بقلم : أحمد عبدالرازق
عائد من ارض الكنانة والافكار والاسئلة تعصف
برأسي دون أن أملك قدرة علي المقاومة او ايجاد اجابة شافية لنفسي عن تلك الاسئلة
المحيرة فمارأيته من مشاهدات كفيل بأن يصيب رأس اي انسان واع بالدوار وان كنت
اعتبر نفسي ضيفا لفترة قصيرة عندما أزور مصر لكن شيئا ما بداخلي يتحرك فجأة
ليجعلني انفعل بكل شيء واندمج لدرجة الفناء في هذا البلد بكل تناقضاته السافرة
والمحيرة.
إن الذي يحدث في الشارع المصري الان كفيل بان
يجذب انتباه كل من يحب هذا الوطن إلا انه من المفترض ان يجذب اهتمام القائمين عليه
اولا وقبل اي شخص آخر والذين يفترض ان يكونوا حريصين علي أمنه وسلامه الاجتماعي
الذي يعد صمام امان لكل من يعيش علي ارضه ثم ان مايحدث يفترض ان يلفت انتباه
النخبة المثقفة ايضا التي يتعين عليها ان تدق ناقوس الخطر لعل احدا يولي اهتماما
بما يحدث قبل ان تصل حالة الاحتقان الإجتماعي إلي مدي يصعب عندها السيطرة عليه.
إن حالة الإحتقان الاجتماعي في مصر بدأت منذ
سنوات ومنذ ان بدأت الطبقة الوسطي في مصر تتعرض لضغوط شديدة ادت إلي إنزوائها ثم
تآكلها شيئا فشيئا ومنذ بدأ قطاع كبير من الناس يشعر بان حلمه في حياة كريمة أخذ
يتبدد في حين بدأت الفجوة في التزايد بين من يملكون ومن لايملكون وصار المواطن
المصري المهموم بتعليم ابنائه وتطبيبهم يفجع في مشاهدات يومية بمظاهر ثراء
استفزازي لطبقة جديدة في المجتمع.
علي الصعيد السياسي يبدو المشهد السياسي وهو
ماض في اتجاه واحد اذ أن الملاحظ للحالة السياسية في مصر يمكنه ان يشهد حالة من
الاحادية السياسية وتسيد الصوت الواحد والغريب ان كافة الاحزاب التي تسمي نفسها
بالمعارضة وكافة النخب المثقفة صارت تتحدث بلسان واحد تعلو فيه نبرة انه ليس في
الامكان ابدع مما كان وانه من الافضل ابقاء الوضع الراهن علي ماهو عليه او انتظار
الطوفان.. والغريب انه حتي لو قورنت المرحلة الراهنة بأية مرحلة سياسية عاشتها مصر
فيما سبق لبدا واضحا ومدهشا انها المرحلة الوحيدة التي لاتظهر فيها اصوات جادة
تعارض مايحدث سواء علي مستوي النخب او مستوي الاحزاب ففي كافة المراحل السابقة كان
من المألوف ان تخرج اصوات جادة تتعرض بالنقد لما يحدث سواء علي مستوي تغول السلطة
أو علي مستوي الفساد بكافة اشكاله مع الأخذ في الاعتبار انه لم يصل في اي مرحلة من
المراحل السابقة لما هو عليـــــه الان.
الاخطر في هذه الحالة ان الفساد صار يتحول
إلي القاعدة العريضة واقصد انه بدأ يتحول إلي المستوي البسيط من الموظفين
والعاملين في اجهزة الدولة ولم يعد امرا مستهجنا اذ ان الحاصل هو ان الناس كما
سمعتهم يتحدثون وهم في غمرة استماعهم لقصص الفساد الاكبر يجدون فيها مبررا لممارسة
الفساد علي المستوي الاصغر وتحويله إلي نمط حياة يومي.. وأعود إلي قصة الاحتقان
المتزايد اذ ان كل ما اشرت اليه هو من عوامل تزايد حالة الاحتقان في الشارع المصري
انها مجموعة من التناقضات السافرة التي بدأت تحرك تساؤلات لدي اناس عاديين جدا وهي
تساؤلات تعكس المدي الذي وصلت اليه حالة الاحتقان الاجتماعي مدفوعة بتطورات داخلية
دون اغفال دور مايجري علي الساحة الفلسطينية والعربية من تعميق الاحساس والوعي
بها.. لكن الشيء المفجع بصورة اكبر هو تلك الفجوة المتزايدة في جانب آخر بين مؤسسة
الحكم وبين المواطنين فالواضج ان تلك المؤسسة لم تكتف بعدم رصد مايحدث لكنها تحركت
خطوة اكبر إلي تجاهله والتغطية عليه من خلال وسائل الاعلام الرسمية ثم مضيها قدما
في مشاريعها الخاصة دون الالتفات لما يجري وكأنه لايحدث اضافة إلي اظهار صورة
براقة لانجازات لم ير منها الناس شيئا وهو ماعمق احساسهم بالفجوة بين ما يلمسونه
في حياتهم اليومية وبين احاديث وصور براقة يرونها علي صفحات الصحف واجهزة الاعلام
الرسمية.
لست اسعي إلي رسم صورة قاتمة لكنها ودون
تفلسف مجرد صياغة لمشاهدات رأيتها في الشارع المصري وانفعلت بها وتفاعلت معها
واعتقد ان كل مصري او غير مصري مخلص لهذا البلد يتعين عليه ان يرفع صوته وان يدق
ناقوس الخطر فالحقيقة ان التناقضات بلغت مداها وانها في حاجة من قبل الجميع وخاصة
من قبل النخبة الواعية والمثقفة من ابناء هذا البلد لدق ناقوس ا لخطر وتدارك
شعـــور جارف بالنقمة قبل ان ينفلت من اجل مستقبل افضل لبلد يعد أمنه صمام امان
للوطن العربي بكامله.