(انتفاضة الاقصي بعد دخولها العام الثالث)
بقلم : د. سعيد الشهابي
انتفاضة الاقصي دفعت الوضع الفلسطيني الي
واجهة الاحداث برغم قلة عدد المسيرات التي خرجت في العواصم العربية لاحياء الذكري
الثانية لانتفاضة الاقصي، فقد عبّرت عن مشاعر الغضب في نفوس العرب والمسلمين من
جهة، والشعور بالاحباط من جهة اخري، وروح الفخر والاكبار لمجاهدي فلسطين من جهة
ثالثة. فالانتفاضة خلقت ثقافة تترسخ بشكل مضطرد برفض الاحتلال او القبول بالواقع
الذي تفرضه القوة وليس الحق والمنطق. وعمّقت في نفوس الامة قناعة بامكان مواجهة
العدو ومحاصرته سياسيا وعسكريا، وتكبيده خسائر قد تفوق احيانا الخسائر التي يلحقها
بابناء فلسطين. وكشفت في الوقت نفسه، زيف الادعاءات الامريكية باحترام القوانين
الدولية، وأظهرت جوانب الضعف في اطروحات القوي الكبري التي انكشفت ازدواجية
سياساتها ومعاييرها. فهذه الانتفاضة اذن ليست مشروع مواجهة عسكرية مع قوات
الاحتلال فحسب، بل مشروع سياسي اخلاقي يتواصل عبر دماء شهدائه ليفرض، في نهاية
الامر باذن الله، واقعا جديدا في العالم يتأسس علي نظرات جديدة للعالم اكثر منطقا
وعدالة دعما للحق ورفضا للاحتلال والظلم، ويوفر مصاديق لمعني حق تقرير المصير. وقد
يتأخر تحقق ذلك بسبب الهيمنة الامريكية الحاضرة علي الامور، ولكن سنن الله في
الخلق، التي تتمثل احيانا في التغيرات التاريخية والتدافع علي مواقع القوة
والبقاء، تؤكد ان الظلم لا يبقي، وان القوي الغاشمة تندحر في النهاية برغم قوتها
وجبروتها. هذه الثقافة الجديدة التي تترسخ في النفوس انطلقت بعد ان سجل المجاهدون
الفلسطينيون انتصارات كثيرة علي قوات الاحتلال، وبعد ان اصبح ارييل شارون، ومعه
الأمن السياسي والاقتصادي والعسكري للكيان الاسرائيلي، معتمدا اساسا علي الدعم
الامريكي. فلم يعد امرا خافيا ان الولايات المتحدة اصبحت الآن الداعم الاقوي
للوجود الاسرائيلي في المنطقة، والمعارض لحقوق الشعب الفلسطيني من الناحية
العملية. فحتي عندما صدر القرار 1435 الداعي لرفع الحصار عن الرئيس الفلسطيني ووقف
اعمال العنف من الطرفين، لم تقف واشنطن مع مشروع القرار، بل امتنعت عن التصويت،
بينما أقرّه بقية اعضاء المجلس بشكل جماعي.
برغم ما يبدو من وضوح السياسة الامريكية ازاء
(اسرائيل) فان المنطق السوي لا يستطيع كشف دوافع الحكومة الامريكية للوقوف بهذا
الشكل السافر الذي ادي الي حالة استقطاب سياسية واضحة بين العالمين العربي
والاسلامي من جهة والادارة الامريكية من جهة اخري. فالمعروف ان العرب والمسلمين لا
ينظرون نظرة العداء الي الشعب الامريكي، وانما تأسست مشاعر الحساسية تجاه الولايات
المتحدة والعداء بسبب سياسات الحكومة الامريكية تجاه (اسرائيل)، وهي سياسة لم تعد
مبرّرة. ففي السابق كان هناك قول بان (اسرائيل) تخدم المصالح الغربية خصوصا
الامريكية في المنطقة، بينما الامر لم يعد كذلك الآن. فعندما شنت الولايات المتحدة
وحلفاؤها الحرب ضد القوات العراقية في الكويت لم تكن هناك حاجة حقيقية للدعم
الاسرائيلي، بل ان دعمها المكشوف كان سيؤدي الي نتائج سلبية وخيمة. وبعد حوادث 11
سبتمبر وحرب افغانستان لم يكن للكيان الاسرائيلي دور حقيقي في حماية المصالح
الغربية، بل ربما عقّدت مهمة الولايات المتحدة بتصعيد العدوان ضد الشعب الفلسطيني
ومحاولة استغلال التوجه لمحاربة الارهاب لدعم سياساتها التي تهدف لتصفية الشعب
الفلسطيني. وتحت غطاء محاربة الارهاب تشن قوات الاحتلال الاسرائيلية حربا بدون
هوادة ضد العناصر الفاعلة في المقاومة الاسلامية باغتيال افرادها بالصواريخ، وهي
اغتيالات طالما ادت الي سقوط ضحايا كثيرين اطفالا ونساء. وجريمة العدوان
الاسرائيلي علي السيد احمد ضيف في قطاع غزة ادت الي مقتل اطفال وابرياء، ولم يصدر
عن واشنطن ما يشجب هذه الاعمال التي هي المصداق الاوضح لمفهوم الارهاب الذي تمارسه
الدولة.
بعد حرب الكويت قبل اكثر من عشرة اعوام توقع
الكثيرون ان تتوجه الولايات المتحدة نحو سياسة اكثر اعتدالا في الشرق الاوسط،
فتطالب (اسرائيل) بما طالبت به العراق من التزام بالقرارات الدولية التي صدرت
ضدها، ولكن تبخرت الآمال بعقد مؤتمر مدريد وبعده اتفاقات اوسلو. وعلي مدي السنوات
العشر الماضية لم يصدر عن الولايات المتحدة ما يكشف التزامها الحقيقي بمفهوم العمل
الدولي المشترك وقرارات الشرعية الدولية في ما يتعلق بالكيان الاسرائيلي. واكدت
مواقفها وسياساتها الرافضة للاتفاقات الدولية بخصوص المحكمة الجنائية الدولية
واتفاقات كيوتو للحد من الانبعاث الحراري، عدم استعدادها للالتزام بالقرارات
الدولية، واعتمادها اساسا علي ما لديها من قوة عسكرية، ونزوعا نحو الانكفاء
الذاتي. ويمكن القول ان سياساتها تجاه مشكلة الشرق الاوسط تساهم في عزلها سياسيا
وتغطي تلك العزلة باستعراض امكاناتها العسكرية. وموقفها الحالي من شخصين كلاهما
متهم بارتكاب جرائم ضد ابرياء لا يوجد له مبرر. فاذا كان صدام حسين متهما باستعمال
الغازات السامة ضد الاكراد في 1987، فان ارييل شارون متهم بشكل قاطع بدور فاعل في
مجازر صبرا وشاتيلا التي حدثت قبل عشرين عاما عندما كان وزيرا للدفاع. وقد رفعت
قضايا ضده امام المحاكم الدولية ولكن تدخل الولايات المتحدة حال دون نجاح تلك
الدعاوي. ومن المؤكد ان ذلك ليس نهاية المطاف وان من الممكن جدا الاستمرار في
اعادة رفع الدعاوي ضده.
ان مشكلة ازدواجية المعايير والسياسات تمثل
تحديا حقيقيا لنجاح الارادة الدولية. فالقانون اما ان يطبق علي الجميع او سيفشل.
والمنطق الذي يستعمل ضد جهة او شخص بشأن الارهاب يجب ان يستعمل ضد بقية المتهمين
علي المستوي الدولي. وقد جاءت الانتفاضة الفلسطينية المباركة لتكشف زيف الموقف
الدولي الذي يمارس انتقائية مزعجة في مواقفه وسياساته. هذا هو شعور العرب
والمسلمين ومحبي السلام والعدل في العالم. وفي غياب الارادة السياسية لدي انظمة
الحكم العربية تجد الشعوب نفسها عاجزة عن تقديم دعم يذكر للقضية الفلسطينية. فحتي
المسيرات الداعمة للانتفاضة تكاد لا تذكر. فقد خرجت بعض المسيرات في لبنان والاردن
وسورية ومصر واليمن لاحياء ذكري الانتفاضة، ولكن ذلك لا يكفي لايصال صوت الامة الي
عالم يسد اسماعه لكي لا يسمع النداءات التي تخرج من القلوب. وقد ناشد مجلس الشعب
المصري المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته لوضع حد لكل اعمال القمع والعنف الاسرائيلي
ضد الشعب الفلسطيني. ودعا كذلك الي الضغط علي (اسرائيل) لتنفيذ قرارات الشرعية
الدولية وتطبيق الباب السابع من ميثاق الامم المتحدة بفرض العقوبات الواجبة عليها.
وقد عبّر الاتحاد الاوروبي هذا الاسبوع عن عدم رضاه ازاء استمرار (اسرائيل) في عدم
تطبيق القرار الدولي رقم 1435 الذي يقضي بانهاء الحصار المفروض علي رئيس السلطة
الفلسطينية. وليس معلوما بعد ماذا سيقول الروس لشارون خلال زيارته الحالية لموسكو.
وفي السابق كان العرب يحظون بدعم موسكو لقضاياهم، وذلك نتيجة ظروف الحرب الباردة
ووجود قوة كبيرة توازي الولايات المتحدة.
وخلال العامين المنصرمين، قدّم الشعب
الفلسطيني أروع التضحيات دفاعا عن حقوقه ووطنه وكرامته، واستطاع ايصال ظلامته الي
العالم كله. ومن اكبر الشواهد علي ذلك القرار الذي أصدره اكثر من 6 آلاف منظمة غير
حكومية العام الماضي بمساواة الصهيونية بالعنصرية. وكانت اجواء قمة دربان ضد
العنصرية آنذاك مزعجة جدا للولايات المتحدة، الامر الذي حدا بوفدها للانسحاب فترة
وجيزة. الغريب في الامر عزوف الولايات المتحدة عن مراعاة الوضع الدولي وحساسياته
تجاه سياساتها، في الوقت الذي تستطيع فيه الحفاظ علي ثوابتها مع تقديم مرونة ازاء
القضايا الاساسية خصوصا القضية الفلسطينية. فسياسات (اسرائيل) عنصرية بشكل لا
يحتمل النقاش. وهذه السياسات لا تخدم المصالح الامريكية، التي لا تخدمها الا
السياسات المعتدلة في العالم خصوصا في الشرق الاوسط. واذا كان الاحتلال الاسرائيلي
يعتبر هدفا مشروعا لاعمال المقاومة الفلسطينية، وفقا للقانون الدولي، فان استهداف
الولايات المتحدة ناجم عن رسوخ القناعة بان واشنطن اصبحت ضحية للسياسات
الاسرائيلية القمعية، فهل من مصلحة الولايات المتحدة البقاء اسيرة لسياسات شارون
ورامسفيلد وغيرهما. ان علي الحكومة الامريكية ملاحظة غياب الدعم الدولي لسياساتها،
فها هي تسعي لاستصدار قرار عن مجلس الأمن الدولي ضد العراق، ولكنها تواجه صعوبة في
تمرير مشروعها العسكري بغطاء دولي. فهناك عزوف عن تقديم صك مفتوح للسياسات
الانتقائية التي تمارسها واشنطن في الشرق الاوسط. وبرغم محاولات التضليل التي تمارسها
قوات الاحتلال الاسرائيلية، فقد اصبحت لدي الرأي العام الدولي صورة شبه واضحة عما
يحدث في الاراضي المحتلة، وهي صورة لا تدعم السياسات الامريكية والاسرائيلية. هذا
التعاطف الدولي، وان لم يكن فاعلا في الوقت الحاضر، ضروري لصياغة السياسات
المستقبلية للامم المتحدة، والامر شبيه بما حدث خلال عقود النظام العنصري في جنوب
افريقيا. فمن كان يتوقع انهيار ذلك النظام المدعوم من الدول الغربية؟ ولكن السنن
الاجتماعية والسياسية فرضت نفسها واسقطته الي غير رجعة. وكذلك الامر بالنسبة
للكيان الاسرائيلي. فالقوة العسكرية الاسرائيلية المدعومة من الولايات المتحدة
الامريكية لا تكفي لتغيير الحقائق، وبالتالي سينهار نظام الاحتلال مستقبلا. اما
متي يحدث ذلك فلا يعلمه الا الله، ولكن نضالات الشعب الفلسطيني لا يمكن ان تذهب
سدي، ولا يمكن لنظام محتل ان يمارس سياسات التضليل والخداع الي الابد. المطلوب ان
يتعمق الشعور بان جهاد الشعب الفلسطيني لن يذهب هدرا، وان حل الازمة سوف يتحقق
عاجلا او بعد أمد. فكما يقال: الحكم يبقي مع الكفر ولا يبقي مع الظلم. والظلم
الاسرائيلي لا يضاهيه ظلم، والارهاب الذي تمارسه الدولة هناك مقدمة لسقوط النظام.
فالعدل اساس الحكم، كما يقال، وعندما تغيب العدالة تفتح ابواب الاحتجاج السياسي
القادر علي ايصال صوت المحرومين الي العالم. تعيش (اسرائيل) اليوم امزجة مختلفة،
بين القنوط التام، والتفاؤل بامكان حسم المشكلة بشكل نهائي. ولكن تجربة الشهور
الاخيرة اثبتت عدم قدرة الخيار العسكري والامني علي حل المشاكل السياسية في
الاراضي المحتلة. كما ان اصرار شباب الاقصي علي مواصلة الكفاح ضد الاحتلال مؤشر
لجدّيّة الجيل الجديد من الفلسطينيين علي مواصلة الكفاح الذي بدأه آباؤهم، وهو
كفاح لم ينقطع، وان شهد صعودا وهبوطا عبر العقود. وتبدو الامور هذه المرة مختلفة
من حيث الاصرار والتفاني في خدمة القضية، والتكامل بين الفصائل الفلسطينية
المختلفة والتواصل مع الحكومات العربية التي شعرت، للمرة الاولي ان قوتها تكمن في
وحدة كلمتها وتنسيق مواقفها وسياساتها، والوقوف بجانب الشعب الفلسطيني وتجاهل
الموقف والسياسات الامريكية التي تهدف لغير ذلك.
وبدخول الانتفاضة عامها الثالث تبدو الأزمة
الفلسطينية مرشحة للتصعيد خصوصا مع استمرار المجموعة الدولية في الضغط علي كل من
الولايات المتحدة و(اسرائيل) لتغيير سياستيهما ازاء مسألة الاحتلال الاسرائيلي
للاراضي المحتلة. قد تبدو الامم المتحدة بدون انياب في الوقت الحاضر، ولكن تنسيق
المواقف وتفعيل الآليات المتاحة لديها للتعرف علي مدي حماس الناس للتغيير من شأنه
ان يساهم ايجابيا في اعادة صياغة الموقف الدولي بشكل اكثر استقلالا واقوي وقعا علي
ضحايا الاحتلال الاسرائيلي. ولكي يتحقق ذلك يتطلب الامر ثلاثة امور اساسية:
استمرار الضغط الفلسطيني علي قوات الاحتلال بالوسائل المنصوص عليها عالميا،
والاستمرار في سياسة التكامل بين الميداني والسياسي علي صعيد الحكومات العربية،
والتواصل مع الدول الاخري لتشجيعها علي التشبث بمواقفها وسياساتها الاقرب الي منطق
القانون الدولي. اما الانتفاضة، فان استمرارها بقي، وما يزال، مصدر الأمل لقطاعات
واسعة من الأمة. النفس الطويل يختصر عنوان القضية واسلوب حلها. اما الاستعجال
بالتنازل عن الحقوق المشروعة فخيار لم تتوفر له الشرعية او الدعم الشعبي، ولا يمكن
ان يحقق مطالب الشعب الفلسطيني. الامر المقلق يتمثل بغياب التفاعل العملي من جانب
الشعوب والمنظمات غير الحكومية العربية مع جهاد الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي
تحصد فيه آلة الارهاب الاسرائيلية ارواح ابناء فلسطين خصوصا الرموز القيادية في
الساحة الميدانية. والصمت العربي، الرسمي والشعبي، يشجع هذا الارهاب. فلتكن هناك
اعادة نظر في اساليب الدعم ووسائله لكي يشعر المجاهدون بالقوة، ويواصلوا طريق
تحرير فلسطين من قوات الاحتلال.