قرار الكونغرس وقرار مجلس الامن 252!
بقلم : طارق مصاروة
لا قيمة حقيقية.. سياسية او دستورية لتحفظ
الرئيس بوش علي قانون الكونغرس الخاص بالتسمية الرسمية للقدس علي انها عاصمة
اسرائيل حيثما وردت في السجلات والوثائق الامريكية. فقد وقع القانون.. وما تحفظه
عليه بورقة منفصلة الا تكتيك متغطرس آخر، يتيح للناطق الرسمي في الخارجية كلاما معادا
بأن مصير القدس يجب ان يتقرر بالمفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين.
لقد كنا سمعنا، في مطار عمان، من وزير
الخارجية الاسبق جورج شولتز كلاما غير بعيد عن هذا الكلام عام 1988 حين جاء من
القدس ليجتمع في المطار بعدد محدود من الصحافيين الاردنيين، وقتها تم تذكير الوزير
الخطير بتصميم واشنطن الي حد الذهاب الي الحرب لبقاء برلين مقسمة، فلماذا تكون
تجزئة مدينة ما ضرورة من ضرورات السلام العالمي، ووحدة مدينة اخري ضرورة من ضرورات
سلام المنطقة ونحن نتحدث عنها من الناحية الاخلاقية قبل ان نتحدث عن وحدة القدس
تحت الاحتلال الاسرائيلي؟!
ووقتها تم تذكير الوزير الخطير بالقرار
الصادر عن مجلس الامن رقم 252 كتفسير واضح للقرار رقم 242 الذي ترك غموضا مريعا في
اصرار واضعه اللورد كارادون عي كلمة الانسحاب من اراض محتلة بدل الانسحاب من
الاراضي المحتلة .. والذي وضح انه يبقي القدس خارج انهاء الاحتلال.
وغضب الوزير شولتز وازداد احمرار وجهه المحمر
اكثر واكثر. وقال كلاما حادا لم يستطع مترجمه للعربية السيد الصباغ وضعه في السياق
المطلوب.. فكان ان انفض المؤتمر الصحافي وتم الغاؤه بقرار مشترك اردني ـ امريكي
لان ما قاله الوزير لا يساعد فعلا!!
الغريب ان احدا في العالم العربي لا يريد
التعامل مع القرار 252 الخاص بالقدس، ويصر الجميع علي القرار 242 و338 في حين ان
القرار المشار اليه يقول بوضوح: ـ يؤكد المجلس مبدأ القانون الدولي الذي لا يجيز
احتلال اراضي الغير بالقوة. ـ يدعو اسرائيل لعدم اتخاذ اي قرار يغير معالم القدس
ووضعها القانوني. ـ يطلب من اسرائيل الغاء كل ما اتخذت من اجراءات لتغيير وضع
القدس. ـ يكلف الامين العام بمتابعة القرار!!
لقد كان القرار 252 هو نتيجة عمل رئيس الوفد
الاردني للامم المتحدة السفير محمد الفرا وكان الي جانبه السفير المصري محمد حسن
الزيات.. وتهرب الجميع من العمل المشترك لان هناك من لا يعترف بقرار 242، وهناك من
لا يريد ان يثير الغضب الامريكي. لكن الاقتراح الاردني للقرار فاز باكثرية ثلاثة
عشر صوتا في مجلس الامن وامتنعت الولايات المتحدة وكندا عن التصويت ولم يستعمل
المندوب الامريكي حق الفيتو كما يقول السفير الفرا لان هناك دعما جماعيا عربيا
واسلاميا له، وكان هناك موقف بابا روما لحماية وحفظ وضع القدس، ودعم دول عدم
الانحياز. فاذا كانت واشنطن ـ كما يقول الناطق الرسمي للخارجية ـ تؤمن فعلا بان
مصير المدينة المقدسة لا يتقرر الا بالمفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين
فلماذا تفرض واشنطن سلفا علي الفلسطينيين بأن القدس ليست لهم؟!
وجهابذة الدبلوماسية العربية.. لماذا لم
يضعوا قرار مجلس الامن 252 امام مشروع القرار الاخير الذي نص علي وجوب قيام دولة
فلسطينية؟ لماذا لم يكن هناك نص بان تكون القدس المحتلة هي عاصمة هذه الدولة؟!
من المريع ان لا تكون وزارات الخارجية
العربية متنبهة لهذا القرار.. الذي يعتبر كما يقول د. محمد الفرا مكملا للقرار
242، ومن المريع اكثر ان تكون هذه الوزارات تتجاهل القرار 252 عن قصد او انها قد
تكون ورثت عن السابقين هذا التجاهل لانه كان في الاساس مشروعا اردنيا، وكان الاردن
هو دائما الهدف السهل للتجاهل في احسن الحالات وللتخوين في اكثرها.
كنا نتساءل، في مشاركة داخلية حول قانون
الكونغرس والقدس، اذا كانت عمان ستتخذ موقفا علي اعتبار ان قنصل الولايات المتحدة
في القدس كان تابعا للسفارة في عمان، واصبح الان تابعا للسفارة في اسرائيل، وكان
التساؤل محيرا، فالقانون الامريكي الجديد لا يمس السيادة الاردنية لانه لا سيادة
اردنية علي المدينة المقدسة بعد قرار قمة الرباط عام 1974 الذي نقل مسؤوليات
القضية الفلسطينية كلها لمنظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد. ثم بعد ان انتهت
العلاقة لاي سبب من الاسباب، بقرار فك الارتباط الاداري والقانوني بالضفة الغربية
عام 1988.
لقد بقي الملك الراحل.. الملك حسين يحاول
التشبث باي علاقة ممكنة بين الاردن والقدس، وكان مدخله الي ذلك الاماكن المقدسة
والحفاظ علي صيانتها، وادارتها وقد نجح في ذلك نجاحا كبيرا في واشنطن وتل ابيب وقد
فقدنا هذا النجاح حين قامت قيامة السلطة الفلسطينية، وعواصم عربية كثيرة علي كلمة
قالها الملك حسين هي كلمة في اذ وردت علي لسانه بالاشارة الدائمة في حديث كل مسؤول
عربي عن: اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس، فقال الملك وقتها وعاصمتها في
القدس.
المطلوب الان.. فتح ملف القرار 252، ووضعه في
مواجهة الاصرار الامريكي علي تلخيص كل قرارات مجلس الامن الخاصة بالعراق، ووضعها
في قرار جديد يصرح للولايات المتحدة شن الحرب.. اذا حاول العراق الالتفاف علي عمل
لجان التفتيش او رفض القرار الجديد فلماذا لا تقوم المجموعة العربية بوضع مشروع
قرار امام مجلس الامن في الوقت ذاته الذي تقوم فيه واشنطن بتقديم قرار ينص علي
وجوب اقتتال اسرائيل لقرارات مجلس الامن وخاصة القرار 252 الذي ينص علي انسحابها
من القدس، والغاء كل قرار اتخذته في تغيير معالم المدينة، ووضعها كما قبل عام
1967.
ويمتثل العراق لكل مطالب مجلس الامن
وقراراته، ومع ذلك فالولايات المتحدة تعد العدة لشن حرب علي العراق، ويعلن الرئيس
بوش فيما يشبه حوار الطرشان ان الرئيس العراقي يحتقر الامم المتحدة، وقرارات مجلس
الامن. ويجدر بالعواصم العربية التي تزحف علي ادراج المنظمة الدولية والبيت الابيض
الامريكي ان تعمل بدبلوماسية تمليها الحدود الدنيا من الشجاعة والاخلاص للكرامة
والعروبة واحترام الشعوب.
الدبلوماسية العربية تقول لنا كلما غضبنا: هل
تريدون ان نحارب امريكا؟ ونقول لهم الان: هل تريدون منعنا من التذكير.. تذكير
امريكا وتذكير العالم بقرارات مجلس الامن الخاصة بفلسطين حين يريدون منكم شن الحرب
علي العراق؟!