وكسرنا حظر التجول
بقلم
: ربيحة علان علان
كثيرا
ما كانت تقال عبارة "نحن شعب يتأقلم مع كل ظرف " ؛ كانت تقال للمدح
أحيانا وللذم أكثر .. وكنت أسمعها قبل أشهر تتردد كثيرا على شفاه المارة على الطرق
الجبلية والحواجز الشاقة خاصة وهم يعجبون من حال أصحاب السيارات الذين ما تركوا
طريقا وعرا أو سهلا إلا وشقوه للمرور بنا
، بسياراتهم التي أصبحت أشبه
بكومة صفيح مغطاة بالأتربة .. "نحن شعب يتأقلم مع كل ظرف" كان يقولها
المارة وهم يتأملون بعض الشبان الذين تحولوا إلى باعة متجولين على الحواجز وفي
الجبال بعد أن فقدوا مصدر دخلهم .. يفترشون جانبا من الطرق والمفارق ليعرضوا بضاعة
زهيدة بثمن أكثر زهدا .. ونحن شعب يتأقلم مع كل ظرف .. كانت عبارة نقد يتبادلها
الموظفون والعمال وهم يشقون طريقهم في أيام
صعوبتها لا تتوقف على الطريق المقطوع ...
اليوم ندخل عاما آخر منتفظين .. بعد عامين
أصبحت عبارة :" نحن شعب يتأقلم مع كل ظرف " في غير مكانها ولا زمانها
... إن الذي يفرضه علينا الصهاينة
عصي على التطبيق ؛ محال التأقلم معه ..
لم يبقى جبل تسلكه سيارة إلا وحاصروه .. لم نعد نشهد وجود الباعة كما في
السابق على الحواجز لان الحواجز لم تعد تصمد لساعات إلا وأغلقت بعنف .. إن مفارق
الطرق أصبحت أشبه بساحة حرب كبرى ما تكاد تهدأ لساعة أو أقل لتعود للاشتعال مرة
أخرى .. ما عاد بمقدورنا التوجه إلى أعمالنا ولا الطلبة إلا مدارسهم .. منع التجول
متواصل وعنيف.. ضيقوا علينا نشاطنا اليومي البسيط إلى حدود لا يمكن لكائن حيّ أن
يحتمله .. انتهى مخزون التأقلم عندنا ؛ ما عاد هناك ما يمكن التأقلم معه بعد أن
وصل الضيق النفسي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي إلى حدوده النهائية .. ربما بقي
شيء واحد أمام الصهاينة لعمله
؛ أن يجمعوا كل ما في الجو
من هواء ثم يعطونا منه وفق أهوائهم ..
اليوم
أصبح لسان حال الناس هنا :" نحن شعب لم يعد أمامنا من خيار إلا أن نخرق كل
ظرف .. نتحدى كل ظرف .. مهما كان الثمن " .. انه ليس استهانة بالثمن ؛ لكن
.. في زمن احتكار الكرامة
والإنسانية وندرتها يصبح أي ثمن للحصول عليها رخيص ..
"عليكم
أن تأتوا غدا إلى المدرسة وتحت أي ظرف وإن كان حظر للتجول .. ارتدوا ما شئتم من
ثياب ولكن لتكن معكم حقائبكم .. اسلكوا الطرق والأزقة خلسة وتعالوا إلى المدرسة ..
إن كان إطلاق نار كثيف فانتظروا قليلا ثم تعالوا إلى المدرسة .." .. هذه كانت
عبارات وجهناها لطلبتنا فما عدنا ولا عادوا يحتملوا مزيدا من الإذلال والاستهانة
بأبسط حقوقنا وهي تعليم أطفالنا .. استقبل الطلبة الخبر برضى وحماس .. وفي يوم
الخميس 26 – 9 – 2002م دخلت رام الله متوجهة إلى المدرسة برغم فرض نظام حظر التجول
عليها وكذلك توجه الطلبة .. كلّ من استطاع من الطلبة الوصول إلى المدرسة وصل..
كانت أعداد الطلبة في كل فصل دراسي فوق النصف وغالبا أكثر من ثلثي الطلبة ..
والشيء الأكثر تشجيعا أن الطلبة يتصرفون داخل الفصل الدراسي بقدر عالي من الجدية
والنظام ويقومون بتحضير دروسهم وأداء النشاطات المرفقة بحماس وتنافس ..
وليس
الطلبة فقط من كسروا نظام حظر التجول بل هناك العديد من الموظفين يتوجهون إلى مؤسساتهم للعمل يوميا وهم
يستقلون أحيانا سيارات الإسعاف أو سيارات عمومية مغامرة أو يسيرون على الأقدام إلى
أماكن عملهم .. وتجري في رام الله
العديد من المسيرات إبان حظر التجول ومنها مسيرة الأطباء وطاقم الإسعاف
الطبي التي توجهت نحو مقر المقاطعة في رام الله 26-9 . ومسيرات قرع الأطباق
والأواني ليليا ..
في
يوم السبت 28-9-2002م توجه الطلبة والموظفون إلى أعمالهم كالمعتاد برغم تشديد نظام
حظر التجول .. كانت المواصلات أشد صعوبة وتواجد الجيش أكثر كثافة .. وكنا ننتقل من زقاق إلى آخر مستعينين
بصراخ ونداءات وتوجيهات أشخاص يرقبون الطرق من شرفات بيوتهم فيرشدون المارة
ويحذرونهم من مناطق تواجد المجنزرات والجيش ؛ لكن الأمر لم يخلوا من إطلاق النار
على السيارات والمارة ومن توقيف الشبان أمام فوهات المجنزرات ..
عندما
تسير تحت نظام منع التجول الصهيوني الخبيث فأنت عرضة لإطلاق النار عليك والقتل
بسبب " شرعي" ؛ وهو أنك كسرت نظام منع التجول .. وعندما يستهلكون
بنظامهم ما تبقى من إنسانيتك فسترى أنه لا خيار لديك إلا كسر نظامهم ...