواجب يحتم علينا إصلاح ما أفسدناه ومساعدة الفلسطينيين فى استخلاص حقوقهم والوقوف معهم بكل قوة دون أن نخشى أمريكا ، فالله أحق أن نخشاه .

لقد أضيرت القضية الفلسطينية من العرب أكثر مما أضيرت من الصهاينة ، ولولا تقاعسنا وتخاذلنا ما بلغت قضيتهم هذا الحد من التضييق والحصار .

ومن العجب أننا الآن نساعد أمريكا وإسرائيل بكل ما نملك من قوة من أجل إيقاف الانتفاضة الفلسطينية واسقاط ورقة التوت التى تغطى عورة الجسد العربى ...

إننا نخرب بيوتنا بأيدينا وأيدى الكافرين .. فاتعظوا يا ولاة أمور المسلمين .