"التحريض" ضد الإسلام

 

 

 

بقلم : أد . يحيى هاشم حسن فرغل

yehia_hashem@ hotmail .com

 

أعتقد أنك تعلم  هكذا قال محدثي -  أن الأمر في قوله تعالى " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال "   إنما هو من الله ، ولكني أشهدك أن بعض الذين  تلقوا أخيرا من شرم الشيخ فرمانا  بمنع التحريض وقعوا  في الحيرة : بينه وبين أمر الله

هذا هو الفرمان الثاني الذي جاءنا من شرم الشيخ بالتحريم ، تحريم ما أمرالله به ونحن نذكر تحريم " الإرهاب " الذي جاءنا من شرم الشيخ من قبل ولا نزال ندور معه ، بين وضوح الأمر  وغموض التحريم ، الفرمان الذي جاءنا  من شرم الشيخ والكلام لا يزال لمحدثي الحائر -  جاءنا  - كما يقول اللغويون - بصيغة المصدر " التحريض " وهو يدل على  " المطلق "  والدوام ؟ وهي صيغة تنطوي على التجهيل والتعجيز : من في  قدرته أن يفهم ؟ ألا يحرض أحدنا على السلام ؟ ألا يحرض على الحب ؟ ألا يحرض على العدل ؟ ألا يحرض على حب الخير ؟ ألا يحرض على كراهية الشر ؟  ألا يحرض على الحرية ؟ ألا يحرض على المقاومة ؟ ألا يحرض من يدفعون عنه الأذى ويردون الاعتداء  ؟

هذا هو التحريم الثاني الذي أتانا من شرم الشيخ ، وهو هكذا ربما لأنه قد اشتركت في صياغته العلمانية الدولية التي لا تتذوق العربية ، ولا تتحسس التحريم : أن يكون  مصادما أو غير مصادم للأمر في القرآن  ، ولا يعنيها بعد ذلك أن تفسر ما تريد أو تحدد ما تقصد ، وهي لم تحدد حتى اليوم المقصود بالإرهاب ، وأغلب الظن أنها لن تحدد من بعد المقصود بالتحريض ، لأن " جوانتجهنمو "   قائمة هناك  في شريحة من الأرض ذات  " ذراعين فولاذيتين ديموقراطيتين " اكتشف المسئول الأمريكي أنها " أرض خارجة عن القانون " وهو آسف ياولداه -  ولكنه مع ذلك أو بالأحرى من أجل ذلك - جعلها الدجال لاستقبال العصاة من " المسلمين المجرمين "  " .

و جهة التحريم الدولية تلك التي استمرأت إصدار "التحريم "  بين فترة وأخرى لا يعنيها لأنها وهي قمة السلطة  أن تكيل بمكيالين : فتعتبر الشيء الواحد تحريضا من هذا وليس تحريضا  من ذاك . ولذا فإن بعض أرباب القمة هؤلاء يعلمون أنهم يمارسون التحريض ضد الإسلام ولا يزالون ، وهو التحريض الذي يحرمون .

 

(1) هذه قصاصة صحفية يظهر فيها التحريض على الإسلام  عرضته مجلة الشروق الصادرة في إمارة الشارقة عدد 152 \6  بتاريخ 12\ 3 \1995 وعنوان غلافها ( استراتيجيات ونظريات مجنونة في بلاد الغرب : الإسلام العدو رقم 1 )   أليس هذا من أشنع صور التحريض  ؟ وهو تحريض لا يأتي في صورة عابرة ، فيه يقول بشير البكر في رسالته إلى المجلة من باريس : (  تقاطعت مجموعة من الإشارات الدولية خلال النصف الأول من الشهر الماضي [ يناير 1995 ] تلتقي جميعها حول الأصولية الإسلامية ، لكنها تتجاوزها إلى موقف الغرب من الإسلام بصورة عامة ، ودول الجنوب بصفة خاصة ، وجاءت  أولاها من طرف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ويلي كلايس ، عند ما اعتبر أن الأصولية الإسلامية باتت العدو رقم واحد للحلف ، بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ونهاية الحرب الباردة ولذلك يتوجب محاربتها ) وقد كشف كلايس عن مبادرته في حديثين صحافيين قبل أن يطرحها في صورة رسمية أمام مجلس سفراء الحلف في اجتماعه الأخير ، وانتقلت مبادرة كلايس إلى قرار سياسي أصدره الحلف بفتح حوار حول الموضوع مع دول مثل مصر وإسرائيل )

ما هذا أليس تحريضا ؟

وفي التحقيق الذي كتبه الأستاذ بشير في العدد المشار إليه جاء في حديث للسيد ماريانو آغوري أحد أبرز الخبراء الأوربيين ومدير مركز الدراسات والبحوث الاستراتيجية الأسباني قوله ما هو أشنع تحريضا إذ يقول : ( نرى أن الفضاء الإسلامي هو المكان الذي تنطلق منه المخاطر والتهديدات والكوارث في أواخر هذا القرن . إن حالة الارتياب من الإسلام ليست جديدة ، وهي ناتجة اليوم عن عداء خفي يشير إلى أن الإسلام هو الخطر الأكبر الذي يهدد الغرب بصفة غير مباشرة … وأخيرا والآن بعد ما اختفى الاتحاد السوفيتي يتساءل الاستراتيجيون والمختصون في الشئون الجيوسياسية عن المخاطر التي يمكن أن تنتج عن إسلام يمتلك القنبلة الذرية حيال أوربا خلال القرن الحادي والعشرين ، من هنا جاءت  موجة الإعداد لمواجهة هذا العدو الجديد)

ثم يتحدث السيد ماريانو عن مدى جدية الخطر الإسلامي حسب تحريضه فيقول ( وهنا سوف أقتطف فقرة من تقرير أصدرته " الأكاديمية الملكية للشئون الدولية " في لندن ، وقد جاء في هذا التقرير ما يلي : " بالنسبة إلى الأوربيين كان الإسلام مسألة تشغل بالهم دائما ، غير أن هذه المشكلة ليست ظاهرة بعيدة ، والآن أصبحت جزءا من الواقع الثقافي في الأحياء الأكثر فقرا في بعض المدن الأوربية ، إن العدو القديم تسلل من الباب الخلفي حاملا لافتات  غرائبية وغير منطقية تكونت عبر العصور : " جهاد ضد الكافرين ، وتقبل سلبي للمصير ،  وللعقيدة المتزمتة " ) وعندما سئل السيد ماريانو ( ألا تعتقدون بأن ذلك يذكر بتقاليد المواجهة التاريخية في جانبها الصليبي ؟ ) قال : (  إن تقليد المواجهة بين العالمين الإسلامي والمسيحي يعود إلى تاريخ قديم ، غير أنه خلال العقدين الماضيين تكون ما يمكن تسميته وعيا جديا مناهضا للإسلام ) .

أليس هذا تحريضا  ؟

وليست القضية أن يكون تحريض أولا يكون ، لأن التحريض في حد ذاته لا يتعلق به حكم من الأحكام ، أو قيمة من القيم ، وإنما يأتيه الحكم أو تأتيه القيمة من حيث ما يقوم عليه ، فإذا كان يقوم على الكذب ويتنكر للعدل ويستهدف التضليل فهذا هو التحريض البشع وهو التحريض الذي نجدهم يوجهونه ضد الإسلام

والغريب أن السيد ماريانو وهو يعود بالوعي الأوربي الجديد في مناهضته للإسلام إلى أكذوبة الخوف من امتلاكه لأسلحة الدمار الشامل – وهو ما تحولت إليه الولايات المتحدة الأمريكية في حربها للإرهاب - لا يطرأ على ذهنه سؤال عن المخاطر التي تهدد الوطن الإسلامي ، والتي يمكن أن تنتج عن عدو – كالدولة الصهيونية - يمتلك أسلحة الدمار الشامل .

ولنا أن نرفض في جدية أن يكون امتلاك أسلحة الدمار الشامل سببا كافيا في شن حرب شاملة على العالم الإسلامي ، وإلا فقد ظل الاتحاد السوفيتي عقودا يمتلكها وتم علاج الحال بغير أن تنشب هذه الحرب ، وانحصر الأمر فيما أطلق عليه الحرب الباردة ، واليوم يمتلكها الاتحاد الروسي بالفعل وما من تفكير في شن حرب ضده ، وكذلك امتلكتها إسرائيل والهند وباكستان ودول أخرى ولم يجر العمل على شن حرب ، وربما قيل : استعيض عن ذلك بما يسمى توازن الرعب ، وإذن فلم لا يكون الأمر كذلك في امتلاك الدول الإسلامية مثلا ؟ وتوازن الرعب ضدها يظل قويا متفوقا شديد التفوق ؟

وهنا يشير بعضهم إلى ( أن التهديدات النووية يمكنها أن تكون صادرة من بلدان العالم الثالث حيث رؤساء الدول لا يتمتعون بقدر كاف من العقلانية ، وليسوا واعين للعواقب التي ستترتب على عدم الانصياع للمنطق المفروض من قبل الولايات المتحدة وروسيا خلال الحرب الباردة )

وهنا لا يكتفي التحريض ضد الإسلام بما يقوم عليه من كذب وتضليل ، وإنما يتورط في التهافت والعنصرية إذ يعني أن الجنون حالة إسلامية تنطلق من عقيدة الغرب  في شعوره بتفوق الرجل الأبيض . 

وبما أننا نحن المسلمين نواجه في الواقع عدوا عاقلا جدا ، فإنه لابد من وجود تفسير أكثر عمقا وشمولا وعقلانية من مجرد الإشارة إلى أسلحة الدمار الشامل : إنها فكرة الصراع في الغرب ، نجدها جزءا من بنيتهم الثقافية قديما وحديثا ، فهناك " صراع الآلهة " فوق جبال الأولمب ، كما نجده في أساطير الإلياذة والأوذيسة وما جره هذا الصراع من صراع بين أسبرطة وأثينا ، ثم هناك صراع الدولة الرومانية مع الدولة الفارسية ، وصراعها مع الإسلام ، وصراع أوربا المسيحية مع الإسلام ، وزحف هذا الصراع إلى أمريكا في عملية إبادة الهنود الحمر ، وزحف الاستعمار الحديث على الشرق ، وصراع الغرب لإبادة المسلمين في حروب القرم والقوقاز ، والبلقان ، وتحتل فكرة الصراع موضع العقيدة في التكوين الثقافي للإنسان الغربي المعاصر ، فهو - أي هذا الإنسان - قد يشك في عقيدته المسيحية ، وقد يشك في عقيدته الرأسمالية ، أو غيرها ولكن تبقى لديه فكرة الصراع راسخة لا تمس ، بدءا بالصراع البيولوجي الذي أسسه دارون ، ومرورا بالصراع الاجتماعي عند هربرت سبنسر ، وانتهاء بصراع القوميات عند نيتشة ، وهو - أي هذا الإنسان -  في ذلك كله ينظر إلى الصراع لا باعتباره شرا  لابد منه ، ولكن باعتباره آلية التقدم في الطبيعة والإنسانية والحضارة .

 (2) ومن هنا يصبح من العجيب أن يـُـفجأ بعضنا بنداءات الصراع الحضاري وهي قمة التحريض عندما ينظِّر للعدوان كما عبر عنها أخيرا هذا أو ذاك من المفكرين أو السياسيين ، من أمثال فوكو ياما وهاننجتون ، وهذه الفجاءة مصدرها الغفلة عن طبيعة عدو يبحث عن العداوة قبل أن تفرض عليه ، ويحرض عليها قبل أن تولد ، ويراها لحمة الانتماء في مجتمعاته هشة البنيان  ، وينشدها كأنها فيتامين الصحة والعافية ، فهل يفيدنا نحن المسلمين في شيء أن نخدر أنفسنا عن هذا التحريض بالكلام عن إنسانية الحضارة الغربية ،  وسلام الحوار الديني الذي نعرف أنه لقد كانت المخابرات الفرنسية من سدنته الكبار– ضمن تيارات أخرى – بقيادة مديرها الأكبر الكونت دي مارانش ، منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي ، في حركته نحو احتواء الإسلام سياسيا واقتصاديا في صيغة سماها " الحوار الإسلامي المسيحي" ثم طورها من بعد إلى ما سماه " الحوار الديني " ، وفقا لوثائق الأستاذ محمد حسنين هيكل في مقاله بمجلة " الكتب :وجهات نظر " ( مايو 2001) التي تصدر بالقاهرة ؟  بينما الطرف الآخر ينظر إلينا وإلى الإسلام على وجه الخصوص على أنه ظاهرة عرضت في مسار التاريخ ، وهي في طريقها إلى الزوال بفضل خطتهم الطويلة في الصراع ؟

وهاهو وزير السياحة الإسرائيلي المدعو بني آلون يصرح لصحيفة هأرتس في مطلع هذا الشهر ( مايو 2003 م ) قائلا : " من الواضح أن الإسلام في طريقه إلى الزوال ، فما نشاهده اليوم في العالم الإسلامي ليس انتفاضة إيمان قوية ، بل انطفاء جذوة الإسلام ، أما كيف سيزول فبكل بساطة بقيام حرب مسيحية صليبية ضد الإسلام في غضون بضع سنوات  " 

بأي شيء نصف هذا التحريض وأية قضية يمكن أن نرفعها ضده أمام محكمة شرم الشيخ التي تحرم علينا التحريض ؟

إنه تحريض بشع يخفي وراءه الصراع الذي لا يكتفي بمقتضى ثقافتهم بغير إبادة الآخر ، مهما ارتفعت لديهم شعارات الديموقراطية وحقوق الإنسان والحوار والاعتراف بالآخر ، فهي شعارات سطحية يسمح بها طالما كانت الأمور " تحت السيطرة " لحساب التفوق العنصري الأبيض ، أما إذا اهتز هذا التفوق أو تحركت ضده نذر الخطر من بعيد على مرمى قارات ومرمى قرون فإن الإبادة للآخر تنكشف لتكون هي الأساس ، إبادة الآخر في الأندلس ، إبادة الآخر في القارة الأمريكية الجديدة ( الهنود الحمر ) ، إبادة الآخر المسلم في أوربا الشرقية والبلقان وآسيا الصغرى والقوقاز  ، إبادة الآخر في الشرق الأوسط ، في الجزائر وفلسطين والعراق وإيران ، إبادة الآخر في تصنيفهم للعالم أخيرا إلى محورين : أحدهما للخير ، والآخر للشر . تلك هي مشكلتهم المستعصية التي يعالجونها بلا هوادة  منذ ظهور الإسلام إلى اليوم ، وليس من بعد  أحداث حالية .

أليس من الضروري إذن أن نحذر المسلمين اليوم من التناوم والغفلة عن ثأر أوربا وتحريضها ضد الإسلام الذي يتركز في منطقة الشرق الأوسط  بالذات ، ولن يكتفي هذا الثأر حتى يقتات على لحومهم ودمائهم وعظامهم بغير استثناء ، ويتطاول إلى قدسين : تم له الإطباق على أحدهما وهو بيت المقدس ، ويخطو حاليا بخطوات ثابتة نحو الآخر .   

و رجوعا إلى أصحاب المناقصة وفلسفة التنازل في تعاملهم مع الغرب المتناومين عن هذا التحريض وعن خطورته : ألسنا نراهم في موقف من مواقف الكوميديا السوداء إذ يردون –– بما نسمعه اليوم من كلامهم  عن السلام والتسامح والحوار  ، على لسان شيخ الأزهر ( إن الإسلام لا يعادي أحدا ، بل إن الإسلام دين السلام وليس دين العداوة )  ( إن الإسلام يمد يده بالسلام العادل وبالاطمئنان والأمان ) مجلة الشروق سالفة الذكر ص 20 ؛ أو هكذا نواجه التحريض بالقبلات ، والمدفع بالمؤتمرات ، ويقفل الملف وتسلم الحرمات ، أو هكذا نقرأ الآيات كأنما نتستر على عورات ؟  ، أو هكذا نقرأ " ولا تقربوا الصلاة " ؟؟!

وفقا لنفسية الهزيمة والاستسلام هذه فإن الدول العربية – كما جاء بافتتاحية جريدة الخليج الإماراتية بتاريخ 1\ 3\ 2002 أخذت : ( تغرق الكيان الصهيوني بالمبادرات والمشاريع والأفكار والنوايا الحسنة والتطبيع والهرولة ومد الأيدي و"التسول " ، ونبذ الإرهاب ونبذ العنف ، وصولا إلى نبذ المقاومة والكفاح وحق الدفاع عن النفس ، والشروع في مصادرة ما نملك من  " حجارة وسكاكين الدمار "  الشامل !! إن سمحت الولايات المتحدة و"إسرائيلها " بأن يبقى للدول العربية ما تملكه )  إن السلام المطلوب منا هو في ( سلموا الحقوق ، سلموا الأرض ، سلموا المقدسات ،  وسلموا كل مقاوم ، وسلموا كل من يرمي حجرا ، وسلموا كل من في قلبه نبض : تسلموا ، ويسمح لكم بالبقاء في المنطقة بالشروط المعروفة والتي يمكن معها الترحم على الاستعمار أيام زمان ) هكذا وبمباركة من مفتين يصمون آذانهم عن التحريض المسلط على إسلامهم ، ويعرضون من الإسلام ما يخل فيه بالتوازن بين السلام والجهاد . 

إننا لا نعترض على التحريض ،  فمحض التحريض كما قلنا ليس موضوعا لحكم  ، وإنما الاعتراض على ما يصحبه أو ما ينصب عليه وهو هنا  التحريض القائم على الكذب والمغالطة والتضليل والذي يفتقر إلى العدل ويستهدف التدمير

(3) وبقدر ما أنه من المناقصة على الإسلام في باب الدعوة للقتال - أن يعرض الحمائم فيه خوفا من الوقوع في تهمة التحريض : " حوار السلام والرحمة والتسامح " في نفس الوقت الذي وصلت قعقعة السلاح ضده إلى عنان السماء ، كذلك فإنه من المزايدة الفارغة على الإسلام  - في باب الدعوة للسلام – أن ينكر أعداؤه عليه في سياق حملة التحريض أن ينكروا عليه  فريضة الجهاد ، لأنهم إذ ينكرونها فإنما يحرضون على  حالة من الفوضى والضعف يصبح السلام معها أمرا مستحيلا ، إذ من المؤكد تاريخيا أن الضعف يمثل الإغراء الأقوى بالاعتداء وتدمير السلام ، ومن المؤكد استراتيجيا كما هو معروف أن نفوذ الأقوياء ليس حصيلة قوتهم فحسب ولكنه معادلة من طرفين : قوتهم الذاتية + ضعف  العدو وحرص رجاله على الحياة ، وهم إذ ينكرون الجهاد على الإسلام لا ينكرون عليه فريضة دينية فحسب ، ولكنهم يرتكبون نفاقا مكشوفا : حيث يحرصون على أن يغرق الكيان الصهيوني فلسطين بالدماء والدمار بأحدث الأسلحة الأمريكية ، تاركا للدول العربية أن تحصي الشهداء ، الذين يسقطون والمنازل التي تدمر والأراضي التي تجرف أو تصادر ، وحيث  يحرصون على أن تمتلئ ترساناتهم الحربية بما يكفي لتدمير الحياة الإنسانية على الأرض مرات ومرات بينما هم يعملون على تجريد المسلمين  من كل سلاح بدعوى السلام ، في الوقت نفسه   .

 (4) وإنه لمن التجهيل المتعمد الذي يأتينا من أبواب الدعاية والتلاعب بالعقول وصناعة الرأي العام وفق استراتيجية العدو ما يشاع  من أن موقف الغرب الذي  أعلنه أخيرا من الإسلام باعتباره العدو ومحور الشر في العالم إنما هو تحريض ضد المسلمين المتطرفين ، ثم جددوا عبارتهم فصارت تحريضا ضد المسلمين الإرهابيين ، ثم جددوا عبارتهم فصارت تحريضا ضد الإسلامويين لا المسلمين !! وهي عبارات شديدة الإبهام والغموض … روجتها وسائل الإعلام عن " معهد القيم الأمريكية " وهو بيت خبرة مستقل ، صدرت باسم ستين من المثقفين الأمريكيين ضمن رسالة تحريضية  مفتوحة موجهة إلى الأمريكيين والمجتمع الدولي يشرحون فيها لماذا يعتقدون أن الحرب على الإرهاب ضرورية عادلة ، حيث يفرقون في البيان حسب زعمهم - بين الإسلام المعتدل والإسلاموية الشريرة ، وحيث علق الأستاذ سعد محيو في عموده اليومي في اليوم السابق على نشر البيان مترجما بجريدة الخليج قائلا : إن ( التمييز بين الإسلام والإسلاموية  صائب تماما ) أما في رأينا فهي تفرقة تحريضية مضللة ،  مع الاعتذار للأستاذ سعد محيو ، وهي تصب في النهاية في ساحة الإسلام المعتدل نفسه إن صح هذا المصطلح -  إذ قد تختلط  بزيفها بزيف التفرقة بين رجل السياسة الذي قد يكون معتدلا ورجل الجيش  الذي لابد من أن يكون عنيفا ؟ فهل يصح أن ينسب رجل الجيش  إلى الشر عندئذ ؟ ، أم أن نسبة الشر إلى أحدهما مقصود بها خلط الأوراق والتحريض ضد الإسلام نفسه . هكذا يبتلع مثقفونا الطُّعم ، أو يريدون لنا أن نبتلعه .( أنظر ما جاء بجريدة الخليج يوم 27\2\2002 )

(5) ونحن بحاجة إلى قدر كبير من السذاجة لنصدق ما يشاع من أن هذا الموقف التحريضي قد جاء نتيجة ما ارتكبه بعض الحمقى من اعتداءات على المدنيين الأبرياء في 11 سبتمبر ، ففضلا عن أن هذه الأحداث كان من الممكن حصر النظر إليها في نطاق القانون والأمن والمخابرات القديرة التي تصل ميزانياتها السنوية إلى مليارات الدولارات والتي صنعت بعض هؤلاء من قبل ، إلا أنه من المؤكد أنها لم تكن هي التي صنعت كل هذه الكراهية الهائلة التي تتفجر في الغرب بالتحريض ضد كل ما هو عربي أو إسلامي ، إذ لهذه الكراهية أصل ثقافي من صنع التبشير والاستشراق والسيطرة والمعرفة المؤدلجة من أجل السلطة ، وله ماض تاريخي طويل عريض يبدأ من ظهور الإسلام إلى حروبه مع الإمبراطورية الرومانية في الشرق الأوسط في الشام ومصر ، وحوض البحر الأبيض المتوسط والحروب الصليبية وجنوب أوربا ، مرورا بأسبانيا وأوربا الشرقية وسقوط الدولة العثمانية وانتشار الاستعمار الغربي القديم والحديث طوال عمر الإسلام ؛ والاستيطان الصهيوني أخيرا ، وليرجع من يريد الاستزادة  إلى كتاب إدوارد سعيد عن الاستشراق ليعرف كيف تتجذر هذه الكراهية طوال القرون في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع  .

ولا نريد أن نستطرد هنا في العرض التاريخي مراعاة لشعور الطابور الخامس الذي يسكن في ديارنا  فلقد بلغ الأمر ببعض هؤلاء وهو بصدد بيان ما ارتكبه الغرب من مظالم تجاه الشرق بدءا من الحروب الصليبية إلى الاستعمار ، إلى ما سماه " الإطلالة الأمريكية  على المنطقة " !! بلغ الأمر به  أن استذكر أن هذا ( بالطبع لا يعني أن الشرق يعني المسلمين - كانوا دوما ملائكة ، ولا بد في لحظة ما أن يأتي الوقت كي يعترف هؤلاء بأخطائهم ، بما في ذلك الوجود في أسبانيا لأكثر من 500 عام ؟!، وتهديد أمن أوربا المسيحية لأكثر من 500 عام آخر ،وصولا إلى العصور الحديثة التي شهدت تراجعا ملحوظا في التسامح الإسلامي تجاه الأقليات ) هكذا !!

 وردا على هذه المزاعم وقياسا على سلسلة الاعتذارات هذه نسألهم : أما كان ينبغي عليهم  أن يطالبوا الأنجلو سكسون ، واللاتينيين  بالاعتذار عن وجودهم في أمريكا  منذ أقل من أربعمائة عام ، بل وأن يطالبوا المسيحيين بالاعتذار عن وجودهم في أوربا منذ ألفي عام ، حيث إن المسيحية ظهرت أصلا في آسيا ؟؟ !

(6) وفي مطالبة زعماء التحريض هؤلاء  باعتذار الشرقيين عن وجودهم في الأندلس لمدة 500 عام قياسا على اعتذار متوهم من الغرب عن مظالمه للشرق لابد لنا هنا من الكشف عن الفرق الذي عميت عنه عيونهم بين فتح إسلامي جعله الإسلام لأصحاب العقيدة لا لخصوص الفاتحين ولتصبح أجناس من الأمم هم أصحاب الإسلام وأصحاب دولته حقا : من فرس وأكراد ومماليك وتتار وأتراك وهنود وأوربيين أيضا ، وصل اعتناقهم للإسلام إلى حد جرى فيه النقاش ومن ثم التشكيك حول ما إذا كان العرب أصحاب الفتوحات الأولى مثلهم أو أقل منهم  في ميزان اختصاصهم بالإسلام  دولة وشريعة وحضارة ؟ .. أقول : لا بد لنا هنا من الكشف عن الفرق بين هذا الفتح الإسلامي و غزو يوناني ، وروماني ، وصليبي ، واستعماري ،وصهيوني ، وأمريكي  أخيرا؟ لسنا بحاجة في هذه العجالة لسرد جرائمه و جرائره في استعباد الشعوب وامتصاص دمائهم وتصديرها لحساب  الرجل الأبيض .

(7) إنه في سياق المقارنة التحريضية الزائفة بين الحروب الصليبية باعتبارها خطأ ارتكبه الغرب المسيحي ضد المسلمين !!  ، في مقابلة خطأ المسلمين الذي ارتكبوه ضد الغرب المسيحي  في فتح الأندلس ، وفتح جنوب فرنسا الذي لم يستقر ،  وفتح بلاد شاسعة من أوربا … عندما يحدث ذلك من بعض رجالات الصحافة المتأمركين الراقصين على طبول التحريض ضد الإسلام  فإنه لابد من التعقيب عليه بكشف قناع الزيف فيه ، لا بالذهاب إلى تفاصيل التاريخ التي تدمغ هذه المقارنة بالجهل فحسب ، ولكن لنتساءل أيضا : أكان خطأ المسلمين ضد الغرب المسيحي  قاصرا في تقديرهم - على فتح في أسبانيا وأوربا ؟ أو هو ينسحب على فتح مصر والشام وجنوب البحر الأبيض المتوسط ، الذي كان غارقا في مستنقع البطالمة والرومان وأذنابهم ؟ ثم ينسحب إلى أفريقيا وآسيا باعتبار عالمية المسيحية في تقدير الغرب المسيحي  ؟ ، ثم ينسحب إلى الجزيرة العربية بأدق وأقدس أماكنها التي هي ملك لهم حسب صريح خطتهم في مؤتمراتهم التاريخية في التبشير  ؟ وألا يصب هذا التفسير أخيرا في حملة التحريض ضد مقدسات الإسلام ؟

(8) وفي دفاعنا ضد هذا التحريض لم لا نكشف الأوراق بطريقة محترمة لنقول :  إن عالمية الدعوة الإسلامية ، وعالمية الدعوة المسيحية – حسب اعتقاد الكنيسة – تدعونا إلى استبعاد هذه المباراة الصبيانية بين اعتذار عن خطأ من هنا واعتذار عن خطأ من هناك ..  لنعالج القضية في إطارها الحضاري الصحيح : أي لنقارن إنسانيا بين دخول الصليبيين القدس  - عندما قتلوا من رجال المسلمين وأطفالهم ونسائهم سبعين ألفا في أيام وأطلقوا من دمائهم نافورات جعلت خيل الصليبين  تتعثر فيها داخل المسجد حتى الركب _ وبين دخول الإسلام مكة الطلقاء ، أو دخوله أسبانيا – دخولا حرمت منه فرنسا لسوء حظها – بمقاييس الحرية والعلم والحضارة والإنسانية؟

 ولست بحاجة في هذا المقام لفتح كثير من الملفات ولكن تكفيني الإشارة إلى شهادة المنصفين من مؤرخي الغرب وليقرأ من يريد أن يقرأ كتاب ( شمس الإسلام تسطع على الغرب ) للمستشرقة الألمانية زيجفريد هونكة – وبالمناسبة فعنوان الكتاب في أصله باللغة الألمانية هو كما ذكرته ، بينما المترجم العربي قدس الله سره حرفه إلى شمس العرب – فليقرأ القارئون : ليسألوا  بعد ذلك : أين شمس الغرب المسيحي في سماء الشرق ؟ أين شمسه التي أطلت من سماء الأندلس بعد طرد المسلمين ، هل كنا لنجدها في غير محاكم التفتيش ، أو في أحياء الموريسكيين ( المسلمين المتنصرين قسرا ) ؟ أين شمسه لكي يبحث عنها الباحثون في عصور الظلام في أوربا نفسها التي افتقدوا في سمائها أي شعاع ، وليدركوا أن أوربا إنما نهضت بالخروج على المسيحية  عندما لبست ثوب العلمانية وعندما تابعت خطى الإسلام في موقفه من المنهج العلمي  ؟ أين شمسه في موجة النهب والاستعمار الأوربي ؟ ثم موجة الاستيطان الأوربي في الجزائر ، والصهيوني في فلسطين ؟  هذا هو السؤال ، ونرجو ألا يكون  الجواب من نوع ما يريد منا التحريضيون  أن نعترف به " كجريمة  كفتح الأندلس " !!!

(9) ويأتي التحريض الصريح إلى حد الوقاحة - ضد الإسلام في مقال الصحفي الشهير توماس فريدمان وهو يمحص أسباب الحرب على الإرهاب فيؤكد  في افتتاحية النيويورك تايمز والذي قدمته جريدة الأسبوع بتاريخ  9 \ 6\ 2003 : ( إن  السبب الحقيقي لهذه الحرب يقصد على العراق -  وغير المعلن هو أحداث 11 سبتمبر ، فأمريكا كانت بحاجة لضرب هدف أي هدف في العالم العربي والإسلامي.. ضرب أفغانستان لم يكن كافيا لأن فقاعة الإرهاب تعدت حدود أفغانستان وأصبحت تشكل خطرا حقيقيا علي المجتمعات الغربية المفتوحة وكان لابد من ثقب وخرق هذه الفقاعة.  لقد تساهلنا كثيرا وسمحنا أن يمارس المسلمون مثل هذه الأنشطة. كانت الطريقة الوحيدة أمام الجنود الأمريكيين رجالا ونساء هي ضرب 'قلب' العالم العربي والإسلامي!! وقتال المسلمين والعرب من منزل إلي منزل ، .. ما حدث في العراق درس لسوريا والسعودية لقد ضربنا صدام لسبب واحد بسيط - والكلام ما زال لفريدمان - هو أننا قادرون علي ذلك ولأنه يستحق ذلك ولأنه يقع في قلب العالم العربي والإسلامي لا تصدقوا أن ضرب العراق لم يحدث التأثير المطلوب. كل جيران العراق والدول 'الإرهابية' تخشي ما حدث ووصلتها الرسالة بوضوح تام.. إذا تحدثت مع أي مسئول أمريكي عن أسباب حرب العراق فسيقول لك إن هذا هو السبب وليس شيئا آخر.) وليقرأ المخادعون الذين يختبئون وراء الزعم بتفرقة الغرب في تحريضه على الإسلام بين مصطلح الإرهاب والتطرف ، والإسلام أو الإسلاموية



 وأخيرا فهل " تنور " القضاة " بمحكمة المؤتمر : مؤتمر شرم الشيخ  ليقولوا لنا : أي تحريض يقصدون ؟

 قلت : الله أعلم

 

                                                  *  العميد السابق لكلية أصول الدين بالأزهر