أزمة المسؤولية في الوطن العربي:

السلطة المطلقة تؤدي للفساد وتحاول منع المحاسبة والمساءلة

 

بقلم : د.أنيس القاسم

 

الوطن العربي يعاني من أزمة خطيرة في المسؤولية لا تقف عند حدود من نسميهم عادة بالمسئولين وإنما تمتد لتشمل المجتمع والأسرة والمدرسة والتربية، مدنية كانت أم دينية، والنشاط الفكري والاجتماعي بمدلوله العام. وهذه الأزمة أوصلتنا إلي ما نحن فيه. وما لم تتم معالجتها بجدية فان القرن الواحد والعشرين سيكون أخطر علي هذه الأمة من القرن العشرين الذي شهد فيه الأمة العربية وقد هبطت إلي مستويات دنيا بمعايير التقدم الإنساني. وفي هذه الدراسة الموجزة نبحث جانبا ملحا من جوانب هذه الأزمة وهو مسؤولية الزعماء العرب المباشرة عن الأوضاع السيئة التي تعاني منها الأمة العربية. وقد تعمدنا البداية بهم لأنهم في موقع صنع القرار وتنفيذه ويمكنهم، إذا أدركوا مدي مسئوليتهم وتصفوا بشجاعة وموضوعية، أن يختصروا الزمن ويقللوا من المعاناة ويضعوا المسيرة في اتجاهها الصحيح. وفي القسم الأول نحاول أن نواجههم بمسئوليتهم، وفي القسم الثاني نتقدم ببعض الاقتراحات التي بإمكانهم إذا صح عزمهم أن يتخذوها ويجنبوا الأمة الانقلابات والفوضي التي ستأتي حتما إذا هم لم يتحركوا في الاتجاه السليم. أما الجوانب الأخري من الأزمة فستكون فصولا في كتابنا بهذا العنوان وهو أزمة المسؤولية في الوطن العربي والذي نأمل في نشره قريبا بإذن الله.

التصريح الذي أدلي به وزير خارجية قطر في أواسط سبتمبر 2002 من أن العرب عاجزون عن فعل أي شئ لمواجهة التهديدات الأمريكية للعراق، وتصريحه قبل ذلك بأنه يجب علينا استجداء أمريكا لوقف العدوان الإسرائيلي علي الشعب الفلسطيني، هذان التصريحان وما يشابههما من التصريحات والمواقف من الآخرين تعبر عن عمق الأزمة التي تعاني منها هذه القيادات والانغلاق المطبق علي الأوضاع السائدة حاليا في الوطن العربي وكأنها هي القدر المحتوم الذي لا فكاك منه. وهذا يمثل التحجر الفكري والعملي عند الأوضاع الراهنة الذي ساد أو كاد علي مدي الخمسين سنة الماضية، وكانت نتائجه ما نشهده اليوم علي امتداد الوطن العربي والتي تقف أمامها القيادات العربية مشلولة الفكر واليد. انها أزمة عميقة في المسؤولية أضاع القادة العرب الطريق للخروج منها أو لم يحزموا أمرهم من أجل ذلك. وقد أضاعوا الطريق لأنهم يفرون من مواجهة الحقيقة المؤلمة وهي أنهم، إلي حد بعيد، هم المسؤولون مسؤولية مباشرة وتضامنية عن وجود هذه الأزمة أو استمرار وجودها وعن الفشل في الخروج منها. فليس سبب الأزمة الهيمنة الأمريكية أو التعنت أو التفوق الإسرائيلي أو غياب العمل الدولي. فالمجتمع الدولي، بما فيه أمريكا، اتخذ العديد من القرارات لصالح قضايانا، سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو المنظمات والوكالات الدولية المتخصصة. فماذا فعل زعماؤنا ودولنا العشرون أو يزيد لضمان تنفيذ هذه القرارات؟ ماذا فعلوا تعبيرا عن جدية المطالبة بالتنفيذ سوي الاستجداء؟ لقد حاربوا وقصروا في الإعداد والتنفيذ، وألصقت التهمة، جورا وبهتانا، بالمقاتل العربي. ثم سلموا بما طلب منهم قبل أن يحصلوا علي ما لهم. انهم دائما يرمون بالمسؤولية علي الغير وقلما يخطر ببالهم أن يحاسبوا أنفسهم ليعرفوا إلي أي مدي يتحملون هم المسؤولية عما نحن فيه. ونستغيث بالعالم الإسلامي ونلومه علي التقصير، في حين أن زعماءنا يتحملون قسطا وافرا من المسؤولية عما تعانيه الأمة الإسلامية من هوان، وما نلاقيه منها من تقصير. فالعالم الإسلامي يتطلع إلي قيادة من الأمة العربية، وقد فشل الزعماء العرب في تحمل هذه المسؤولية، وكثيرا ما ضربوا المثل السيء في ذلك.

هم مسؤولون لأن السياسات التي ترسم والقرارات التي تتخذ هي سياساتهم الشخصية وقراراتهم الشخصية. فالواقع، كما قيل بحق، هو أننا في وطننا العربي لدينا رؤساء وليس لدينا حكومات. فالرؤساء يقررون والحكومات تلتزم، وقلما تشارك أو تستشار في اتخاذ القرار. ونضيف أنه بالكاد أن يكون لدينا كذلك مجالس نيابية أو مجالس شوري فاعلة أو أحزاب تقود أو لا تقود. ولولا بصيص من الأمل لقلنا بأنه ليس لدينا شعوب كذلك. فقد رضيت الشعوب بالأوضاع الشاذة التي نعيشها، وسكتت عن تهميش دورها وعن هضم حقوقها. وإذن فالقادة هم المسؤولون مسؤولية مباشرة لأنهم هم الذين يضعون السياسات ويتخذون القرارات. والآخرون مسؤولون لأنهم استكانوا ولم يقوموا بواجبهم.. أما الحكومات والمجالس والأحزاب فانها تتحمل مسؤولية التقصير في أداء واجباتها. واذا نظرنا الي المسؤولية في مجملها فان معني ذلك أن النظام كله يتحمل المسؤولية. وإذا كنا في هذا الحديث نركز علي مسؤولية الزعماء فمرد ذلك أنهم تمكنوا من حصر السلطة والقرار في أيديهم، ولكننا لا نبرئ الحكومات والمجالس والأحزاب والشعب من المسؤولية.

ومسؤولية الزعماء المعاصرين، مهما كانت ألقابهم، مسؤولية مضاعفة لأن الغالبية الساحقة منهم قد امضوا في كرسي القيادة زمنا يكفي لمعالجة ما ورثوه من أوضاع والانتقال بالأمة إلي مرحلة أفضل، لو أرادوا ذلك. غير أنهم فضلوا الاستمرار فيما كانت عليه الأمور، بل وزادوا من عندهم وبالا علي وبال، حتي وان ادعوا أنهم قد تمردوا علي الأوضاع البائدة . ولهذا فان الأمة العربية هي الأمة الوحيدة في العالم التي تبدأ القرن الواحد والعشرين وهي، نسبيا، أسوأ حالا وأضعف مما كانت عليه في منتصف القرن العشرين.

القيادات العربية هي المسؤولة عن عدم تنفيذ العديد من الاتفاقيات التي أبرموها فيما بينهم أو في نطاق جامعة الدول العربية، أقروها ثم لم يلتزموا بها، بل ومما يدعو إلي الدهشة حقا أن تسمع زعماء عرب، بعد انفضاض مؤتمرات القمة وبعد صدور قرارات وافقوا عليها جميعا، يصرحون بأن كل دولة حرة في أن تلتزم أو لا تلتزم بما اتخذ من قرارات. لماذا إذن قرروا؟ وما هو وزن قراراتهم والقاصي والداني يعلم أنها غير ملزمة؟ وانه لمن المضحك المبكي أن تصدر عن الوزراء المختصين أيضا قرارات يناشدون فيها حكوماتهم تنفيذ هذه الاتفاقية أو تلك، بدلا من أن يباشروا هم تنفيذ ما أبرموه باسم حكوماتهم في إطار اختصاصهم. لقد أقاموا في إطار جامعة الدول العربية العديد من المجالس المتخصصة، فماذا فعلت هذه المجالس علي مدي الخمسين سنة الماضية؟ المسئول هو الحكومات العربية، والحكومات في وطننا هي الزعماء، هي القادة.

انهم الآن يحاولون تقليد السوق الأوروبية المشتركة بالبدء في الجوانب الاقتصادية متناسين أن أوروبا وأمريكا قد سبقتا تلك الخطوة بإقامة حلف شمال الأطلسي، فضلا عن مؤسسات الدفاع الأوروبية، الذي يوفر الحماية العسكرية لكل تطور ولجميع مشروعات التنمية. لقد استطاعت إسرائيل عام 1964 ( أي قبل أربعين عاما) أن توقف العمل في بناء سد عربي علي نهر اليرموك (سد الوحدة)، بل ودمرت ما كان من أقيم من منشآت كما دمرت المعدات والآلات وحولت نهر الأردن والعرب عاجزون عن الرد. وحتي اليوم وبعد معاهدة السلام مع الأردن فان محاولات تنفيذ المشروع ما زالت تصطدم بالمعارضة الإسرائيلية مع أن المياه عربية والمشروع سينفذ في أرض عربية. ماذا فعل الزعماء العرب خلال الأربعين عاما هذه لضمان تنفيذ المشروع رضيت إسرائيل أم غضبت؟ ما الفرق إذن بين قبل معاهدة السلام وبعدها فيما يتعلق بالحقوق العربية والإرادة العربية؟ وإسرائيل اليوم تهدد لبنان لأنه باشر في تنفيذ مشروع لاسترداد حصته لا غير من مياه نهر الوزاني، ولبنان الأبي صامد حتي الآن وماض في التنفيذ، ومقاومته الباسلة واقفة لاسرائيل بالمرصاد. ودمرت إسرائيل المفاعل الذري العراقي، وها هي تهدد بتدمير السد العالي. تركيا تكاد تجفف نهري دجلة والفرات، وإسرائيل تتعاون مع إثيوبيا لتضييق الخناق علي مصر في موضوع مياه النيل. كل هذا يجري والزعماء العرب لا يوحدون جهودهم لحماية حقوقهم في الماء من الاغتصاب ليتركوا الأجيال القادمة بلا ماء. التنمية تحتاج إلي حماية، ويخطئ الزعيم العربي، كما ثبت عمليا، الذي يتوهم أنه يستطيع التخطيط للتنمية أو المضي في تنفيذ مشروعاتها دون توفير القوة القادرة علي حمايتها. العمل العربي المشترك ما زال بعيدا عن التفكير الجدي والتخطيط العقلاني السليم والالتزام لدي الزعماء العرب، وما زال ضيق الأفق والنزعات الفردية هي المسيطرة. وكيف يمكن أن يتحقق عمل عربي مشترك له صفة الدوام والتطور ما دام الزعماء لا يلتزمون بتنفيذ ما يقررونه هم أنفسهم في مؤتمراتهم، وما دامت المتابعة الجادة للتنفيذ منعدمة، حتي عندما يقرر الزعماء أنفسهم هذه المتابعة. أين لجنة المتابعة التي أقامها مؤتمر قمة عمان. لم يعد لها وجود في الواقع، ولم يعد يسأل عنها أحد، ولا يكترث لوجودها أحد.

وكما أفشل الزعماء تنفيذ اتفاقيات العمل العربي المشترك وأفشلوا تنفيذ قراراتهم في مؤتمرات القمة، فانهم أيضا أفشلوا التحركات الوحدوية التي وقعت أيام المد القومي، والتي كانت بمبادرات منهم هم استجابة لذلك المد. أين الجمهورية العربية المتحدة (بين مصر وسوريا) واتحاد الجمهوريات العربية (بين مصر وسوريا وليبيا والسودان فيما أظن) والاتحاد الهاشمي (بين الأردن والعراق) والجمهورية الإسلامية (بين تونس وليبيا) واتحاد الدول العربية بين مصر واليمن؟ أين ذهبت هذه؟ لقد أماتها الزعماء دون الرجوع إلي الشعوب التي استفتيت عليها أو أيدتها. وماذا كان مصير إعلان دمشق بين دول الخليج ومصر وسوريا؟ والآن يوجد الاتحاد المغاربي. فأين هو علي أرض الواقع ومن هو المسئول عن عدم تفعيله؟ ومجلس التعاون الخليجي، ماذا حقق علي أرض الواقع علي مدي هذه السنوات الطويلة التي مرت عليه؟ من هو المسئول عن المسيرة السلحفائية للاتحاد المغاربي ومجلس التعاون الخليجي؟ إن المحاولتين الوحدويتين اللتين ثبتتا هما دولة الإمارات العربية المتحدة، وهذه أقيمت بتأثير بريطاني مباشر، والجمهورية العربية اليمنية التي حوفظ عليها، لحسن الحظ، بالقوة في مواجهة حركة انفصالية قادها زعماء كانوا يدعون الوحدوية.

إن النتيجة التي توصل إليها كثيرون، وخاصة الزعماء بطبيعة الحال، هي أن الظروف ليست مواتية للعمل العربي الوحدوي، وذهب البعض إلي أن المد القومي لم يكن بالقوة والوعي كما يجب. وفي رأينا أن هذا فرار من مواجهة السبب المؤثر المؤدي للفشل، وهو الزعماء أنفسهم. فقد كانوا هم أصحاب القرار في جميع هذه الأمور، ولو أنهم ارتفعوا إلي مستوي المسؤولية وقرروا والتزموا ونفذوا لرحب الشعب العربي كله بذلك ولوجدوا الشعب إلي جانبهم.

وإذن وبالرغم من الضرورة الملحة في الماضي والحاضر ومن أجل المستقبل لتفعيل العمل العربي المشترك إلا أن الزعماء ما زالوا يراوحون في مواقفهم، وما زالوا يرتجلون السياسات، وهي كلها ردود فعل آنية لمشكلة تطرأ هنا أو هناك، وليس لديهم أية خطط مدروسة ومعدة لمواجهة احتمالات المستقبل ، ولهذا فانهم يتخبطون ويفرون دائما إلي الغير لينقذهم مما هم فيه وتدفع الشعوب الثمن.

وحتي الأسلحة التي أنفقوا عليها البلايين لم يفكروا في استعمالها لأنهم، علي ما يبدو، إذا نحن أحسنا الظن، قد استكانوا لمقولة التفوق العسكري الإسرائيلي. إن الحرب الوحيدة التي أعد لها العرب هي حرب الاستنزاف ومعركة العبور المجيدة اللتين خاضتهما القوات المسلحة المصرية بشرف، بالرغم من التفوق الإسرائيلي في العتاد والمعدات. لقد ظلمت الأنظمة العربية المقاتل العربي بتخليها عن إعداده الإعداد السليم والاكتفاء بتخزين الأسلحة، وانعكس ذلك مع الأسف علي المواطن العربي الذي فقد ثقته هو الآخر في القوات النظامية العربية.

وعبثا أن يتعلم الزعماء الدرس فيستعدوا ويخططوا بالاعتماد علي القوة الذاتية للأمة العربية وبناء هذه القوة بالعمل العربي الجاد.

إن المشكلة الحقيقية هي أنه لم يقع التطور المطلوب علي مدي الخمسين سنة الماضية وهو التطور في نظام وأسلوب الحكم. فقد بقيت الفردية والاستئثار الفردي بالسلطة والقرار علي ما كانا عليه، بل وحدثت أحيانا ردة سيئة زادت من الفردية والاستئثار، وتقلصت أو اختفت فرص المحاسبة والمساءلة والمشاركة في اتخاذ القرار. ولا بد لنا بهذه المناسبة من التعبير عن ترحيبنا بما قام به المجلس التشريعي الفلسطيني مؤخرا من إرغام الحكومة الفلسطينية علي الاستقالة. هذه خطوة سليمة وفي الاتجاه الصحيح، وتكون سابقة ندر أن نجد لها مثيلا علي مدي الخمسين سنة الماضية في الوطن العربي رد بها جزءا من الاعتبار للشعب الفلسطيني ونرجو أن تسير عليه المجالس النيابية في الوطن العربي.

إن السلطة في حد ذاتها تغري بالفساد، وإذا كانت السلطة مطلقة، كما هو الحال في معظم البلدان العربية، فان انتشار الفساد هو النتيجة الطبيعية، وقد عم وفاض. والنتيجة الطبيعية المرتبطة بذلك هي محاولة حماية هذا الفساد من المساءلة والمحاسبة. والطريق إلي ذلك هو الإمعان في الانفراد بالسلطة ومحاولة تحويلها إلي سلطة أبدية يستمر فيها صاحبها إلي أن ينقضي أجله وأجل ذريته من بعده. ونظرا للاطمئنان للبقاء في السلطة لم يعد يكترث القائد بمراجعة سياساته الخاطئة للعدول عنها، بل ومن الطبيعي أن يتحجر عند مواقفه والسياسات التي درج عليها. وبالنتيجة أصبح الزعيم العربي قائدا ملهما لا يأتيه الخطأ من أي جانب، ونمت لدي كثير من الزعماء العرب نرجسية قتالة صارت هي الموجه لتصرفاتهم.

هذه الأوضاع لا يجوز أن تستمر. وفي حديثنا التالي سنتقدم ببعض الاقتراحات، ونحن علي ثقة بأن هذه الأزمة تشغل بال الكثيرين وبتضافر الجهود سيكون المخرج منها بطريقة أو بأخري اذا صدقت النوايا.