ثمرات
الأوراق
أهل
السنة والجماعة والتكفير بالذنب : أبو العباس ابن
تيمية
متفرقات
من كتاب البيان والتبيين : الجاحظ
أَدَبُ
الْمُتَعَلِّمِ : الماوردي
"
من كتاب : صيد الخاطر لابن الجوزي "
كانت همم
القدماء من العلماء علية تدل عليها تصانيفهم التي هي
زبدة أعمارهم.
ألا إن أكثر
تصانيفهم دثرت لأن همم الطلاب ضعفت فصاروا
يطلبون المختصرات ولا ينشطون
للمطولات.
ثم اقتصروا على ما
يدرسون به من بعضها فدثرت الكتب ولم تنسخ.
فسبيل طالب
الكمال في طلب العلم الاطلاع على الكتب التي قد تخلفت
من المصنفات فليكثر من
المطالعة فإنه يرى من علوم القوم وعلو هممهم ما يشحذ خاطره ويحرك عزيمته للجد وما يخلو
كتاب من فائدة.
وأعوذ بالله من
سير هؤلاء الذين نعاشرهم لا نرى فيهم ذا همة عالية فيقتدي بها المبتدي ولا صاحب ورع فيستفيد منه الزاهد.
فالله الله
وعليكم بملاحظة سير السلف ومطالعة تصانفيهم
وأخبارهم فالاستكثار من مطالعة كتبهم
رؤية لهم كما قال: فاتني أن أرى الديار بطرفي
فلعلّي أرى الديار بسمعي وإني أخبر
عن حالي ما أشبع من مطالعة الكتب وإذا رأيت كتاباً لم أره فكأني وقعت على
كنز.
ولقد نظرت في
ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النظامية فإذا به يحتوي على نحو ستة آلاف مجلد وفي
ثبت كتب أبي حنيفة وكتب الحميدي وكتب شيخنا عبد
الوهاب بن ناصر وكتب أبي محمد بن
محمد بن الخشاب وكانت أحمالاً وغير ذلك من كل كتاب أقدر عليه.
ولو قلت: إني
طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر وأنا بعد في الطلب.
فاستفدت بالنظر فيها من
ملاحظة سير القوم وقدر هممهم وحفظهم وعباداتهم
وغرائب علومهم ما لا يعرفه من لم يطالع.
فصرت أستزري ما الناس فيه وأحتقر همم الطلاب ولله
الحمد.
************
أبو
العباس ابن تيمية
(ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب
واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص
بالمعصية.
وهم
مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر، كما يفعله الخوارج؛ بل الأخوة
الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه وتعالى في آية القصاص: {فَمَنْ عُفِيَ
لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فاتِّباعٌ بِالمَعْروفِ}(1) ، وقال: {وإِنْ طائِفَتَانِ مِنَ
الُمؤمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَـأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا
فإنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأُخرَى فَقَاتِلُوا
التَّي تَبْغِي حَتَّى تَفَيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ فإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بالعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ
المُقْسِطِين.َ إِنَّمَا المُؤمِنُونَ إِخوةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم}(2) .
ولا
يسلبون الفاسق المِلِّي(3) اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقول
المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ}(4) .
وقد
لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا المُؤمِنُونَ الَّذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ
قُلُوبُهُمْ وإذا تُلِيَتْ عَلِيهمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيماناً}(1)، وقوله r: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو
مؤمن،ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا
ينتهب نهبة ذات شرف يرفع
الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن))(2).
ويقولون:
هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛
فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم)*.
(ولهذا قال علماء
السنة في وصفهم ((اعتقاد أهل السنة والجماعة)): أنهم لا يكفرون أحداً من أهل القبلة
بذنب. إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب، فأما أصل الإيمان الذي هو
الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقاً به وانقياداً له؛ فهذا أصل الإيمان الذي
من لم يأت به فليس بمؤمن، ولهذا تواتر في الأحاديث: ((أخرجوا من النار من كان في
قلبه مثقال ذرة من إيمان)) (3))**.
************
قال
رجلٌ لأبي هريرة النحويّ: أريد أن أتعلّم العلم وأخافُ
أن أُضِيعه . فقال: كَفَى بترك العِلم إضاعةً .
وسمع
الأحنفُ رجلاً يقول: التعلُّم
في الصِّغَر كالنَّقش في الحجر . فقال الأحنف: الكبيرُ أكبرُ عقلاً ولكنه أَشْغَل
قلباً.
وقال أَبو الدَّرداء: مالي أَرى علماءَكم يذهبون وجُهَّالَكم لا يتعلَّمون
.
وقال
رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: " إنّ اللَّه لا يقبِض العلمَ انتزاعاً
ينتزعُه من النّاس ، ولكن يقبض العلماءَ حتَّى إذا لم يبق
عالمٌ اتَّخَذَ الناسُ
رُؤساءَ جُهَّالاً فسُئِلوا فأفتَوا بغيرعلمٍ فضلُّوا وأَضَلُّوا " .
قالوا: ولذلك
قال عبد اللَّه بن عباس رحمه اللَّه حين دلّى زيد بن ثابتٍ في القبر
رحمه اللَّه:
من سَرَّه أن يرى كيفَ ذهابُ العلم فلينظر فهكذا ذهابه .
وقال
بعضُ الشُّعراء
في بعض العلماء:
أَبعَدْتَ
مِن يومك الفِرارَ
فما جاوَزْت حيثُ
انتَهَى بك القَدرُ
لو كان
يُنجِي من الرَّدَى حذرٌ نجَّاك
مِمَّا أَصابَكَ الحَذَرُ
يرحمك
اللَّه مِن أَخي ثقةٍ
لم يكُ في صفو ودِّهِ كدَرُ
فهكذا
يَفْسُد الزَّمان
ويَفْنَى
العِلمُ منه وَيَدْرُسُ الأثرُ
قال:
وقال قَتادة: لو كان أَحدٌ
مكتفياً من العلم لاكتَفَى نبيُّ اللَّه موسى عليه السلام إذْ قال
للعبد الصالح:
" هَلْ أَتّبِعكُ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ ممَّا عُلِّمْتَ رُشْداً
" الكهف:
66
أَبو
العبَّاس التميميّ قال: قال طاوس: الكلمة الصَّالحة صَدَقة .
وقال
ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس عن أبيه عن جدِّه عن رسول
اللَّه صلى الله عليه وسلم
أَنّه قال: فضْلُ لسانِك تُعبِّر به عن أَخيك الذي لا لِسانَ له صَدَقة .
وقال الخليل:
تكثّرْ مِن العلم لتَعرِفَ وتقلّلْ منه لتَحفَظ .
وقال
الفُضَيل: نعمت الهديَّة
الكلمةُ من الحِكمة يحفظُها الرَّجُل حتى يلقيَها إلى أَخيه
.
وكان
يقال: يكتب
الرَّجلُ أحسنَ ما يسمع ويحفظ أحسن ما يكتب .
وكان
يقال: اجعل ما في كتبك بيتَ مال
وما في قلبك للنَّفَقة .
وقال
أَعرابيّ: حَرْفٌ في قلبك خير من عشرة في طُومارك .
وقال
عُمر بن عبد العزيز: ما قُرِن شيء إلى شيء أَفضلُ من حِلْم إلى علم ، ومن عَفْو
إلى قُدرة .
وكان
ميمون بن سِيَاه إذا جلس إلى قومٍ قال: إنّا
قومٌ مُنْقَطَعٌ
بنا فحدثونا أحاديث نتجمّل بها .
قال:
وفَخر سُلَيم مولى زيادٍ بزيادٍ عند
معاوية فقال معاوية: اسكت فواللَّه ما أدرك صاحبُك
شيئاً بسيفه إلاّ وقد أدركتُ
أكثرَ منه بلساني
وضرب
الحجاج أعناقَ أَسْرى فلما قدَّموا إليه رجلاً لتُضَربَ
عنُقه قال: واللَّه لئنْ كُنَّا أسأنا في الذّنب فما أحسنْتَ في
العفو. فقال
الحجَّاج: أُفٍّ لهذه الجِيَف أما كان فيها أحدٌ يحسن مثلَ هذا
الكلام ، وأمسَكَ
عن القتل .
وقال
بشير الرَّجَّال: إنِّي لأجِدُ في قلبي حَرّاً لا يُذهبه إلاّ
برد العدل أو حَرُّ السِّنان .
قال:
وقدَّموا رجلاً من الخوارج إلى عبد الملك بن
مَرْوَان لتُضرب عنقه ودخل على عبد الملك ابنٌ له صغيرٌ
قد ضربَه المعلِّم وهو يبكي
،
فهمَّ عبدُ الملك بالمعلِّم ، فقال له الخارجيّ: دَعُوه يبكي فإنه أفتح
لجِرمه وأصحُّ
لبَصَره وأذْهَب لصَوته ، قال له عبدُ الملك: أَمَا يشغَلُك ما أنتَ فيه
عن هذا
؟
قال
الخارجيّ: ما ينبغي لمسْلِم أن يشغَلَه عن قول الحقِّ شيء
. فأمر بتخلية سبيله
.
قال:
وقال زيادٌ على المنبر: إنَّ الرجل ليتكلم بالكلمة لا يُقطَع بها ذَنَبُ
عَنْزٍ مَصُورٍ لو بلَغَتْ إمامَه سفَكَ بها دمه.
قال: وقال إبراهيم بن أدهَم:
أعربنا كلامَنا فما نَلْحن ولحَنّا في أعمالنا فما نُعْرِب حرفاً
.
وأنشد:
نُرَقِّع دُنيانا
بتمزيق ديننا
فلا دينُنا يبقَى ولا ما نرقِّعُ
قال:
وعزَلَ عمرُ زياداً
عن كتابةِ أبي موسى الأشعري في بعض قَدَماتِه فقال له زياد: أعن عجز أم عن خيانة
؟ قال: لا عن واحدةٍ منهما ولكنِّي أكره أن أَحمِلَ على العامَّة
فَضْلَ عقلِك
.
قال:
وبلغ الحجَّاجَ موتُ أسماءَ بنِ خارجة فقال: هل سَمِعْتُم بالذي عاشَ
ما شاء ، ومات حين شاء .
قال:
وكان يُقَال: كَدَرُ الجماعة خيرٌ من صَفْو الفُرقَة
.
قال
أبو الحسن: مرَّ عمر بن ذرّ بعبد اللَّه بن عَيَّاش
المنتوف وقد كان سَفِه
عليه فأعرَضَ عنه ، فتعلّق بثوبه ، ثم قال له: يا هَناهُ ، إنا لم نَجدْ لك أَنْ عصَيتَ
اللَّه فينا ، خيراً من أن نطيع اللّه فيك .
وهذا
كلامٌ أخذه عُمَر بن ذَرّ عن عمر
بن الخطاب رحمه اللَّه قال عُمر: إنِّي واللَّه ما أَدَع حَقّاً
للَّه لشِكايةٍ
تظهر ، ولا لضَبٍّ يُحتَمل ، ولا لمحاباةِ بَشَرٍ ، وإنّك
واللَّه ما عاقبتَ مَن عصى
اللَّه فيكَ بمثل أن تُطيعَ اللَّه فيه .
قال:
وكتب عمرُ بن الخطاب إلى سعد أبي وقّاص:
يا سعدُ سعدَ بنيِ أُهيْب إنّ اللَّه إذا أحبَّ عبداً حبّبه إلى خلقه فاعتبِرْ
منزلتَك من اللَّه بمنزلتك من الناس واعلَمْ أنّ ما لَكَ عند اللَّه
مثلُ ما
للَّهِ عندك قال: ومات ابْنٌ لعُمَر بنِ ذَرّ فقال: أيْ بُنَيَّ
شغلَني الحزنُ
لك عن الحزن عليك .
وقال
رجلٌ من بني مُجاشع: جاء الحسنُ في دم كان فينا ، فخطب فأجابه رجلٌ ، فقال: قد تركتُ
ذلك للَّهِ ولوجوهكم ، فقال الحسن: لا تقلْ هكذا بل
قُلْ: لِلَّه ثم لوجوهكم ، وآجَرَك اللَّه .
وقال:
ومرّ رجلٌ بأبي بكر ومعه ثوبٌ ، فقال: أتبيع الثوب ؟ فقال: لا
عافاك اللَّه . فقال أبو بكر رضي اللّه عنه:
لقد عُلِّمتم
لو كنتم تعلمون ، قل: لا وعافاك اللَّه .
قال:
وسأل عمرُ بنُ الخطّاب رجلاً
عن شيء ، فقال: اللَّه أعلم ، فقال عمر: لقد شقينا
إنْ كُنّا لا نعلم أنّ اللَّه
أعلم إذا سُئِل أحدكم عن شيء لا يعلمُه فليقلْ: لا أدري .
وكان
أبو الدَّرداء
يقول: أبغَضُ النَّاسِ إليَّ أَنْ أظلِمَه : مَنْ لا
يستعين عليّ بأحد إلاّ
باللَّه .
وذكر
ابن ذَرٍّ " الدُّنيا " فقال: كأنكم زادَكم في حرصكم عليها ذَمُّ اللَّه
لها ؟!!
ونظر
أعرابيٌّ إلى مالٍ له كثيرٍ من الماشية وغيرها فقال: يَنْعة ولكل يَنْعةٍ
استحشاف
، فباع ما هُناك مِن ماله ثمَّ يمَّم ثغراً من ثغور
المسلمين فلم يزلْ
به حتى أتاه الموت .
قال:
وتمنَّى قوم عند يَزيدَ الرَّقاشي فقال:
أتمنى كما تمنَّيتم
.
قالوا: تمنَّهْ . قال: ليتَنا لم نُخْلَق ، وليتنا إذْ خُلِقْنا لم نَعصِ ، وليتنا إذ عَصَينا لم نمُتْ ، وليتنا إذْ
مُتْنَا لم نُبعَث ، وليتنا إذْ بعثنا لم نُحاسب
، وليتنا إذْ حُوسبنا لم نعذَّبْ ، وليتنا إذْ عذِّبنا لم نُخلَّد .
وقال الحجّاج:
ليت اللَّه إذْ خلَقَنا للآخرة : كفانا أمْرَ الدُّنيا
فرفَعَ عنّا الهمَّ بالمأكل
والمشرب والملبَس والمنكَح ، أوْ ليته إذْ أوْقَعَنا في
هذه الدنيا كفانا أمْرَ
الآخرة فرفَع عنا الاهتمام بما يُنجِيّ مِن عذابه ، فبلغ كلامُهما عبدَ اللَّه بن حسن
بن حسن أو عليَّ بنَ الحسين فقال: ما عَلِما في التمنِّي شيئاً ، ما
اخْتَارُه اللَّه
فهو خيرٌ .
وقال
أبو الدَّرداء: مِن هوان الدُّنيا على اللَّه أنّه
لا يعُصَى
إلاّ فيها ولا يُنال ما عنده إلاّ بتركها .
قال
شُرَيح: الحِدَّة كنايةٌ عن الجَهْل
وقال أبو عُبيدة: العارضة كناية عن البَذَاء .
وقال الهيثم
بن صالح لابنه - وكان خطيباً- : يا بنيّ إذا قَلَّلتَ من الكلام أكثرتَ
من الصَّواب
وإذا أكثرت من الكلام أقللت من الصّواب قال: يا أبه فإنْ أكثرتُ
وأكثرت - يعني
كلاماً وصواباً - قال: يا بُنيَّ ما رأيتُ موعوظاً أحقَّ بأن يكون
واعظاً منك
.
قال:
وقال ابن عبَّاس: لولا الوَسْواسُ ما بالَيْتُ ألاّ
أكلِّم الناس .
قال:
وقال عمر بن الخطَّاب رحمه اللَّه: ما تستبْقوه من الدُّنيا تجدوه في الآخرة
.
وقال
رجلٌ للحسن: إني أكره الموت قال: ذاك أنّك أخّرت مالَكَ ولو قدَّمته
لسرَّك أن تَلْحَق به .
قال:
وقال عامر بن الظرِب العَدْوانيّ الرأي
نائمٌ والهوى
يقظان فمن هُنالك يغلبُ الهوى الرأْي .
وقال:
مكتوب في الحكمة: اشكُرْ لمن أنعَمَ
عليك وأَنعِمْ على من شكر لكَ .
وقال
بعضهم: أيُّها الناس لا يمنعنَّكم سوءُ ما
تعلمون منّا أن تقبَلوا أحُسنَ ما تسمعُون منا .
وقال
عبد الملك على المنبر: ألا تُنصفوننا
يا معشَرَ الرعيَّة تريدون مِنّا سيرةَ أبي بكر وعمر ولم تَسِيروا في أنفسكم
ولا فينا بِسيرة رعيّة أبي بكر وعمر أسأل اللَّه أنْ يعين كُلاًّ على
كُلّ وقال
رجلٌ من العرب: أربعٌ لا يشَبَعْن من أربعة: أنثَى من ذكر وعينٌ من
نَظَر وأرضٌ
من مطر وأذُن من خَبَر .
*********
من
كتاب" أدب الدنيا والدين للماوردي "
اعْلَمْ أَنَّ لِلْمُتَعَلِّمِ تَمَلُّقًا
وَتَذَلُّلًا فَإِنْ اسْتَعْمَلَهُمَا غَنِمَ , وَإِنْ تَرَكَهُمَا حُرِمَ
; لِأَنَّ التَّمَلُّقَ لِلْعَالِمِ يُظْهِرُ مَكْنُونَ عَمَلِهِ , وَالتَّذَلُّلَ
لَهُ سَبَبٌ لِإِدَامَةِ صَبْرِهِ . وَبِإِظْهَارِ مَكْنُونِهِ تَكُونُ
الْفَائِدَةُ وَبِاسْتِدَامَةِ صَبْرِهِ يَكُونُ الْإِكْثَارُ
. وَقَدْ رَوَى مُعَاذٌ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : { لَيْسَ مِنْ أَخْلَاقِ الْمُؤْمِنِ الْمَلَقُ إلَّا
فِي طَلَبِ الْعِلْمِ } .
وَقَالَ
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : ذَلَلْت طَالِبًا
فَعَزَزْت مَطْلُوبًا .
وَقَالَ
بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : مَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ ذُلَّ
التَّعَلُّمِ سَاعَةً بَقِيَ فِي ذُلِّ الْجَهْلِ أَبَدًا .
وَقَالَ
بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ ; إذَا قَعَدْت , وَأَنْتَ
صَغِيرٌ حَيْثُ تُحِبُّ قَعَدْت , وَأَنْتَ كَبِيرٌ حَيْثُ لَا تُحِبُّ . ثُمَّ
لِيَعْرِفَ لَهُ فَضْلَ عِلْمِهِ وَلِيَشْكُرَ لَهُ جَمِيلَ فِعْلِهِ ، فَقَدْ رَوَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَنْ
النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ وَقَّرَ عَالِمًا فَقَدْ
وَقَّرَ رَبَّهُ } .
وَقَالَ
عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه : لَا يَعْرِفُ
فَضْلَ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَّا أَهْلُ الْفَضْلِ .
وَقَالَ
بَعْضُ الشُّعَرَاءِ :
إنَّ
الْمُعَلِّمَ وَالطَّبِيبَ كِلَاهُمَا
لَا يَنْصَحَانِ إذَا هُمَا لَمْ يُكْرَمَا
فَاصْبِرْ
لِدَائِك إنْ أَهَنْت طَبِيبَهُ
وَاصْبِرْ لِجَهْلِك إنْ جَفَوْت مُعَلِّمَا
وَلَا
يَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ عُلُوُّ مَنْزِلَتِهِ إنْ كَانَتْ لَهُ
, وَإِنْ كَانَ الْعَالِمُ خَامِلًا ; فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ بِعِلْمِهِمْ
قَدْ اسْتَحَقُّوا التَّعْظِيمَ لَا بِالْقُدْرَةِ وَالْمَالِ .
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ
أَهْلِ الْأَدَبِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ :
لَا
تَحْقِرَنَّ عَالِمًا وَإِنْ خَلِقَتْ
أَثْوَابُهُ فِي عُيُونِ رَامِقِهِ
وَانْظُرْ
إلَيْهِ بِعَيْنِ ذِي أَدَبٍ مُهَذَّبِ
الرَّأْيِ فِي طَرَائِقِهِ
فَالْمِسْكُ
بَيِّنًا تَرَاهُ مُمْتَهَنًا بِفِهْرِ عَطَّارِهِ وَسَاحِقِهِ
حَتَّى تَرَاهُ
فِي عَارِضَيْ مَلِكٍ
وَمَوْضِعُ التَّاجِ مِنْ مَفَارِقِهِ
وَلْيَكُنْ
مُقْتَدِيًا بِهِمْ فِي أَخْلَاقِهِمْ , مُتَشَبِّهًا
بِهِمْ فِي جَمِيعِ أَفْعَالِهِمْ ; لِيَصِيرَ لَهَا آلِفًا , وَعَلَيْهَا نَاشِئًا
, وَلِمَا خَالَفَهَا مُجَانِبًا . فَقَدْ قَالَ
النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : { خِيَارُ شُبَّانِكُمْ
الْمُتَشَبِّهُونَ بِشُيُوخِكُمْ وَشِرَارُ شُيُوخِكُمْ الْمُتَشَبِّهُونَ
بِشُبَّانِكُمْ } . وَرَوَى ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما
أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : { مَنْ
تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ } .
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ
أَهْلِ الْأَدَبِ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ دُرَيْدٍ :
الْعَالِمُ
الْعَاقِلُ ابْنُ نَفْسِهِ
أَغْنَاهُ جِنْسُ عِلْمِهِ عَنْ جِنْسِهِ
كُنْ
ابْنَ مَنْ شِئْت وَكُنْ مُؤَدَّبًا
فَإِنَّمَا الْمَرْءُ بِفَضْلِ كَيْسِهِ
وَلَيْسَ
مَنْ تُكْرِمُهُ لِغَيْرِهِ
مِثْلَ الَّذِي تُكْرِمُهُ لِنَفْسِهِ
وَلْيَحْذَرْ
الْمُتَعَلِّمُ الْبَسْطَ عَلَى مَنْ يُعَلِّمُهُ وَإِنْ آنَسَهُ
, وَالْإِدْلَالَ عَلَيْهِ وَإِنْ تَقَدَّمَتْ
صُحْبَتُهُ .
قِيلَ
لِبَعْضِ الْحُكَمَاءِ : مَنْ أَذَلُّ النَّاسِ ؟ فَقَالَ : عَالِمٌ يَجْرِي عَلَيْهِ حُكْمُ جَاهِلٍ .
{
وَكَلَّمَتْ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَارِيَةٌ مِنْ السَّبْيِ فَقَالَ
لَهَا : مَنْ أَنْتِ ؟ فَقَالَتْ
: بِنْتُ الرَّجُلِ الْجَوَادِ حَاتِمٍ . فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : ارْحَمُوا عَزِيزَ قَوْمٍ ذَلَّ , ارْحَمُوا غَنِيًّا
افْتَقَرَ , ارْحَمُوا عَالِمًا ضَاعَ بَيْنَ الْجُهَّالِ } . وَلَا يُظْهِرُ لَهُ الِاسْتِكْفَاءَ مِنْهُ
وَالِاسْتِغْنَاءَ عَنْهُ , فَإِنَّ فِي ذَلِكَ كُفْرًا
لِنِعْمَتِهِ , وَاسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِ . وَرُبَّمَا وَجَدَ بَعْضُ
الْمُتَعَلِّمِينَ قُوَّةً فِي نَفْسِهِ لِجَوْدَةِ ذَكَائِهِ وَحِدَةِ خَاطِرِهِ , فَقَصَدَ مَنْ يُعَلِّمُهُ بِالْإِعْنَاتِ لَهُ
وَالِاعْتِرَاضِ عَلَيْهِ إزْرَاءً بِهِ وَتَبْكِيتًا لَهُ , فَيَكُونُ كَمَنْ
تَقَدَّمَ فِيهِ الْمَثَلُ السَّائِرُ لِأَبِي الْبَطْحَاءِ :
أُعَلِّمُهُ
الرِّمَايَةَ كُلَّ يَوْمٍ
فَلَمَّا اشْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي
وَهَذِهِ
مِنْ مَصَائِبِ الْعُلَمَاءِ وَانْعِكَاسِ حُظُوظِهِمْ أَنْ يَصِيرُوا عِنْدَ مَنْ
يُعَلِّمُوهُ مُسْتَجْهَلِينَ , وَعِنْدَ
مَنْ قَدَّمُوهُ مُسْتَرْذَلِينَ .
وَقَالَ
صَالِحُ بْنُ عَبْدِ الْقُدُّوسِ :
وَإِنَّ عَنَاءً
أَنْ تُعَلِّمَ جَاهِلًا فَيَحْسَبُ
جَهْلًا أَنَّهُ مِنْك أَعْلَمُ
مَتَى
يَبْلُغُ الْبُنْيَانُ يَوْمًا تَمَامَهُ إذَا
كُنْت تَبْنِيهِ وَغَيْرُك يَهْدِمُ
مَتَى
يَنْتَهِي عَنْ سَيِّئٍ مَنْ أَتَى بِهِ
إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهُ عَلَيْهِ تَنَدُّمُ
وَقَدْ
رَجَّحَ كَثِيرُ مِنْ الْحُكَمَاءِ حَقَّ الْعَالِمِ عَلَى حَقِّ الْوَالِدِ حَتَّى
قَالَ بَعْضُهُمْ :
يَا
فَاخِرًا لِلسَّفَاهِ بِالسَّلَفِ وَتَارِكًا
لِلْعَلَاءِ وَالشَّرَفِ
آبَاءُ
أَجْسَادِنَا هُمْ سَبَبٌ
لَأَنْ جُعِلْنَا عَرَائِضَ التَّلَفِ
مَنْ
عَلَّمَ النَّاسَ كَانَ خَيْرَ أَبٍ
ذَاكَ أَبُو الرُّوحِ لَا أَبُو النُّطَفِ
وَلَا
يَنْبَغِي لِلْمُتَعَلِّمِ أَنْ يَبْعَثَهُ مَعْرِفَةُ الْحَقِّ لَهُ عَلَى قَبُولِ
الشُّبْهَةِ مِنْهُ , وَلَا يَدْعُوهُ تَرْكُ
الْإِعْنَاتِ لَهُ عَلَى التَّقْلِيدِ فِيمَا أَخَذَ عَنْهُ , فَإِنَّهُ رُبَّمَا
غَلَا بَعْضُ الْأَتْبَاعِ فِي عَالِمِهِمْ حَتَّى يَرَوْا أَنَّ قَوْلَهُ دَلِيلٌ
, وَإِنْ لَمْ يَسْتَدِلَّ , وَأَنَّ اعْتِقَادَهُ حُجَّةٌ , وَإِنْ لَمْ يَحْتَجَّ
, فَيُفْضِي بِهِمْ الْأَمْرُ إلَى التَّسْلِيمِ لَهُ فِيمَا أَخَذَ مِنْهُ فَلَا
يَبْعُدُ أَنْ تَبْطُلَ تِلْكَ الْمَقَالَةَ إنْ انْفَرَدَتْ أَوْ يَخْرُجَ
أَهْلُهَا مِنْ عِدَادِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا شَارَكَتْ ; لِأَنَّهُ قَدْ لَا يَرَى
لَهُمْ مَنْ يَأْخُذُ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَرَوْنَهُ لِمَنْ أَخَذُوا عَنْهُ
فَيُطَالِبُهُمْ بِمَا قَصَّرُوا فِيهِ فَيَضْعُفُوا عَنْ إبَانَتِهِ ,
وَيَعْجِزُوا عَنْ نُصْرَتِهِ , فَيَذْهَبُوا ضَائِعِينَ وَيَصِيرُوا عَجَزَةً مَضْعُوفِينَ .
وَلَقَدْ
رَأَيْت مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ رَجُلًا يُنَاظِرُ فِي مَجْلِسِ حَفْلٍ وَقَدْ
اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَصْمُ بِدَلَالَةٍ صَحِيحَةٍ فَكَانَ جَوَابُهُ عَنْهَا
أَنْ قَالَ : إنَّ هَذِهِ دَلَالَةٌ فَاسِدَةٌ , وَجْهُ
فَسَادِهَا أَنَّ شَيْخِي لَمْ يَذْكُرْهَا وَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّيْخُ لَا
خَيْرَ فِيهِ . فَأَمْسَكَ عَنْهُ الْمُسْتَدِلُّ تَعَجُّبًا ; وَلِأَنَّ شَيْخَهُ
كَانَ مُحْتَشِمًا .
وَقَدْ
حَضَرَتْ طَائِفَةٌ يَرَوْنَ فِيهِ مِثْلَ مَا رَأَى هَذَا الْجَاهِلُ , ثُمَّ أَقْبَلَ الْمُسْتَدِلُّ عَلَيَّ وَقَالَ
لِي : وَاَللَّهِ لَقَدْ أَفْحَمَنِي بِجَهْلِهِ وَصَارَ سَائِرُ النَّاسِ
الْمُبَرَّئِينَ مِنْ هَذِهِ الْجَهَالَةِ مَا بَيْنَ مُسْتَهْزِئٍ وَمُتَعَجِّبٍ ,
وَمُسْتَعِيذٍ بِاَللَّهِ مِنْ جَهْلٍ مُغْرِبٍ . فَهَلْ رَأَيْت كَذَلِكَ عَالِمًا
أَوْغَلَ فِي الْجَهْلِ , وَأَدَلَّ عَلَى قِلَّةِ
الْعَقْلِ . وَإِذَا كَانَ الْمُتَعَلِّمُ مُعْتَدِلَ الرَّأْيِ فِيمَنْ يَأْخُذُ
عَنْهُ , مُتَوَسِّطَ الِاعْتِقَادِ مِمَّنْ يَتَعَلَّمُ
مِنْهُ , حَتَّى لَا يَحْمِلَهُ الْإِعْنَاتُ عَلَى اعْتِرَاضِ الْمُبَكِّتِينَ ,
وَلَا يَبْعَثُهُ الْغُلُوُّ عَلَى تَسْلِيمِ الْمُقَلَّدِينَ , بَرِئَ
الْمُتَعَلِّمُ مِنْ الْمَذَمَّتَيْنِ , وَسَلِمَ
الْعَالِمُ مِنْ الْجِهَتَيْنِ . وَلَيْسَ كَثْرَةُ السُّؤَالِ فِيمَا الْتَبَسَ
إعْنَاتًا , وَلَا قَبُولُ مَا صَحَّ فِي النَّفْسِ
تَقْلِيدًا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : { الْعِلْمُ خَزَائِنُ وَمِفْتَاحُهُ السُّؤَالُ
فَاسْأَلُوا - رَحِمَكُمْ اللَّهُ - فَإِنَّمَا يُؤْجَرُ فِي الْعِلْمِ ثَلَاثَةٌ :
الْقَائِلُ وَالْمُسْتَمِعُ وَالْآخِذُ } .
وَقَالَ
عليه الصلاة والسلام : { هَلَّا سَأَلُوا إذَا لَمْ
يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ } .
فَأَمَرَ
بِالسُّؤَالِ وَحَثَّ عَلَيْهِ , وَنَهَى آخَرِينَ عَنْ
السُّؤَالِ وَزَجَرَ عَنْهُ , فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : {أَنْهَاكُمْ عَنْ
قِيلَ وَقَالَ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَإِضَاعَةِ الْمَالِ } . وَقَالَ عليه الصلاة
والسلام : { إيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ فَإِنَّمَا
هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ السُّؤَالِ } . وَلَيْسَ هَذَا مُخَالِفًا
لِلْأَوَّلِ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِالسُّؤَالِ مَنْ قَصَدَ بِهِ عِلْمَ مَا جَهِلَ , وَنَهَى عَنْهُ مَنْ قَصَدَ بِهِ إعْنَاتَ مَا سَمِعَ
, وَإِذَا كَانَ السُّؤَالُ فِي مَوْضِعِهِ أَزَالَ الشُّكُوكَ وَنَفَى الشُّبْهَةَ
.
وَقَدْ
قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما : بِمَ نِلْت هَذَا
الْعِلْمَ ؟ قَالَ : بِلِسَانٍ سَئُولٍ وَقَلْبٍ عُقُولٍ . وَرَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ
رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم
قَالَ : { حُسْنُ السُّؤَالِ نِصْفُ الْعِلْمِ } .
وَأَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ عَنْ أَبِي سُلَيْمَانَ الْغَنَوِيِّ :
فَسَلْ
الْفَقِيهَ تَكُنْ فَقِيهًا مِثْلَهُ لَا
خَيْرَ فِي عِلْمٍ بِغَيْرِ تَدَبُّرِ
وَإِذَا
تَعَسَّرَتْ الْأُمُورُ فَأَرْجِهَا
وَعَلَيْك بِالْأَمْرِ الَّذِي لَمْ يَعْسِرِ
وَلْيَأْخُذْ
الْمُتَعَلِّمُ حَظَّهُ مِمَّنْ وَجَدَ طُلْبَتَهُ عِنْدَهُ مِنْ نَبِيهٍ وَخَامِلٍ , وَلَا يَطْلُبُ الصِّيتَ وَحُسْنَ الذِّكْرِ بِاتِّبَاعِ أَهْلِ الْمَنَازِلِ مِنْ الْعُلَمَاءِ إذَا كَانَ
النَّفْعُ بِغَيْرِهِمْ أَعَمَّ , إلَّا أَنْ يَسْتَوِيَ النَّفْعَانِ فَيَكُونُ
الْأَخْذُ عَمَّنْ اُشْتُهِرَ ذِكْرُهُ وَارْتَفَعَ قَدْرُهُ أَوْلَى ; لِأَنَّ
الِانْتِسَابَ إلَيْهِ أَجْمَلُ وَالْأَخْذَ عَنْهُ أَشْهَرُ . وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا أَنْتَ لَمْ يُشْهِرْك عِلْمُك لَمْ تَجِدْ
لِعِلْمِك مَخْلُوقًا مِنْ النَّاسِ يَقْبَلُهْ وَإِنْ صَانَك الْعِلْمُ الَّذِي
قَدْ حَمَلْته أَتَاك لَهُ مَنْ يَجْتَنِيهِ وَيَحْمِلُهْ وَإِذَا قَرُبَ مِنْك
الْعِلْمُ فَلَا تَطْلُبُ مَا بَعُدَ , وَإِذَا سَهُلَ مِنْ وَجْهٍ فَلَا تَطْلُبُ
مَا صَعُبَ . وَإِذَا حَمِدْتَ مَنْ خَبَّرْتَهُ فَلَا تَطْلُبُ مَنْ لَمْ تَخْتَبِرْهُ , فَإِنَّ الْعُدُولَ عَنْ الْقَرِيبِ إلَى
الْبَعِيدِ عَنَاءٌ , وَتَرْكَ الْأَسْهَلِ بِالْأَصْعَبِ بَلَاءٌ ,
وَالِانْتِقَالَ مِنْ الْمَخْبُورِ إلَى غَيْرِهِ خَطَرٌ
.
وَقَدْ
قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه : عُقْبَى
الْأَخْرَقِ مَضَرَّةٌ , وَالْمُتَعَسِّفُ لَا تَدُومُ لَهُ مَسَرَّةٌ.
وَقَالَ
بَعْضُ الْحُكَمَاءِ : الْقَصْدُ أَسْهَلُ مِنْ
التَّعَسُّفِ , وَالْكَفُّ أَوْدَعُ مِنْ التَّكَلُّفِ . وَرُبَّمَا تَتْبَعُ
نَفْسُ الْإِنْسَانِ مَنْ بَعُدَ عَنْهُ اسْتِهَانَةً بِمَنْ قَرُبَ مِنْهُ , وَطَلَبَ مَا صَعُبَ احْتِقَارًا لِمَا سَهُلَ
عَلَيْهِ , وَانْتَقَلَ إلَى مَنْ لَمْ يُخْبِرْهُ مَلَلًا لِمَنْ خَبَرَهُ , فَلَا
يُدْرِكْ مَحْبُوبًا وَلَا يَظْفَرْ بِطَائِلٍ . وَقَدْ قَالَتْ الْعَرَبُ فِي
أَمْثَالِهَا : الْعَالِمُ كَالْكَعْبَةِ يَأْتِيهَا
الْبُعَدَاءُ , وَيَزْهَدُ فِيهَا الْقُرَبَاءُ .
وَأَنْشَدَنِي بَعْضُ
شُيُوخِنَا لِمَسِيحِ بْنِ حَاتِمٍ :
لَا تَرَى
عَالِمًا يَحِلُّ بِقَوْمٍ
فَيُحِلُّوهُ غَيْرَ دَارِ الْهَوَانِ
قَلَّ مَا
تُوجَدُ السَّلَامَةُ
وَالصِّحَّةُ مَجْمُوعَتَيْنِ فِي إنْسَانِ
فَإِذَا
حَلَّتَا مَكَانًا سَحِيقًا
فَهُمَا فِي النُّفُوسِ مَعْشُوقَتَانِ
هَذِهِ
مَكَّةُ الْمَنِيعَةُ بَيْتُ
اللَّهِ يَسْعَى لِحَجِّهَا الثَّقَلَانِ
وَيُرَى
أَزْهَدُ الْبَرِيَّةِ فِي الْحَجِّ لَهَا
أَهْلَهَا لِقُرْبِ الْمَكَانِ
*********
من
" أفراح الروح "
الشهيد
:
سيد قطب
إننا نحن إن ((
نحتكر )) أفكارنا وعقائدنا ، ونغضب حين ينتحلها الآخرون
لأنفسهم ، ونجتهد في توكيد نسبتها إلينا ، وعدوان الآخرين عليها ! إننا إنما نصنع
ذلك كله ، حين لا يكون إيماننا بهذه الأفكار والعقائد
كبيرا ، حين لا تكون منبثقة من أعماقنا كما لو كانت بغير إرادة منا حين لا تكون هي
ذاتها أحب إلينا من ذواتنا !.
إن الفرح الصافي
هو الثمرة الطبيعية لأن نرى أفكارنا وعقائدنا ملكا للآخرين ونحن بعد أحياء ، إن مجرد تصورنا
لها أنها ستصبح – ولو بعد مفارقتنا لوجه هذه الأرض – زادا للآخرين وريا ، ليكفي أن
تفيض قلوبا بالرضا والسعادة والاطمئنان !.
(( التجار ))
وحدهم هم الذين يحرصون على (( العلاقات التجارية )) لبضائعهم كي لا يستغلها الآخرون
ويسلبوهم حقهم من الربح أما المفكرون وأصحاب العقائد فكل سعادتهم في أن يتقاسم
الناس أفكارهم وعقائدهم ويؤمنوا بها إلى حد أن ينسبوها لأنفسهم لا إلى أصحابها الأولين
!.
إنهم لا يعتقدون
أنهم (( أصحاب )) هذه الأفكار والعقائد ، وإنما هم مجرد
(( بسطاء )) في نقلها وترجمتها .. إنهم يحسون أن النبع الذي يستمدون منه ليس من خلقهم ، ولا من صنع أيديهم . وكل فرحهم المقدس ، إنما هو ثمرة اطمئنانهم إلى أنهم على اتصال بهذا النبع
الأصيل !…
************
دَور
أَعْلَـمُ
أنَّ
القافيَـةْ
لا
تستَطيعُ
وَحْـدَها
إسقـاطَ
عَرْشِ
الطّا
غيَـةْ
لكنّني
أدبُـغُ
جِلْـدَهُ