لم تأخذ قضية استخدام اليورانيوم المنضب من
قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي ضد المواطنين الفلسطينيين العزّل، قسطها من الاهتمام
الدولي، سواء أكان ذلك على صعيد الحكومات أم المنظمات غير الحكومية الناشطة في
مجال السلاح النووي وحقوق الانسان. لقد ذهبت معظم المطالبات الفلسطينية المتكررة
من أجل إرسال لجان تفتيش للتحقق في هذه المسألة سدىً، لكن احدى هذه المطالبات
العبثية أنجبت وبعد عملية قيصرية نفذتها لجان العمل الصحي الاميركية، لجنة يتيمة قامت
بزيارة دامت ثلاثة أيام فقط للاراضي الفلسطينية. وحين فرغت اللجنة من عملها
وزياراتها الميدانية، بادر القائمون عليها بكتابة تقرير هزيل، لعله أشد هزالا من
تقرير الامم المتحدة عن جنين، برغم ان تقرير اللجنة جاء بعد زيارة ميدانية، لكن
الامر اللافت للانتباه، ان اللجنة رفضت نشر التقرير زاعمة أنها لم تتمكن من الوصول
الى نتائج ذات أهمية تذكر، وان لا ضرورة ملحة لنشر التقرير.
وحرصاً على معرفة الحقيقة، وإزالة الغموض
الذي اكتنف التقرير غير المنشور، فقد قامت منظمتنا بالاتصال بالسيد (هينك فان دير
كور)، وهو أحد أعضاء اللجنة ويعمل في اطار منظمة لاكا (LAKA) الهولندية الناشطة في المجال
النووي واليورانيوم لسؤاله عن حقيقة نتائج التقرير المذكور. يقول السيد فان دير
كور ان أعضاء اللجنة لم يتمكنوا من التوصل الى نتائج مهمة في الاراضي الفلسطينية.
وفي هذا السياق بادر السيد كور بتزويدنا بنسخة من التقرير، لنطلع بأنفسنا على
حقيقة ما يقول، مع تشديده على عدم النشر. وبعد إطلاعنا على التقرير كانت لنا
ملاحظات ومآخذ، نورد في ما يأتي بعضاً منها بشكل مختصر:
أولاً: التقرير الذي يقع في ثلاث عشرة صفحة
لا يمكن اعتماده كوثيقة علمية، لعدم اتباعه الاسلوب العلمي المتعارف عليه في كتابة
تقارير من هذا النوع، ولعدم تضمنه لأية احصائيات او جداول تبين نتائج فحص الاشعاع،
حتى وان كانت سلبية، بمعنى انها تنفي لانخفاضها وجود اي تلوث، الامر الذي كان
سيخدم، حتماً، مزاعم الفريق حول خلو المناطق الفلسطينية، التي تمّ فحصها، من اي
تلوث.
ثانياً: لم ترد في التقرير اية اشارة الى أخذ
عينات من المياه، لإجراء الفحوصات اللازمة للتأكد من عدم تلوثها. لكن ما تم إجراؤه
على ارض الواقع، اقتصر على قياس الاشعاع للتربة. وقد جاء ذلك رغم معرفة اعضاء
الفريق للحقيقة العلمية البسيطة التي اعترف بها حتى البنتاغون (الذي يرفض عادة
الخوض في التفاصيل المتعلقة باليورانيوم) وهي ان اليورانيوم المنضب يخلّف بعد
انفجاره أوكسيد اليورانيوم الذي يتطاير على شاكلة غبار لينتقل مع الرياح ليصل الى
التراب والماء.
ثالثاً: ذكر التقرير وصفاً لحالة عقيد
فلسطيني التقاه أحد اعضاء الفريق في مركز صحي تابع للسلطة الفلسطينية، وكانت حالته
كما وصفها التقرير مشابهة لأعراض يعاني منها جنود شاركوا في حرب الخليج والبلقان
على حد سواء، لكن اللجنة لم تقدّم بشيء يذكر بشأن التأكد من احتمال تعرض العقيد
الى اليورانيوم، خصوصا وانه كان قد ذكر للجنة ان حالته بدأت تسوء بشكل تدريجي، بعد
قيامه بزيارة ميدانية لموقع قصفته القوات الاسرائيلية، الى ان وصل الى حالته
المأساوية التي وجد عليها. يأتي هذا الإهمال من قبل الفريق فيما يخص حالة العقيد
(مصلح علي محمد عريقات) في الوقت الذي ذكر فيه التقرير ان جهاز فحص الاشعاع
المستخدم تمكن من رصد قراءات عالية تلوث لكن هذه القراءات تم إهمالها كما يقول
التقرير تارة لاحتمال تأثرها بالدخان المتصاعد من السيارات، ومن المباني المهدمة
تارة اخرى.
لذلك، واستنادا الى النقاط الآنفة الذكر
ونقاط اخرى لا تقل اهمية، فان تقرير اللجنة يعد دليلا صارخا على وجود خلل ما في
تركيبة اللجنة من جهة من حيث تقصيرها، في اجراء الفحوصات التي كلفت أساسا للقيام
بها في الاراضي الفلسطينية، هذا ان استبعدنا وجود ضغوط خارجية على أعضاء الفريق.
هذا من جهة، اما من الجهة الاخرى فلقد ذكرت
منظمة فيزي (VISIE)
الهولندية الناشطة في مجال السلاح النووي، مؤخرا ان مصدرا طبيا اردنيا أكد ان أحد
الجرحى الفلسطينيين الذين جيء بهم للعلاج في المستشفيات الاردنية، كان قد أصيب
بعيار ملوث باليورانيوم المنضب، الامر الذي يدفعنا الى التساؤل حول الكمية
والنوعية التي يتم استخدامها من قبل جيش الاحتلال في حملاته اليومية في الاراضي
المحتلة.
تطرح احتمالية استخدام اليورانيوم المنضب ضد
الفلسطينيين، تساؤلات عدة حول مدى منطقيتها، خاصة مع معرفتنا بأن آثار اليورانيوم
المدمرة لا بد وان تصل الى <<الشعب الاسرائيلي>> سواء أكان ذلك من
طريق الرياح او المياه. ولعلنا نستطيع حل هذه الاشكالية بالاستناد الى احتمال
استخدام هذه المادة بتركيز أخف فيما لو قورنت بتلك التي تم استخدامها ضد العراق
مثلا. حيث كان الهدف في العراق إحداث دمار شامل للبنية التحتية والمباني، خصوصا
وان القوات الاميركية لم تتمكن من غزو ارض العراق برا، بل اقتصرت على القصف الجوي
بالصواريخ والقذائف. لذلك فقد مثل استخدام اليورانيوم المنضب حينها، نظرا لقدرة
الاسلحة المشبعة بهذه المادة، على اختراق المباني والمنشآت والمصفحات وتدميرها
بشكل كلي، حلا تقنيا لتحقيق الهدف المرجو من القصف. اما في الاراضي الفلسطينية
المحتلة، فإن بإمكان الدبابات والجرافات الاسرائيلية ان تصل الى عقر دار ايّ كان،
وليصبح الهدف بذلك في متناول ايديهم ولن يتطلب هدمه سوى تفجير
<<محدود>> للموقع. لذلك فإن الخاصية التي يمتلكها اليورانيوم المنضب
من حيث قدرته على التدمير الشامل <<عن بعد>>، بتراكيزه العالية كانت
من <<ضروريات>> الحرب ضد العراق حينها، اما في الحرب التي يقودها
الجيش الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، فإن استخدام اليورانيوم بالتراكيز العالية تلك
لا مبرر أخلاقياً له.
فلقد كان الغرض من اختيار مادة اليورانيوم
المنضب في الحرب ضد العراق، تحقيق دمار شامل وإلحاق أكبر عدد من الضحايا وتهديم
البنية الصحية للمجتمع العراقي. أما في ما يخص الفلسطينيين فإن الهدف الاساسي
لاستخدام اليورانيوم كان ولا يزال ذا بعد ديمغرافي هام جدا لا يمكن إغفاله، كون
استخدامه بتراكيز عالية، لا يتسبب في سقوط نسب عالية جدا من المدنيين الفلسطينيين
نتيجة امراض السرطان او غيرها وحسب، بل سيطال حتما الجنود
و<<المدنيين>> من الجانب الاسرائيلي ايضا، وهي خسائر نوعية كبيرة لا
تستطيع اسرائيل تحمّلها.
ان اليورانيوم، اذا لم يتسبب بمرض قاتل
ومباشر، فانه سيؤدي على المدى القصير، ولا شك الى حالات اجهاض مستمرة لدى النساء،
ناهيك عن التشوهات الخلقية في الولادات، وهذا ما يعيدنا الى البعد الديموغرافي
للمسألة.
لكن حتى وإن استبعدنا الفكرة العنصرية
العرقية في السياسات الحربية، فإننا سنواجه بحقيقة اخرى وهي ان دول الاتحاد
الاوروبي والولايات المتحدة وبريطانيا كل على حدة <<ضحّت>>، ولا تزال
تفعل ذلك، ببعض جنودها في العراق والبلقان وأفغانستان، من أجل أهداف سياسية محددة،
فما بالكم، ونحن نتحدث عن اسرائيل، التي لطالما اشتهرت باستخدام أقذر الوسائل
للوصول الى أهدافها الصهيونية، وهي لن تبخل ببضع عشرات او مئات من جنودها من أجل
تحقيق هدفها في التصفية العرقية للفلسطينيين، مدركة بأن خسارة كهذه يمكن تعويضها
بجلب آلاف آخرين من يهود العالم، في إطار حملات جذب اليهود وما يتبعها من مغريات
<<للعودة>> الى اسرائيل.
مقررة منظمة <<أصوات ضد اليورانيوم
المنضب>> هولندا.