بقلم : محمد كريشان
خبران ساران حملتهما الانتخابات التشريعية في
المغرب: الأول أنه ما زال في الإمكان أن تجري في بلادنا العربية انتخابات سليمة
إجمالا وإن كانت لا تخلو بالكامل من هنات والثاني أن الرعب الذي اجتاح العالم بعد
الحادي عشر من سبتمبر لم يدفع أصحاب القرار في الرباط إلي إزاحة الاسلاميين من
اللعبة درءا للشبهات وإيثارا للسلامة.
لعل ما ساعد علي إجراء انتخابات لم ينبر
بعدها من يرفع صوته عاليا بتهم التزوير العادية تماما في انتخاباتنا العربية أن
هذه أول مرة يتوجه فيها الناخبون المغاربة إلي صناديق الاقتراع في عهد الملك محمد
السادس الذي اعتلي العرش قبل أكثر من ثلاثة أعوام وما حمله العاهل الشاب من آمال
كبيرة في التغيير ما زال بعضها متقدا وإن كان بعضه الآخر قد خبا.. وبالتالي فإن
أخطر ما كان يترتب علي انتخابات مطعون في مصداقيتها بالكامل هو تحول الشك إلي
اليقين في أن لا اصلاحات ترتجي من تغير العهود وبالتالي توجيه ضربة كان يمكن أن
تكون قاصمة لعلاقة بدت حميمة بين الملك الجديد وشعبه مع ما يعنيه ذلك من انسداد
مبكر لأفق المؤسسة الملكية أو المخزن كما تعرف في المغرب. العامل الآخر الذي لعب
دوره في خروج الانتخابات دون فضائح معيبة كبري هو أن حكومة التناوب التي أشرفت علي
الانتخابات والمكونة أساسا من تحالف حزبي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لعبد
الرحمن اليوسفي والاستقلال لعباس الفاسي هي حكومة أطراف اشتكت في السابق مرارا
وتكرارا من تزوير الانتخابات ورمت وزير الداخلية القوي السابق ادريس البصري بأشنع
النعوت... وبالتالي فإن تحول المظلوم السابق إلي ظالم ما كان ليعني سوي أمر واحد
هو وفاة مصداقية أحزاب ورموز لها تاريخ نضالي كبير مما يعني الانطلاق بعد
الانتخابات من رصيد يساوي الصفر سواء لدي الرأي العام الداخلي أو لدي كل من توسم
خيرا في حكومة اليوسفي وحاول أن يبحث لها عن كل ظروف التخفيف عند التطرق إلي
عثراتها السياسية والاجتماعية.
أما ما يتعلق بدخول الاسلاميين إلي البرلمان
المغربي بشكل فاق كل التجارب السابقة فدلالاته مزدوجة إن علي صعيد الساحة
الإسلامية هناك أو علي الصعيد الرسمي.. فأولئك الإسلاميون الذين راهنوا علي العمل
المضني الدؤوب داخل أحزاب قانونية معترف بها وكابدوا لدخول مؤسسات الحكم وخاصة
التشريعية ،رغم كل الاحباطات الســابقة ونوازع التثبيط العديدة التي ينشرها البعض،
هم الذين كسبوا الجولة، الحالية علي الأقل. وبين منطق إسلاميي حزب العدالة
والتنمية ومنطق إخوانهم الآخرين في جماعة العدل والإحسان يتضح اليوم أكثر صواب
أسلوب المشاركة والسعي للتغيير التدريجي عبر الحد من الخسائر وتنمية المكاسب
ومعالجة الثغرات، أي منطق الأوائل، الذين انتقلوا في السنوات القليلة الماضية من
المساندة النقدية لحكومة اليوسفي إلي معارضتها فاستطاعوا بالتالي أن يستقطبوا قدرا
لا بأس به من أصوات الغاضبين الذين قد لا يشاطرونهم بالضرورة أطروحاتهم الفكرية
ورؤاهم السياسية. من ناحية أخري لم تسع المؤسسة الملكية ولا الحكومة في المغرب إلي
توظيف سياسي غير نزيه للمعركة الأمريكية - الدولية ضد الارهاب عبر الخلط المتخبط
بين الاسلاميين والارهابيين لتحييد أو تصفية خصوم سياسيين صاعدين في البلاد. ومع
أن مثل هذا الخلط عادة ما ينم إما عن جهل أو سوء نية أو كليهما إلا أنه ما كان
أسهل عليهما أن يقع اللجوء إليه لكن رهان الانتخابات ذات المصداقية ظل هو الرهان
الأسلم وكذلك الشأن رهان التعويل علي التطور السياسي الثابت القائم علي تصارع
البدائل والتنافس السليم والاحتكام لصناديق الاقتراع.
ليس معني كل ما سبق أن انتخابات المغرب جرت
بشكل سليم كامل دون منغصات أو تجاوزات فهذا أمر غير متوقع ولكنها بالتأكيد خطوة
هامة في بلد برهن مرة أخري أن خلاياه ما زالت حية رغم كل المشاكل القديمة والجديدة
في وقت وهنت خلايا أكثر من بلد عربي ماتت فيه السياسة مرة واحدة.