لقطات من أعراض الجنون علي جانبي الاطلسي

 

بقلم : د. عبدالوهاب الافندي

 

كانت الساعة الثامنة تماما صباح الثلاثاء الماضي وكنت في السيارة في طريقي الي المطار حين اذاعت الحكومة البريطانية ملفها الذي طال انتظاره حول خبايا التسليح العراقي المزعوم، وبعد ان اوردت الاذاعة تفاصيل الملف استضافت المحطة احد مؤيدي رئيس الوزراء البريطاني توني بلير واحد منتقديه لتقييم التقرير. وقد اجمع كلاهما علي ان التقرير لم يحو جديدا وانه لا يكفي لاقناع من لم يقتنع سلفا بحملة امريكا ضد العراق.

وفي مساء نفس اليوم كنت في العاصمة الامريكية واشنطن، حيث تابعت عند منتصف الليل برنامجا خاصا في محطة اي بي سي ABC استضاف ايضا الكثير من المعلقين من علي جانبي الاطلسي، ووصل الي نفس النتيجة، وهي ان التقرير لم يحو جديدا، وان ما ورد فيه وكل ما تذرعت به الحكومتان لا يبرر حملتهما علي العراق، واختتم التقرير بالقول إن رئيس وزراء بريطانيا ما يزال الزعيم الوحيد في العالم المؤيد للخط الامريكي الداعم للصدام مع العراق.

في صباح اليوم التالي تحدثت مع احد المطلعين علي بواطن الامور في واشنطن فأكد لي ان الادارة حسمت امرها للمواجهة مع العراق، وان الجناح المتشدد قد كسب الجولة، وان المسألة الان مسألة وقت ليس الا. وقد اكدت التطورات اللاحقة هذا التحليل، حيث ظهر ان الرئيس الامريكي عازم علي المضي في حملته رغم معارضة العالم كله، وان الادارة الامريكية ليست مستعدة لسماع اي صوت او الدخول في أي حوار مع معارضي خطها المتشدد.

وكان من مظاهر هذا التوجه الحملة المنظمة التي بدأت هذا الاسبوع لربط العراق بتنظيم القاعدة، وهي حملة لم تقنع حتي الاعلام الامريكي الذي اصبح مدجنا الي حد كبير. وحين واجه الصحافيون وزير الدفاع الامريكي دونالد رامسفيلد في مؤتمره الصحافي الخميس الماضي بشواهد هذه الحملة المدبرة، وخلو اتهامه من اي محتوي او دليل، احتد كعادته واوشك ان يفتك بالسائل.

ولم يكن الصحافيون الوحيدين الذين تعرضوا لشراسة الحملة الرسمية، بل سبقهم الي ذلك اعضاء الكونغرس من الديمقراطيين الذين اتهمهم الرئيس الامريكي بقلة الحرص علي امن المواطن الامريكي لانهم لم يجاروه في توجهه المندفع باتجاه الحرب. وقد انفجر زعماء الحزب الديمقراطي غضبا وردوا بعنف علي اتهامات الرئيس الذي اتهموه بدورهم بتسييس المسائل الامنية واستغلالها لاغراض حزبية ضيقة، وقد اكد هذا الاتهام ان الرئيس تفوه باتهاماته اثناء حملات انتخابية لدعم مرشحي الحزب الجمهوري في الكونغرس، وقد طغي هذا السجال الحاد علي الاخبار الامريكية خلال الايام الماضية، حيث طالب الديمقراطيون بوش بالاعتذار، وهو ما رفضه وان كان تراجع ضمنا عن اقواله حين اشاد بالكونغرس في بعض كلماته.

الرئيس بوش رد علي منتقديه داخل وخارج امريكا بالتأكيد علي انه هو المسؤول الاول عن أمن المواطن الامريكي، وانه سيواجه الاخطار التي تهدد هذا الأمن مهما كلف الامر.

واستشهد هو ووزير دفاعه باحداث الحادي عشر من ايلول (سبتمبر) التي فاجأت الجميع، معتبرا ذلك دليلا علي ان الانتظار للتأكد من الخطر ترف لا تسمح به الظروف، وقد تراوحت تبريرات وزير الدفاع لاعتزامه اخذ العراق بالظن بين هذه الحجة القائلة بان الانتظار حتي يقع المحذور تهور غير مبرر، وبين القول بان التقارير الاستخبارية غير كافية والزعم المتناقض بان الادارة لا تريد كشف كل اوراقها.

الاشكال هو ان الادارة الامريكية بتصميمها الاصولي علي تحدي العالم كله، واغلاق باب الحوار مع الحلفاء قبل الخصوم، تخلق حالة تعرض أمن امريكا لخطر مستمر ومدمر. واذا كانت الادارة في صدام حتي مع الكونغرس، فانها مع غيره أحري بان تكون في وارد الصدام. وفي تعليق نشرته (USA Today) يو اس اي تودي اتهمت اكاديمية مرموقة الرئيس بوش بأنه يقود الولايات المتحدة الي نفق مظلم ويعتمد الحكم بطريقة العصابات السرية.

ولكن ابسط واصدق تحليل للازمة الامريكية لم يأت من كبار الساسة والمعلقين، وانما من شابة صغيرة شاركت في برنامج حواري في التلفزيون، وقالت ردا علي الدعاوي الرسمية الامريكية حول تعاون القاعدة والعراق ان هذا التعاون مستحيل بسبب الخلاف العقائدي. واضافت الشابة تقول ان بن لادن يكره صدام حسين لانه يعتقد انه السبب في دخول القوات الامريكية الي الخليج وتدنيسها الاراضي المقدسة للمسلمين كما يقول. وقالت الفتاة ان ثلاثة ارباع مشاكلنا سببها وجودنا العسكري في الخليج، ولو انسحبنا الآن لزالت معظم هذه المشاكل.

ولعل هذه الفتاة اولي برئاسة الولايات المتحدة من بوش وبطانته. ولكن مداخلتها ايضا دليل مهم علي ان الدعاية الرسمية الامريكية الرسمية التي جندت لها كل موارد اقوي دولة في العالم لم تنطل حتي علي الصغار في امريكا نفسها.