كلٌ خـُـلق لما هو أهلٌ له

 

بقلـم : محمـود شنب

mahmoud.sh@islamway.net

mahmoudshanap@yahoo.com

 

 

الخائن يُسَخر كل ذكاءه ومقدرته وامكانياته فى سبك خيانته ، والخادم يقبل ـ بحجة لقمة العيش ـ خدمة أسياده الطغاة حتى فى قبول الحرام وفعله ، والحاكم يقبل الذل والعار وخيانة وطنه ودينه وأهله فى مقابل بقاء كرسى الحكم ... كل خلق لما هو أهل له ..

والآن يقف العالم كله على أصابعه فى انتظار لحظة انقضاض أمريكا على العراق ـ ولا أقول أمريكا وبريطانيا لأن بريطانيا على حد تعبير عمدة لندن أصبحت فى عهد "بلير" كالكلب الصغير الذى يتبع أمريكا أينما ذهبت .. أقول يقف العالم كله على أصابعه ، وكل يبحث عن مصلحته فى هذه الحرب وكيف يخرج منها بأقل الخسائر ... إلا نحن !!

تستعد أمريكا ليل نهار لتنفيذ ضربة ساحقة ماحقة للعراق ، وتحاول دول أوربا منع ذلك على قدر ما يسمح به هامش الحرية الذى يحول بينها وبين التصادم مع أمريكا ، والدول العربية فى مجملها تقف على الحياد متفرجة وكأن الأمر لا يعنيها ، ويتحرك قادتها ـ من باب الكسوف ـ حركات لا تثمر ولا تغنى من جوع .. اجتماعات ثنائية وثلاثية وذهاب وعودة وتشاور ومباحثات دون أى نتائج ، ودول أوربا تريد مساعدة الضحية وتقف إلى جوار الدول العربية ليس محبة فينا وانما خوفـًا من السيطرة الأمريكية وبسط نفوذها على بترول المنطقة ، وهى تفعل ذلك ولا تجد من الدول العربية ما يساعدها ، وتقف ما بين الشاه والجزار وتأبى الشاه إلا أن تـُذبح وتذهب بأرجلها إلى قاتلها ، وأهل الشاه يتفرجون !!

إن العالم كله يتعجب على الموقف العربى ويسخر من حكامه ، وهم الآن بصدد تصنيفنا واخراجنا من العالم الثالث إلى الثالث عشر ، ووضع الصومال وارتيريا فى مرتبة تسبقنا .

وليبحث كل منا عن حاكمه .. أين هو الآن ؟!!

وليسأل كل منا .. ما الذى يشغل الحكام العرب اليوم ؟!!

... يشغلهم أمران لا ثالث لهما :

1.    كيف يسيطر كل حاكم على شعبه إذا ما أقدمت أمريكا على ضرب العراق !!

2.    تجهيز "الجزيه" التى سيشارك بها فى إعمار ما أحدثه القصف الأمريكى !!

وأقول "الجزيه" ولا أقول المساهمة أو المساعدة لأذكر الحكام بأن الجزيه كانت فيما سبق أيام نهضة الإسلام تدفع لنا من الكفار وهم صاغرون وأذلاء مقابل تمتعهم بالأمن الذى يوفره لهم الإسلام .. الآن ندفع نحن الجزيه للكفار ونحن صاغرين مقابل البقاء على كرسى "أو خازوق" الحكم !!

إن للكرامة رجال ، وللوضاعة أندال ، ولا يفرق بين الفعل والفعل إلا الإيمان بالله وليس الإيمان بأمريكا ..

لدى حكامنا قناعة لا تقبل الشرك بأن أمريكا هى كل شئ .. لديهم قناعة كاملة بأنها هى التى تعز وتذل وترزق وتمنع وتحيى وتميت وبيدها الأمر كله ... من هنا .. ومن هنا فقط علينا محاربة الحكام وخلعهم وليس مهادنتهم أو سبهم ..

حان الآن موعد الإعمار ... إعمار النفوس .. وإعمار الدين .. وإعمار الشريعة .. وإعمار الولاء لله والبراء من الشياطين حتى لو كانوا حكام المسلمين .

إن لنا دين غير الدين الذى يلهو به "بوش" ولنا ميزان وضعه لنا العادل من فوق سبع سموات وقال تعالى (( والسماء رفعها ووضع الميزان ـ ألا تطغوا فى الميزان ـ وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان .. )) ... هذا الميزان قائم بالقسط ، ولـه كفتان : كفة تمثل الحق ، وكفة تمثل المرجع .. الحق هو حقى وحقك ، والمرجع هو ما أنزله الله وارتضاه لعباده لتستقيم به الأمور وتزدهر الحياة .. ميزان له كفتان ، وليس كفة واحدة كالذى يحمله "بوش" !!

وعلى قدر الميزان كان التكليف والتكليف يلزمه عقل سليم يأبى أن يسير خلف معتوه ومجنون سُـلبت منه الحكمة التى عشنا بها ... وسلب منه الشرف الذى أبقانا كعرب ومسلمين ورفع قدرنا بين الخلائق والأمم !!

لنا تاريخ عظيم لا يمكن طمس معالمه ، ولا يمكن أن نصبح مثل أمريكا دولة بلا تاريخ تفرض حاضرًا أسود لا يحمل للبشرية إلا العبودية من خلال القتل والدمار !!

إلى متى نسير خلف معتوه فقد البصر والبصيرة ، وحُرم الشرف والأمانة ؟!!

إن لغتنا العربية تلقب الحاكم المسلم بـ "أمير المؤمنين" وتدل على الحاكم الذى يسير خلف "الأمريكان" بأن "أمره كان" أو "أمرى .. كان" .

فهل ينقصنا البيان أم الميزان أم السلطان ؟!!

وكيف اخترنا طريق الخسران وسلكنا دروب الغرب شبرًا بشبر وذراعًا بذراع إلى أن بلغنا "جحر ضب" واكتسبنا منه الروائح النتنة والظلمة الدامسة !!

إن الشعوب العربية والإسلامية فى هذه الأيام نصفها يُضرب والنصف الآخر يتفرج ، وبعد الفرجة يدفع المتفرج ثمن فرجته على أخيه المسلم فى صورة إعمار ما خلفه القصف الأمريكى من دمار ، وأصبح حكامنا على درجة "عمال نظافة" فى السفارات الأمريكية ـ كل مهمتهم إزالة ركام الهدم وبقايا الحطام ـ تابعين البلطجى الأمريكى أينما سار ليسددوا فاتورة العار ويداروا عوراته حتى لو كشفت عوراتهم ، ويلطفوا أفعاله بسوء أفعالهم .

إن من يفسد شئ عليه اصلاحه ، ومن يهدم بنيان عليه اقامته ، فكيف يكون على الضحية الإعمار ؟!!    وإذا كان الفاعل باغى وطاغى وكل مهمته تتلخص فى الهدم والدمار فيجب ألا يكون على الضحية مهمة الإعمار ... وإلا سنصبح مع الأيام كمن يجفف ماء صنبور تالف دون أن يصلحه ، فلن يتوقف الصنبور عن دفع المياه ولن يتوقف المجفف عن الخدمة ومسح البلاط .

دمرت فلسطين مائة مرة .. وأعمرناها ، ودمرت لبنان .. وأعمرناها ، ودمرت الصومال والسودان والعراق وأفغانستان والشيشان والبوسنة وغيرهم .. وما لم يعمر منهم يرجع لعدم موافقة المقاول الأمريكى على الاعمار توغلاً فى الانتقام واستمرارًا فى البغى والعدوان طالما لم تتحقق أهدافه !!

أتمنى لو شـُـكل مجلس أعلى إسلامى لبحث : كم أنفقنا فى إعمار الخراب الأمريكى ، وكم أنفقنا من أجل مراضاة البلطجى الأمريكى ؟؟

يلزمنا على وجه السرعة من يوقف نزيف الاستغلال وتبديد الأموال .. لماذا لا تكون لنا وقفة لصيانة مواردنا التى أوشكت على النفاد ، ولماذا لا نعمر إلا لمن ترضى أمريكا عنه ؟؟     والدليل ماثل أمام أعيننا ، فالعراق مدمر منذ أكثر من اثنى عشر عامًا ولا أحد يجرؤ على إعماره طالما استمر الغضب الأمريكى عليه !!

هل نحن بلهاء .. أم قوم سذج ؟؟      إن الأموال التى تنفق إرضاءً للسيد الأمريكى ليست أموال الأمراء أو الرؤساء إنها أموالنا ـ أموال شعب أهلكه القهر وأقعده المرض وأذلته البطالة .

إلى متى نظل نسير خلف الأسد الأمريكى مثلما تسير أنثاه الملقبة بالـ "......." ؟!!

إلى متى سنظل نجفف الدماء ولا نحطم المفرمة ؟!!

إلى متى الضعف والهوان والتردى والانكسار ؟!!

إن إعمار ما تفسده أمريكا ليس عملاً من أعمال الخير ، لأننا نساعد الباغى على بغيه ـ بل هو عمل من عمل الشيطان ، وليس فيه أجر ولو صلى صاحبه وصام ولو حج البيت أو اعتمر ولو زكى وجاهد بماله ونفسه ، والمثل يقول : "بدلاً من أن تعطنى سمكة .. علمنى الصيد" ... علينا قبل أن نبنى البيت الذى هدمته أمريكا امداد صاحب البيت بالسلاح الذى يمكنه من المحافظة على بيته وعرضه ـ فما بالنا ونحن اليوم نجرد العراق ـ صاحب البيت ـ من سلاحه !!

إن الاصلاح على من أفسد والبناء على من دمر ناهيك عن التعويضات التى شطبناها من مباحثات الذل .. تعويضات بترول وثروات سيناء ، وتعويضات مدن القناة .. بيوت ومصانع وشوارع ، وتعويضات أسرى الحرب الذين دفنوا أحياء ... إنهم يعربدون ونحن ندفع الثمن مجبرون لا من جيوب العملاء والحكام ولكن من خزينة المملكة والامارة والجمهورية والسلطنة ، ومثلما يقول المثل الشعبى : "من دقنه وافتل له" !!

إن أمريكا جرب وطاعون يجب أن نتبرأ منه ونبعد عنه ـ إنها تقتل المقاوم ، وتستنزف الخائف ، وتسرق المتفرج ، تضرب أفضل من فينا لحسابها ، وتعمر بأقذر من فينا .. أيضًا لحسابها .

جعلت من بطوننا ميادين لتطوير أسلحتها واختبار قدراتها .. زرعت الأرض أحزان وألغام ، ونشرت الخراب فى كل مكان ، ومن يفلت من القصف لا يفلت من الاعاقة أو اليتم أو التشرد .

وفى كل حرب تشنها نفتح شهيتها للقتل بتبرير حروبها أمام شعوبنا المقهورة ، فنطلق على حرب تدمير العراق : حرب تحرير الكويت ، ونطلق على حرب الابادة فى أفغانستان : الحرب ضد الإرهاب ، ثم ندعى أن هذه الدولة تحتضن الارهاب .. والأخرى تموله .. وتلك تسانده ... وإعلامنا يأخذ تعليماته رأسًا من واشنطن دون حتى المرور على الحكام .

وأثناء الضرب .. نرتب الأوضاع فى بلادنا من أجل الاعمار ، وحساب ما علينا من قبل أن يطلب منا حتى لا نتهم بأننا نماطل أو نتهرب .. فيغضب القاتل ويزمجر الظالم !!

يا حكام العرب .. عليكم أن تحلقوا شواربكم مثلما أجبرتم شعوبكم على حلق اللحى ، فلا يصح أن يترك شارب على أنثى الأسد ، ولا يصح أن تأخذوا صفات الرجال وأنتم أشباه النساء .

إننى كفرد أرى اليوم فى وجه حاكمى ظلمة لم أراها فيه من قبل ، وأرى فيه ملامح وجه ما عاد يبتسم إلا للأعداء ، وأرى حولـه جمع سوء أصدق من فيهم كاذب وأطهر من فيهم منافق ... أصبحت أستحى وأنا أسمع عن الحكام العرب أنهم ليسوا حكام لكنهم مناديب صرف للمنح والقروض ... أصبحت أضع وجهى بين كفى وأنا أسمع أن أكثرهم نزاهة يشبه التليفون "أبو عُملة" الذى لا يعمل إلا بالنقود !!

أصبحت أتألم من ذلك وأتألم أكثر وأنا أراهم يتمسكون بالحدود المصطنعة بين بلادنا أكثر مما يتمسكون بحدود الكرامة التى تفصل بينهم وبين أمريكا وكأن لسان حالهم يقول "لا كرامة بين الزوجة وزوجها" .

أصبحت أشعر بالخزى بدلاً من أشعر بالفخر لكونى محكوم بتلك النخبة المزيفة ...

أصبحت فى ذهول وأنا أسمع النكات عن الحكام .. النكتة تلو النكتة !!

يقولون فى احدى النكات : ( عادت الطائرة إلى أرض الوطن وكان على متنها رئيس عربى ولاعب كرة قدم وراقصة ، فقدوا جميعهم جوازات السفر وأوراق الهوية فقال اللاعب أنا فلان الفلانى اللاعب المعروف .. قالوا وما الذى يثبت ذلك .. قال أمدونى بكرة وأنا أثبت ذلك ، وبالفعل أثبت ذلك ودخل البلاد ... وجىء بالراقصة وقالت أنا الفنانة فلانة ملكة الرقص الشرقى يهتز الجميع إذا اهتز وسطى .. فقالوا وما الذى يثبت ذلك ، فقدمت وصلة رقص أثبتت من خلالها شخصيتها ودخلت البلاد ... وجىء بالرئيس فقال أنا فلان حاكم البلاد .. قالوا ومن أدرانا ؟؟     افعل أى شئ يثبت صدق ما تدعى .. قال : أنا لا أفعل شئ .. قالوا صدقت أنت الحاكم ) !!

صدقونى ...

يوم نتخلص من الحكام .. سنتخلص من كل العار ، وسنحول الأسد الأمريكى إلى فأر ، وستعود للإسلام عزته وقوته .. وتعود للإنسان حريته وكرامته .