أحكمت
الولايات المتحدة صياغة رؤيتها للنظام الدولي الجديد في الوثيقة التي قدمتها إدارة
بوش إلى الكونغرس تحت مسمى استراتيجية الأمن القومي. وبالرغم من أن المفاهيم
والأفكار التي تضمنتها الوثيقة قد عبر عنها الرئيس الأمريكي في مناسبات مختلفة،
وصرحت بها الممارسات الأمريكية على مدار السنة التي انقضت منذ أحداث سبتمبر، إلا
أن الاستراتيجية نسجتها في رؤية واضحة وشاملة. ولم تجعل الإدارة الأمريكية دريئة
دون بواعثها، أو تتخذ جنة تستر مراميها ومقاصدها. فقد أعلنت في مقدمة استراتيجيتها
أن ( الولايات المتحدة تمتلك قوة ونفوذا لم يسبقها ولا يضاهيها مثيل ). وهي ترى في
ذلك ( وقت الفرص لأمريكا )، وتعد بأنها ( ستعمل لتحويل البرهة من التأثير إلى عقود
من السلام، والازدهار والحرية ). ومع ذلك فالولايات المتحدة حرصت على أن لا تترك
للسامعين والقارئين حرية استنتاج المعاني واستخراج الدلالات لجوهر عملها، فقد أكدت
أن استراتيجيتها ( ستقوم على أساس علاقات دولية أمريكية الطابع تعبر عن ائتلاف
قيمنا ومصالحنا القومية ). فهي استراتيجية تستفرغ الهيمنة وتتعرق التسلط، وتريد أن
تبلغ من العالم ما لم يسبقها إليه أحد.
فإذا كان
هذا مراد الولايات المتحدة ومقصدها، فما سبيلها إلى ذلك؟ ولا تمسك الاستراتيجية عن
بيان تصورها للمجتمع الدولي وعن تقرير كيف ستحتال لكي تجري أموره على نحو يقوده
إلى أهدافها ويديره على غرار ما يحقق رؤيتها. ومن ثنايا الاستراتيجية تبرز خمسة
أركان أساسية ترى أمريكا أنها سترشد المجتمع الدولي في سعيه للتعاون، وتحكم
البلدان في نشاطها الاقتصادي، وفي عملها السياسي والثقافي، وفي فعلها العسكري. ومن
يتثاقل من البلدان عن الالتزام بها، أو يطوي كشحه عن مقتضياتها، فله مسميات سيوسم
بها، من المروق والإرهاب وغيرهما.
وأول أركان
النظام الدولي الجديد، هو سيادة مبدأ رجحان القوة لا توازنها. والولايات المتحدة
تؤكد أن لا نظير لقوتها في الماضي أو في الحاضر، وهي تقسم أنها ستبقى كذلك، ولن
تسمح لأحد لأن يجاريها ( إن إمكانياتنا العسكرية ستكون من القوة بحيث أنها ستثبط
الخصوم المحتملين من السعي نحو بناء قوة عسكرية بأمل تجاوز أو معادلة قوة الولايات
المتحدة ). وهي لا تطلق الكلام جزافا، بل بدأت فعلا باتخاذ الإجراءات المؤدية إلى
ذلك. وأكثر هذه الإجراءات خطرا، هو برنامج الصواريخ الدفاعية، الذي سيمكن الولايات
المتحدة من أن تدمر أي صاروخ للخصم قبل انطلاقه أو خلاله. حينذاك ستكون قوى أسلحة
الدمار الشامل التي يملكها الآخرون بالية. وثاني هذه الإجراءات، نشر قواعد عسكرية
( داخل أوروبا الغربية وشمالي غرب آسيا وخارجها ) حتى تلقي الرعب في نفوس الدول
الصغيرة، وتحيط الكبيرة بقواعد على أبوابها، تتنصت عليها وتراقب كل صغيرة وكبيرة
فيها. أما النوع الثالث من الإجراءات، فيقوم على وأد التقدم التقاني في البلدان
الصغيرة والكبيرة على حد سواء، تحت ذريعة مواجهة انتشار أسلحة الدمار الشامل.
والضرر الذي يلحق البلدان المنافسة لأمريكا من هذه السياسة كبير لأن صادراتها من
السلاح يمكنها من استرداد بعض كلف البحث والتطوير. وحينما تعجز البلدان المنافسة
عن إيجاد أماكن للتصدير إليها تضعف قدراتها العسكرية والتقانية. وحينما نقرن ذلك
بإنفاق عسكري أمريكي ضخم متزايد باستمرار يعادل الآن الإنفاق العسكري للبلدان
الثمانية التي تلي أمريكا، ندرك تماما حجم الفجوة القائمة، والأخطر تواصل اتساعها.
فالحملة
الأمريكية ضد روسيا والصين لأنهما يصدران التقانة إلى بلدان تصفها أمريكا
بالمارقة، هدفها الأساسي إعاقة النمو والتقدم العسكري فيهما. فروسيا والصين لن
يصدرا أحدث تقانتهما إلى الآخرين، لكن ما يبيعانه يمكنانهما من تمويل أبحاثهما
التقانية المتقدمة، وهذا ما لا تريده الولايات المتحدة. وحينما تتوقف البلدان
المنافسة عن سعيها لموازنة القوة العسكرية الأمريكية تصبح الهيمنة الأمريكية على
العالم مطلقة.
وينبع
الركن الثاني للنظام الدولي الجديد من الأول. فقد كان توازن القوى الذي ساد خلال
الحرب الباردة مؤسسا لمفهوم الردع المتبادل، أي لا يمكن لبلد يملك أسلحة الدمار
الشامل أن يبدأ حربا على آخر يملكها وينجو من الدمار. لكن رجحان القوة الذي تتبناه
الاستراتيجية يسعى لأن يحقق وضعا يعصم الولايات المتحدة من خطر الردع المتبادل،
ويخلق حالة تدرك فيها البلدان جميعا أنها لن تستطيع إلحاق الدمار بالولايات
المتحدة. ويؤسس هذا الوضع لمفهوم الحرب الوقائية، الذي في حقيقته يهدف إلى تجفيف
منابع القوة للبلدان المنافسة. فحينما تتمكن الولايات المتحدة بحروبها الصغيرة من
الهيمنة على معظم بلدان العالم بسبب الحرب أو الخشية منها، تصبح البلدان المنافسة
جزرا معزولة. حينذاك سيسهل على الولايات المتحدة أن تلجم قوتها العسكرية وطاقتها
التقانية. وهذا ما تسعى إليه الاستراتيجية الأمريكية حينما تؤكد أن الدور الأساسي
لقوتها العسكرية يكمن في ( بناء ومواصلة دفاع يمتنع على التحدي ).
لكن مفهوم
الحرب الوقائية يتناقض مع القانون الدولي والأعراف الدولية السائدة، مما يصعب
المهمة الأمريكية في غزو العالم. وقد فرض هذا على النخبة الأمريكية أن تفعل شيئا،
إما أن تحافظ على ما أسسته نفسها بعد الحرب العالمية الثانية من قواعد ومبادئ
دولية، أو أن تنبذها. وقد حسمت النخبة أمرها. فهي لا ترى حياة للنظام الدولي
القائم. لكنها تختلف في كيفية الانتقال من القديم إلى الجديد. فالواقعيون
الإيديولوجيون يرون أن طرح القديم لا يحتاج إلى تزيين، بل قطع وبتر. ولا يستطيع
العالم أن يفعل شيئا. لكن الواقعيين المصلحيين يرون أن كل جديد ينشأ في رحم
القديم. وأن الخروج عن هذا المسار حث للمعارضين لأن يأتلفوا وأن يشددوا معارضتهم
للنهج الأمريكي. فهم يرون أن هناك جسرا، من المقايضات والمساومات والرشوات
والتهديدات، بين القديم والجديد لا بد من عبوره. فالخطوة الأولى، تتركز في تحويل
الأمم المتحدة من أداة للإرادة الدولية، التي كانت ترجح فيها الإرادة الأمريكية،
إلى ،آلية للسياسات الأمريكية. وقد كان ذلك واضحا في تهديد الرئيس الأمريكي المبطن
للأمم المتحدة كي تصلح نفسها كما فعلت اليونسكو حتى يعتد بها. والرئيس الأمريكي لم
يخاطب العالم في هذه الفقرة وإنما خاطب الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن. وهذا ما
تؤكده الاستراتيجية الأمريكية بقولها ( سنسعى للاستعانة بتأييد المجتمع الدولي،
لكننا لن نتردد في التصرف وحدنا عند الضرورة....).
فالركن
الثالث في الاستراتيجية الأمريكية إذن هو تغيير قواعد العمل في الأمم المتحدة
تدريجيا، أي بخلق الواقع ابتداء ثم تقنينه أخيرا. وهذه مرحلة بدأت تتكشف بعض
معالمها، كما نشاهد في موضوع محكمة الجنايات الدولية، حيث تفرض أمريكا على العالم
استثنائها من أحكامها. وكما حصل أيضا في اتفاقية كيوتو واتفاقيات أخرى. ولأن
الولايات المتحدة تريد أن تفرض هيمنة على العالم بأقل قدر من الكلف، فهي تغري
البلدان المنافسة بأدوار إقليمية وعالمية. وأفضل مثال على ذلك ما تراه من دور
لليابان، حيث أنها تتطلع إلى اليابان ( لتستمر في بناء دور ريادي في الشؤون
الإقليمية والعالمية مبنيا على أساس مصالحنا المشتركة، وقيمنا المشتركة،
وتعاوننا العسكري والدبلوماسي الوثيق ). فالدول المنافسة حتى يسمح لها بدور
إقليمي أو دولي في عالم تهيمن عليه أمريكا ينبغي أن تتصرف وفق المصالح والقيم
والأهداف الأمريكية. فضمير نحن في القيم والمصالح مجاز عن الذات الأمريكية. وهذا
هو الركن الرابع، أن يكون للولايات المتحدة عمال إقليميون يساعدونها في إدارة
العالم. وهذا المعنى تشي به الاستراتيجية بالنسبة لأوروبا وروسيا والصين.
أما الركن
الخامس للاستراتيجية الأمريكية، فهو تأكيدها الضمني بأن الليبرالية الاقتصادية
والحكومة التمثيلية " الديمقراطية " هما نهاية التاريخ ( لأنهما أفضل
الأسس للاستقرار الداخلي والنظام الدولي ). ولأنهما كذلك فإن الولايات المتحدة ترى
أن مصلحة البلدان وسعادتها تقتضي فرضهما عليها، وذلك بأن تقوم أمريكا ( بالعمل
الفعال لجلب آمال الديمقراطية والتنمية والأسواق الحرة والتجارة الحرة إلى كل
زاوية في العالم ). ففي نظر الاستراتيجية الأمريكية أن الليبرالية الغربية إن سادت
في بلدان العالم فستصحرها حتى لا يجد الإرهاب فيها ظروفا مناسبة للإنبات. غير أن
الولايات المتحدة لن تكتفي بترويج سلعتها وتقنع البلدان بصلاحيتها، وإنما ستشمر عن
ساعد الجد حتى تساعدها ( في بناء قوات شرطتها، وأنظمة محاكمها، وقوانينها،
ومؤسساتها المحلية والجهوية، وأنظمة انتخاباتها ). أي أنها ستصيغ البلدان على مثال
ما تهوى. ولأن الولايات المتحدة تؤمن بحرية الرأي فإنها ( حين نزاول قيادتنا،
فإننا سنحترم قيم وأراء ومصالح شركائنا وأصدقائنا )، إلا أن حرية العمل التي تترتب
على حرية الرأي شيء آخر. فأمريكا ( مستعدة لأن تعمل وحدها حينما تستدعي مصالحنا
ومسؤولياتنا الفريدة ).
وحينما
نعلم ما فعلته أمريكا ببلدان آسيا وأمريكا اللاتينية وإفريقيا سياسيا وعسكريا
واقتصاديا حينما كانت تلجمها متطلبات التوازن واستراتيجية الردع المتبادل، فلنا أن
نتخيل فقط شكل جنتها الموعودة حينما تنطلق من عقالها، ولا يستطيع أحد عقرها. لكن
سنة الله في خلقه التدافع، وسيولد هذا السيل العارم موجات المقاومة التي توقفه.
*الرئيس السابق
لبعثة الجامعة العربية إلى واشنطن