منع وقوع الحرب أصلاً قبل النظر في محاصرة تداعياتها

 

بقلم : د. بشير موسي نافع

 

ليس علي المرء إلا أن يقرأ وثيقة استراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة الأمريكية التي نشرتها الإدارة الأمريكية مؤخراً (والمتوفرة علي موقع الانترنت الخاص بالبيت الأبيض) ليدرك أبعاد السياسة الأمريكية تجاه العراق. إن طرحنا الأجزاء التي يبدو أنها صيغت لإرضاء الحلفاء الأوروبيين ومجموعة كولن باول في الإدارة جانباً، فإن ما يتبقي لابد أن يكون كافياً لإثارة الرعب والغضب في أنحاء العالم، وفي المنطقة العربية والإسلامية علي وجه الخصوص. تعبر وثيقة استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، في تبن واضح لأيديولوجية الهيمنة والعدوان التي يروج لها تيار المحافظين الجدد في إدارة بوش، عن تحول سياسي جوهري في توجهات جورج بوش الابن. لقد وصل بوش إلي السلطة بوعود لسحب الجزء الأكبر من القوات الأمريكية المتمركزة في مواقع مختلفة في العالم، والتوقف عن لعب دور البوليس الدولي، حتي في مواقع حفظ السلام، والانصباب علي تعزيز المصالح الأمريكية بدون اعتبار لتوجهات أيديولوجية معينة (مثل نشر الديمقراطية) أو الاتفاقات الدولية (مثل الاتفاقات حول البيئة أو الحد من التسلح). تؤكد الوثيقة الجديدة، التي ترسم معالم الاستراتيجية الحاكمة لسياسات إدارة بوش خلال العامين القادمين، سقوط تلك الوعود وتؤسس لنهج امبريالي، تدخلي، نشط عبر العالم كله.

تبدأ الوثيقة بالإشارة إلي الموقع الفريد الذي تحتله الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة، الموقع الذي تعززه القوة العسكرية الأمريكية الهائلة والوزن الاقتصادي الذي لا ينافس. وتؤكد علي أن الولايات المتحدة ستعمل علي مواجهة كل طامح للمنافسة أو المشاركة في قيادة الشأن العالمي. وهو بلا شك تهديد موجه ليس للعراق أو سورية أو إيران بل للصين وروسيا وأوروبا. ولا تخفي وثيقة إدارة بوش عزم واشنطن علي التصدي للتهديد، أو احتمالات التهديد، الذي قد يبرز من تيارات إرهابية أو الدول الساعية لامتلاك أسلحة الدمارالشامل (جميعها وليس العراق فقط)، وللتهديد المحتمل من الدول الفاشلة Failing States، وهو الاصطلاح المفضل للمحافظين الجدد في وصف كل الدول العربية تقريباً باعتبارها دولاً غير قادرة علي توفير الرفاه لشعوبها وتحولها بالتالي إلي مفرخات للعناصر الاسلامية الإرهابية. وتحذر الوثيقة الصين بشكل خاص من السعي للحصول علي تقنية عسكرية متقدمة. طبقاً للتوجه الأمريكي الجديد، فإن للعالم صورة واحدة ممكنة، تبني علي أساس من الديمقراطية والحريات واقتصاد السوق، وستستخدم الولايات المتحدة وسائل القوة والنفوذ لفرض هذه الصورة علي دول العالم المختلفة. (ولنا أن نتصور كيف يمكن أن تفتقد الدعوة إلي الديمقراطية أدني درجات الحرية والخيار الديمقراطي). وتعيد الوثيقة التوكيد علي ما أشار اليه بوش وأركان إدارته مراراً خلال الشهور القليلة الماضية من أن مبدأ الهجوم الاستباقي، الذي كان دائماً جزءاً لا يتجزأ من السياسة الخارجية الأمريكية، قد أصبح الخيار المؤسس لهذه السياسة.

أسس مجلس الأمن القومي الأمريكي مباشرة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عندما حسمت الولايات المتحدة أمرها ودخلت بشكل فعال ودائم إلي الساحة الدولية باعتبارها القوة القائدة للمعسكر الغربي. وبدخول مصطلح الأمن القومي إلي اللغة السياسية الأمريكية أصبح يدلل بشكل محدد لا علي الأمن الفعلي للولايات المتحدة داخل حدودها الجغرافية، بل علي سياستها الخارجية. بتبني هذه الاستراتيجية للأمن القومي، يكون الصراع داخل إدارة بوش قد حسم لصالح معسكر المحافظين الجدد الذي يعبر عنه ثلاثي نائب الرئيس، ووزير الدفاع، ونائب وزير الدفاع. لم يأت هذا التحول من فراغ، ولا من تدافع وجهات النظر وانتصار الأكثرية علي الأقلية داخل إدارة بوش، بل جاء أصلاً من خلال التوظيف الانتهازي للأبعاد الهائلة لأحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمبر). سلح الهجوم المدوي علي الولايات المتحدة من قبل القاعدة المحافظين الجدد بأدلة واقعية، دموية، لدعم وجهة النظر القائلة بأن علي أمريكا أن تلتزم سياسة هيمنة نشطة في العالم، وأن تداهم خصومها في عقر دارهم، وأن تعيد رسم العالم علي صورتها، وإلا كان مصيرها الانحدار التدريجي. في عرف هذه المجموعة الأيديولوجية، ليس ثمة من موقع ثابت للقوي الكبري، فهي إما أن تتحرك باستمرار لتعزيز سيطرتها وإما أن يدفعها خصومها إلي الانحدار. بالنسبة لهؤلاء، ستؤمن الولايات المتحدة قيادتها للعالم ليس بتبني وتعزيز دور القيم الإنسانية والدفاع عن المشترك الإنساني، وليس بتنافس حر في مجالات الإنتاج والإبداع، بل بالقوة المجردة.

هذه السياسة هي التي تحكم المخططات الأمريكية تجاه العراق. فالولايات المتحدة لا تريد حلاً دبلوماسياً، دولياً للأزمة (الأزمة التي أثارتها واشنطن أصلاً) بل تريد الحرب. ليست المشكلة هنا هي أسلحة الدمار الشامل، أو النفط، أو حتي إسقاط النظام العراقي، بل شن الحرب. ويكفي العودة إلي النص الأصلي لمشروع القرار الذي تقدمت به الإدارة الأمريكية للكونغرس من أجل الحصول علي تفويض للرئيس بالحرب، والذي تم إجراء تعديلات طفيفة عليه بطلب من كتلة نواب الحزب الديمقراطي في الكونغرس. فالمشروع الأصلي للقرار لا يطلب الموافقة علي استخدام القوة في العراق فحسب بل في الشرق الأوسط، هكذا وبشكل عام. فالأفق الذي ترسمه إدارة بوش هو لندخل العراق أولاً، ثم لسلسلة من التدخلات التالية، طبقاً لتطور الأمور واتضاح تداعياتها، في سورية، إيران، لبنان، ولا يجب علي الإطلاق استبعاد حتي الدول المعروفة بتحالفها مع واشنطن. هذا مشروع واسع النطاق، يبدأ بإسقاط النظام العراقي وإقامة نظام صديق للولايات المتحدة في بغداد، وتجريد العراق من السلاح، وتأسيس الوجود الأمريكي في بلد يمتلك من الثروات ما قد يساعد علي بناء قاعدة سياسية وثقافية للمشروع الأمريكي في المنطقة. وأخيرا ينبغي ألا يشك لحظة في أن الهدف الثاني سيكون زعزعة النظامين الإيراني والسوري، بشكل مباشر أو غير مباشر، وربما توجيه ضربة عسكرية هائلة عن طريق الجو لحزب الله وقواعده في لبنان. ثم يأتي دور مصر والسعودية اللتين ستفقدان قدراً واسعاً من هامش المناورة والاستقلال في علاقتيهما مع واشنطن. أما الكيانات الأصغر في المنطقة، فتأمل واشنطن تداعيها كأحجار الشطرنج. النتيجة النهائية، علي المستويين العربي والإسلامي، ستكون بلاشك فرض تسوية للقضية الفلسطينية، تلبي المطالب الإسرائيلية أكثر مما تلبي المطالب الفلسطينية والعربية.

قد لا تنجح الولايات المتحدة في فرض تصورها علي المنطقة، والأرجح أنه حتي وإن حققت واشنطن بعضاً من أهدافها أو حتي كلها في العراق فإن مقاومة القوي الإقليمية المختلفة ستترك أثرها علي السيناريو الأمريكي، ناهيك عن مقاومة القوي الدولية، من فرنسا وروسيا إلي الصين، التي تري مخاطر حالة الهجوم ومخططات الهيمنة الأمريكية الانفرادية. ولكن ذلك يجب أن لا يغيب احتمالات الكارثة التي ستؤدي إليها الحرب، إنسانياً وسياسياً واقتصادياً، ليس فقط في العراق بل في المنطقة ككل، وليس فقط علي مستوي القضايا العربية والإسلامية الواضحة بل أيضاً علي مستقبل العلاقة بين العرب والمسلمين من جهة والكتلة الغربية بقيادة الولايات المتحدة من جهة أخري. بهذه الحرب ستدخل العلاقة بين العرب كأمة والإسلام كدين حقبة من الصراع والتدافع مع المعسكر الغربي لم تعرف من قبل، حقبة ذات طابع كوني تختلط فيها إشكاليات قرنين من العلاقة بين الطرفين بحالة من انفجار الغضب العربي ـ الإسلامي العارم. لكل هذا يجب أن تعمل كل الأطراف ذات العلاقة علي منع وقوع هذه الحرب، منع وقوعها أصلاً وأولاً، وقبل أن يبدأ النظر في حصار تداعياتها.

قبول العراق بعودة المفتشين وإن بدا وكأنه سياسة ذكية فقد جاء متأخراً. لو أن العراق قبل بعودة المفتشين في أيار (مايو) الماضي لكان ربما قد تفادي صدور قرار جديد لمجلس الأمن، تقصد به الإدارة الأمريكية استفزاز بغداد وإفشال مهمة المفتشين والتمهيد بذلك للحصول علي تأييد دولي للحرب. لقد أصبح صدور قرار جديد لمجلس الأمن أمراً محسوماً تقريباً، ومن الضروري عدم التعويل علي استخدام روسيا للفيتو. ليس فقط لأن احتمال استخدام روسيا حق الفيتو ضئيل أصلاً بل أساساً لأن مثل هذا الأمر سيجعل المهمة الأمريكية أسهل. إن عجزت واشنطن عن استحصال قرار جديد من مجلس الأمن فستعود إلي مواقعها الأولي مدعية بأنها حاولت ما تستطيع سلوك طريق الأمم المتحدة وأنها أصبحت الآن في حل من التزاماتها الدولية. لتجنب مثل هذا السيناريو لابد أن يقبل العراق بالقرار الجديد لمجلس الأمن مهما كانت بشاعته وأن يتعاون بلا تحفظ مع فرق التفتيش الدولي حتي تنقشع عاصفة الحرب ويصبح بإمكان القوي المختلفة، القلقة من نزعات الهيمنة الأمريكية، التكتل من جديد لوضع نهاية للمسألة العراقية. ولكن ذلك ليس كل شيء، فإن كان لهذا الكابوس من نهاية فعلية فينبغي أن يقع انقلاب جوهري في علاقة النظام العراقي بشعبه وبقواه السياسية، مهما كانت أطياف ومطامع هذه القوي. حتي وإن قورنت بأكثر الأوضاع السياسية العربية تدهورا، فإن حالة العراق هي الأسوأ بلا شك، وقد آن الأوان لأن يدخل العراق حقبة جديدة من تاريخه، حقبة من الانفتاح والسلام الداخلي وانفراج الطريق بين الشعب والنخبة الحاكمة. لهذا الوضع السياسي ليس ثمة من مسوغ ولا مبرر ولا فائدة.

علي أن قبول العراق بالقرارات الدولية وتعاونه مع الأمم المتحدة لن يكفي بحد ذاته لمنع الحرب، حتي وإن صادف مثل هذا التوجه استحساناً ودعماً من دول كروسيا وفرنسا. ولكن من الضروري أيضاً أن يتبلور موقف عربي واضح ضد الحرب، موقف يضع في اعتباره المخاطر الهائلة التي ستترتب علي وقوع الحرب. طوال الشهور القليلة الماضية، ونظراً لعدم وضوح الموقف العراقي والخلل الواسع في ميزان القوي، اتسم الموقف العربي الرسمي بالازدواجية. بعض من عارضوا الحرب علناً من دول الخليج كان يفتح قواعده لحشد القوات الأمريكية، والبعض الآخر من الدول العربية عارض توجهات الحرب في ظل حالة من الاستسلام للقدر الأمريكي. في حال قبول العراق للقرارات الدولية، سيكون بإمكان الدول العربية المختلفة أن تقول لا واضحة وقاطعة للحرب. بدون هذه اللا لن تستطيع لا روسيا ولا فرنسا معارضة السعي الأمريكي الحثيث لشن حربها المدمرة علي العراق وكل المنطقة. هذا أو حقبة طويلة قادمة من عدم الاستقرار، والنزاع، والكوارث المتتالية.