أمر اليوم الفلسطيني.. حماية الوحدة الوطنية!
ليس أمراً طبيعياً أن تصدر فصائل المقاومة،
في أي بلد، إعلاناً بوقف العمليات العسكرية من طرف واحد، إلا إذا كان هذا الخيار
هو الأقل بؤساً، أو أنه الخيار الوحيد لاستنقاذ روح المقاومة، وهي في فلسطين،
الانتفاضة المجيدة، وحمايتها من مخاطر داهمة ليس الاحتلال الإسرائيلي بكل شراسته
الدموية هو مصدرها الوحيد.
فواقع الأمر أن الضغوط الهائلة التي تمارس
على الشعب الفلسطيني بسلطته وتنظيماته السياسية وأسباب حياته، وصلت إلى مستوى من
القسوة بل الوحشية يهدد سلاحه الأكثر فعالية وهو وحدته الوطنية.
إن هذا الشعب العربي في فلسطين المحتلة،
المعزول والمحاصَر بالرعب والاغتيال وشحّ الرزق وافتقاد النصير، يواجه حرباً
سياسية قاسية تقودها الإدارة الأميركية مباشرة فتغطّي بها جرائم الاحتلال
الإسرائيلي بل وتبرّرها وتستدرج دول العالم جميعاً إلى المشاركة فيها تحت الذريعة
التي صارت في الآونة الأخيرة "تقليدية" وهي: "مكافحة
الإرهاب"... وهي الذريعة التي تحوّل العربي، الضحية، إلى عدو للإنسانية،
خصوصاً إذا ما حاول مواجهة عمليات الإبادة الإسرائيلية بالسلاح الفعال الوحيد الذي
يملكه: دمه!
وبتأثير الضغط الأميركي الشديد الذي تصاعد حتى
بلغ ذروته بعد النجاح الرخيص بأكثر ممّا ينبغي، والأسرع بأكثر ممّا كان يُتخيل في
احتلال العراق، فقد اشتد الحصار على روح الاعتراض الفلسطيني على مبدأ الاستسلام
لشروط المحتل الإسرائيلي، الذي أعاد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة بالكامل.
وهكذا فقد انقلب التخلي العربي الرسمي عن
الانتفاضة، وعن السلطة الضعيفة أصلاً، إلى حصار جدي وشامل، امتد من الدعم السياسي
إلى القليل من الدعم المالي إلى القليل القليل من الدعم الميداني بشيء من الحماية
السياسية.
وفي ظل هذا الحصار الشامل طرحت الإدارة
الأميركية "خريطة الطريق" وكأنها الحل المثالي، ممهّدة لذلك بقصف سياسي
ميداني امتد من المحيط إلى الخليج، فصار من يرفضها من العرب إرهابياً ومطلوباً
للعدالة الأميركية، أما "إسرائيل" فمقبولة منها تحفظاتها بل شروطها التي
تمحو الطريق وتمزّق الخريطة، و"تشرِّع" كل المكاسب الجديدة التي حققتها
بقوة سلاحها في السنتين الأخيرتين: المستوطنات الجديدة التي حجزت لها المزيد من
أراضي الضفة، والطرق الالتفافية التي استهلكت قسماً كبيراً من أراضي تلك
"الشطيرة" المتبقية من الضفة، متسببة في عزل كل مدينة وكل قرية على حدة،
فضلاً عن التدمير المنهجي اليومي للبيوت وأسباب الرزق، قبل أن نصل إلى الاغتيال
بالغارات الجوية.
أصاب القصف الأميركي السلطة فقسمها إلى طرف
مساوم مقبول، وطرف معترض محاصر ومعزول، ولأن "السلطة" تمثل التنظيم
الأكبر والأقوى في الجسم السياسي الفلسطيني، فتح، فقد بات الخطر داهماً في أن يمتد
الانقسام، بتأثير المستجيبين له داخل السلطة وأولئك المتعبين من النضال
والمستعجلين لصفقة مع الاحتلال بشروطه، إلى الجسم السياسي الفلسطيني، أي إلى
"جماهير الشعب الفلسطيني" التي واصلت الالتفاف من حول الانتفاضة
وفصائلها التي حملت السلاح بالاضطرار، فيحدث الانشقاق وتكون الكارثة: الحرب
الأهلية!
على هذا فإن "الهدنة" يمكن أن تفهم
على أنها محاولة جادة لإبعاد شبح الحرب الأهلية عن هذا الشعب المنهك بالاحتلال،
والمحاصرة قيادته الشرعية، والمفروضة عليها وعليه "قيادة" رديفة (حتى لا
نقول بديلة) تكاد تتواطأ عليه مع الاحتلال، بذريعة أنه لا يمكن معاندة القدر
الإسرائيلي فكيف بمعاندة سيد الكون وقيصر العالم جورج بوش وإدارته التي
"تخاف" أرييل شارون.
هي "استراحة محارب" يقول قادة
الفصائل التي ترفع راية "الجهاد" في فلسطين، والمعرّضة الآن لحرب
أميركية علنية اتسعت على مدى الكرة الأرضية.
إنها محاولة للحد من ضغوط الحصار الذي يستهدف
وحدة الشعب الفلسطيني.. وهي محاولة يتفهمها كل المعنيين والمواكبين لهذا المقاوم
العربي المفرد، الذي تجتمع عليه كل السيوف، ولا سيما سيوف الأقربين، بحجة أنه
"يذهب إلى الحرب والناس راجعة"، وكأنه هو الذي يسعى إلى الحرب أو
يريدها.
وأمر مفهوم أن تقدم الوحدة الوطنية
الفلسطينية على كل ما عداها، فهي سلاح المقاومة الأفعل، وهي حصنها الأمنع، وهي أول
شروط النجاح في مقاومة الاحتلال والضغوط الأميركية ومعها التخلي العربي ومحاولات
"الإغواء" العربية.
الوحدة الوطنية هي التي ولدت الانتفاضة وهي
التي تحميها اليوم وغداً.
ولن تعوّض "الإغراءات" الأميركية
الشعب الفلسطيني وحدته الوطنية، خصوصاً أن ليس من عاقل يمكن أن يراهن على استجابة
السفاح شارون لموجبات خريطة الطريق، التي جامل بقبولها شكلاً في حين كان يلغّمها
بتحفظاته الأربعة عشر ليزيد من استحالة تنفيذها.
إنه أمر اليوم: حماية الانتفاضة بحماية
الوحدة الوطنية، التي تكاد تعادل الآن "تحرير" فلسطين.
أما مناقشة أمور فقهية من نوع: هل تجوز
الهدنة أم لا تجوز، فترف لا يقدر عليه الشعب الفلسطيني في هذه اللحظة.
المهم الحفاظ على إرادة المقاومة، وفي غياب
الوحدة الوطنية لن تكون إرادة ولا مقاومة ولا سلطة ولا طبعاً تحرير لفلسطين أو حتى
للقسم الذي أبقاه منها الاحتلال.