سقوط فلسطين الصغري سيفتح جبهة فلسطين الكبري

(من العراق لأقصي جنوب الجزيرة)

 

بقلم : مطاع صفدي

 

في بحران الضغوط الأمريكية الهائلة المنصبة علي أعضاء مجلس الأمن والروسيا خاصة، من أجل الفوز بالقرار الجديد الممهد للضربة العسكرية علي العراق، يفجر شارون معركة التصفية شبه الجسدية لكيان السلطة الفلسطينية، مستهدفاً هذه المرة التخلص من عرفات بالقتل أو بالإبعاد، أو الحجر الكامل. وقد اعتقد أن التوقيت هو لصالحه، لكن حدث العكس، إذ طغي خلال ساعات خبر العدوان البربري علي (المقاطعة) وتدمير أبنيتها، علي الاهتمام الدولي بالقرار الأمريكي، ما أثار غضب بوش ودبلوماسيته المتعثرة أصلاً، ودفعه إلي الإدانة اللفظية للهجمة الشارونية الجديدة.

ذلك أن عودة الجماهير الفلسطينية إلي شوارعها، وتحدي منع التجول، لم تبرهن فقط علي تمسك الشعب بقيادته التاريخية، بقدر ما تهدد بما هو أخطر، أي انطلاق موجة جديدة من المعارضة الشعبية عربياً، وربما دولياً بواسطة الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني. وحينئذ قد تتطور المعارضة إلي حركة رفض غاضبة للعدوانين معاً علي فلسطين والعراق في آن واحد. وهو الوضع الذي يعيد التحرك الأمريكي إلي ما يشبه نقطة الصفر في السعي إلي تغليف إرادة العدوان بغطاء الشرعية الدولية. وهنا نقطة الضعف الرئيسة، إذ مهما ادعت إدارة بوش أنها ستضرب وحدها عند اللزوم، إلا أنها في الواقع تحس إحباطاً حقيقياً حتي الآن في محاولة التذرع بالشرعية.

فخلال الأسابيع الأخيرة عاني صقور الإدارة من مختلف أشكال الانتقادات من الأفراد والمؤسسات والدول التي تصاعدت متفرقة في البداية، ثم تراكمت كماً ونوعاً إلي أن انتهت لما يشبه جبهة معارضة أمريكية وأوروبية شاملة، بحيث أمكن القول إن حرب بوش أضاعت قضيتها المزيفة قبل وصولها إلي أرض المعارك. وأمام هذه الوقائع الصارخة اضطر بوش للالتجاء ثانية إلي الأمم المتحدة، فأتاها بعجرفة خرقاء لم تكسبه إلا انفكاكاً أعمق عن ادعاءاته الملفقة حول تجريم النظام العراقي بسوءات الدنيا كلها، وعندما أعجزته الأدلة المحسوسة، هو وتابعه الأمين توني بلير، يعدان بأدلة أخري وبوثائق سرية خارقة، وبكل تلك الأكاذيب الطفولية التي لم يعد يبررها كونها صادرة فقط عن فئة الأقوياء الطغـــــاة، إذ يحل لها أن تقول ما تشــاء، دون أن تجـــــد لأكاذيبها ثمة اعتذاراً ما، مهما بلغت من التفاهة أو الدقة.

هكذا توحّد البربرية الشارونية ضد (المقاطعة) ما بين الكارثتين الفلسطينية والعراقية، وتبرزهما معاً كوجهين لقضية واحدة، بما أنهما تعبران أصلاً عن مآل الحالة العالمية الراهنة من انفلات آلية الطغيان ما فوق المعقول واللامعقول من دوافعه وأدواته وأهدافه غير المسبوقة منذ عصور الهمجيات الأولي. فيستطيع أبسط وعي إنساني أن يقرأ فيها واقعياً، الضدّ المحسوس الصارخ، علي كل ذلك الهذر الدعاوي المرافق لها العاجز عن تبرير فضيحته الذاتية أولاً بتهافت منطقه، قبل سعيه إلي تجميل وجوه وحوش العصر الكبري، وتسويغ جرائم حروبهم المسعورة ضد الشعوب الفقيرة المحرومة من حق الحياة الطبيعية، والتي أضحت ممنوعة من حق الصراخ، وليس الاعتراض فحسب.

ومع ذلك، بالرغم من أن الشارونية تخسر فعاليات دباباتها عدواناً بعد عدوان، والبوشية تفقد ذرائع حروبها قبل وقوعها، وجولة بعد أخري من كل فصول المناورات الدعاوية المتهافتة. فلا يبدو أن الشر المحض قابل للتخلي عن جاهزياته، وكبت إرادة التدمير مهما كانت العقبات وغلت الأكلاف. ومن هذه الجاهزيات أن الانكشاف والافتضاح لا يضيران إرادة الشرير في شيء، بقدر ما يدعمان عزمها الأكيد علي فرض مصالحها عارية كما هي، وكما ستظل عليه دائماً. فمن طبيعة الشر المحض أنه استهلك سياسة الأقنعة، الأخلاقوية والسياسوية منها بخاصة. وأنه لم يبق له سوي وجهه الأصلي، كأوضح إعلان وبرهان علي فظاعته المطلقة، التي هي كنزه وامتيازه الأخير.

ومن يتأمل وجوه العصابة النفطوية، وهي تلقي بأضاليلها من منبر وموقف إلي آخر، ويلاحظ التقاطيع والملامح الكلية التي توحد مشهد اللؤم المتحجر علي وجوه بوش ورايس ورامسفيلد، بصورة خاصة، ونظرات الخبث المطرقة دائماً لتشيني، يحسّ ولا شك بمدي المكابرة والمصانعة التي يعانيها هؤلاء إزاء رفض العالم وكراهيته لأقوالهم الخداعة وأفعالهم الإجرامية. حتي وهم يتخذون من مظاهر العنجهية والاستعلاء حصوناً ورقية يخفون وراءها ذلك المدي الآخر من وضاعة المخاتل وخشية المتآمر الممسوك بالجرم المشهود أمام الملأ. فيكفي أن يقرأ هؤلاء بعض ما تكتبه صحفهم شبه الرسمية، حتي لا نقول صحف أوروبا وبقية العالم، أو بعض الإعلام العربي (المتحرر)، ليدركوا أن الآخرين يعرفون عن تهافت منطقهم العدواني، وارتباطه بأضيق المصالح الفردوية لعمالقة المال والطاقة والسلاح، ما لا يمكن أن تتبرأ منه أبرع الفذلكات الاستراتيجية. حتي عندما تخترع وثيقة (الأمن القومي) نظرية الحرب الوقائية للمؤسسة الحاكمة، من عقيدة الاستراتيجية الدفاعية ضد عدو محدد وقائم فعلاً، إلي استراتيجية اختلاق جاهزيات الحرب بأسبابها وأهدافها معاً غير القائمة أصلاً علي أرض الواقع.. فحين تصنع الوحش المطلق عليك كذلك أن تخترع له فرائسه. تلك هي الحالة الذروبة التي لم تبلغها من قبل أية مسيرة تحقيبية لأية حضارة. لكنها تحققت مع الرأسمالية الراهنة التي أمست أسيرة لمعيارية الربحية المطلقة، الفالتة من كل رقابة ذات طبيعة اجتماعية عامة. وفي ظلها اختلت قوانين التوازن بين الإنتاج والاستهلاك إلي درجة لا يعود فيها الاستهلاك قادراً علي تغطية نفقات إنتاجية هائلة ساعية إلي مضاعفة الأرباح بشتي الوسائل المشروعة وغيرالمشروعة، في حين تعجز السوق العالمية عن استيعاب المنتوج الفائض دائماً عن الحاجات. وعندها تستغني الأموال الفلكية المستثمرة عن توسيط البضاعة، لتصبح الأموال نفسها بضائع لبعضها فقط. وتلك هي مرحلة الاقتصاد المالي الصرف، الذي تواجهه أمريكا وهو في ذروة اختناقاته، التي لا حل لها إلا بإلغاء اقتصاد السلم، والجنوح إلي اقتصاد الحرب. وقد فتحت له الطريق واسعاً أيديولوجيا الإرهاب، المسوّغة الضرورية لاستراتيجية الحرب الوقائية.

ذلك هو أساس التناقض الذي راح يعمق الانشقاق الأوروبي عن أمريكا. لكنه انشقاق تحسّ به أولاً النخب الثقافية والعاملة، ولا يمكنه أن يؤثر مباشرة في المسارات السياسية إلا ببطء، مع ترددات كثيرة. غير أن تعجل الفئة التكساسية الحاكمة في واشنطن لوضع الحرب الوقائية الاستباقية موضع التطبيق المادي بدءاً من أفغانستان إلي العراق قد فرض جواً ضاغطاً علي السياسة الدولية قلما عرفته في أحلك لحظات الحرب الباردة الماضية، بصورة لم يعد يمكن تجاوز نتائجه الحتمية في تفجير بؤر الصراع الناري ملء خارطة المجال الأضعف من كرتنا الأرضية المتخمة بأزماتها الحيوية الأخري. فما تحاوله أوروبا الثقافية هو لحجر أنظمتها السياسية عن الانجرار إلي منطق الجحيم الذي تقوده أمريكا بعزم وتصميم كأنه يوم القيادة الذي لا قبل لإرادة بشرية في دفعه. ولقد أضحي واضحاً لدي كبار المفكرين الاستراتيجيين في القارة الهرمة أن مصير الاتحاد الأوروبي، ومستقبله الاقتصادي خاصة، متوقف في جوهره علي تحولات جنوبه العربي والاسلامي. وأن أمركة هذا الجنوب عن طريق تطويقه بمسلسل الحروب إنما يرمي إلي حرمان القارة من شريانها الحيوي. ولقد تقدمت ألمانيا دفعة واحدة صف المعارضة الصريحة والصارخة مع استفحال أزمتها الاقتصادية التي رأت فيها إحدي نتائج عولمة أسواق التصريف علي الطريقة الأمريكية. فلم تكن معارضة شرودر ورقة انتخابية فحسب، بقدر ما جسدت دور حامل العلم الذي لا يزال يتقاعس عنه الآخرون جهاراً. فالتمرد الألماني غير المنتظر، من هذه الأمة المعروفة بظروفها الهامشية في العلاقات الدولية، مرشح للتجذر والانتشار في النادي الأوروبي. وهو الذي عليه أن يظهر للعلن حقيقة التحول في موقف المجتمع المدني المعارض الحقيقي للعوملة الثقافية، ثم للعولمة العسكرية راهناً. فإنه بقدر ما يخيل لمعسكر الحرب أن يكسب أعضاءً جدداً من داخل الأسرة الأوروبية، بقدر ما تدل الوقائع علي عكس الاتجاه المزعوم تماماً.

وفي هذا السياق تعمل (منجزات) شارون العسكرية علي دعم النظرية السلمية لدي القادة الأوروبيين. إذ تقدم تجربة العدوان العسكري الدائم براهين يومية علي عقم النهج العسكري في فض النزاعات المصيرية. ما يجعل مشروع بوش في تدمير العراق ليس إلا تضخيماً للنموذج الشاروني نفسه الخاسر لأهدافه المعلنة، كما هو الفاقد أصلاً لمبرراته، في نظر الرأي العام العالمي،والأوروبي خاصة هذه الأيام الحاسمة. وحتي هذا الـ (توني بلير) الذي يصير رئيساً لحزب المحافظين أكثر منه رئيساً لحزبه العمالي، فإنه أضحي محامياً فاشلاً عن قضية صديقه بوش، بعد أن حبس المجلس النيابي البريطاني عشر ساعات متوالية، ليخرج النواب قائلين علي لسان أحدهم إن وثيقة بلير جاءت إرضاءً لبوش، ولم تحقق إقناعاً للرأي العام. وكان عضو في الكونغرس الأمريكي قد صرح بعد تقديم بوش لوثيقته حول أدلة الأسلحة العراقي، أن هذه الحرب الوقائية هي الأولي من نوعها منذ نشأة أمريكا نفسها قبل قرنين ونصف. غير أن كل هذه المواقف النقدية المتصاعدة والفاسدة لأجواء السياسة والإعلام ما بين أوروبا وأمريكا لا تكاد تزحزح مشروع الحرب عن سكته المرسومة، إن لم تزد أصحابها المنفذين والمخططين المتوارين، تصميماً علي متابعته حتي لحظة الواقعة الكاثرية. وعندئذ يكون شارون قد ربح رهانه الأساسي لينهي وجود الشعب الفلسطيني، ويجتثه من بقايا وطنه، محققاً الترانسفير الأخير إلي ما وراء نهر الأردن. بينما تفتح جبهة فلسطين الكبري من شمالي العراق إلي جنوب جزيرة العرب كلها.