`الكنيست` الامريكي!

 

بقلم :  رشاد ابوداود

 

  

اعتمادا على قوتها استمرأت الولايات المتحدة في عهد بوش الابن لعبة القفز في بحور العالم المائجة. لكنها، هذه المرة، وبالقانون الذي اصدره الكونغرس المتضمن الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل، تقفز الى محيط من الدم والنار لا تدرك حجمه او حدوده ومن سيحترق في أتونه.

لقد صدق بعضنا الاميركيين عندما طرحوا السؤال: لماذا يكرهوننا؟ لكن احدا منا لم يطرح السؤال: الى متى يحتقروننا ويستخفون بنا؟ ولان السؤال مغيب مباشرة او تلميحا في كل اللقاءات العربية الامريكية فقد تجرأ اعضاء الكونغرس على ادراج البند 214 في قانون العلاقات الخارجية. ايضا لان الارقام تذكر ببعضها، فان الذين تقلصت لديهم فقرة الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة في القرار 242 الى بضعة امتار تضم مقر الرئيس الفلسطيني، يستحقون ان يستخف بهم الكونغرس وربما اكثر!

لكن هذا الاستخفاف ربما ينطبق على انظمة ودول لكنه ابدا لا ينطبق على الشعوب، فالامريكيون، حديثو عهد بالتاريخ، وربما اعتقدوا ان تلك الصورة المعلقة في معظم بيوت المسلمين لقبة الصخرة والمسجد الاقصى مجرد لوحة لرسام شهير. او ان غرور القوة اعماهم فلم يعودوا يرون الا ما تشير اليه الاساطير التوراتية في خارطة المنطقة. ولم يتعظوا من تجربة تلك الخارطة التي تتصدر جدران بيوت الفلسطينيين، اينما كانوا، كالخنجر الذي ينزف دما ولم يرتو ولم ينحن.

لقد كشف قانون الكونغرس مهزلة اللافتات المزيفة التي ترفعها الادارة الاميركية تغطية لاهداف اقذر واعمق ضد كل ما هو عربي واسلامي في المنطقة. واكدت ان الحكاية ليست حكاية ارهاب وارهابيين وليست حكاية صدام حسين واسلحة دمار او عرفات واستشهاديين او فساد ومفسدين.. وان الاميركيين يسيرون كالبلهاء وراء ما يخططه المفسدون في الارض على مر العصور.

وسيذكر التاريخ ان الاميركيين وقعوا في حفرة اعدها اليهود بعناية ودخلوا نفقا لن يؤدي الا الى نهاية مظلمة.

وبكلام السياسة يعني قانون الاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل اعلانا بتحويل قضية فلسطين والشرق الاوسط برمتها من قضية صراع اقليمي عسكري وسياسي الى قضية دينية. ومن مسألة تتعلق بثلاثة ملايين فلسطيني الى اعلان حرب ضد مشاعر وانتماء مليار مسلم في انحاء العالم منهم عدة ملايين داخل اميركا نفسها.

انه الجهل بالتاريخ وبالمصالح الاميركية الحقيقية المجردة من الاغواءات الاسرائيلية وهي خطوة لانتاج ما تسميهم ادارة بوش »ارهابيين« واستشهاديين لا يقتصر هدفهم على دبابة اسرائيلية او محطة باصات في القدس او تل ابيب.

الهدف المنظور للبند 214 للكونغرس الذي نكاد نقول »الكنيست« الامريكي هو احداث توتر في الدول العربية واضعاف سلطة الحكومات التي لا بد ستجد نفسها في موقف حرج بين الغليان الشعبي وبين الغضب الاميركي ان لم تتصد للغليان. والنتيجة فوضى ومزيد من التطرف حذر منه مرارا قادة عرب.

طبعا تحفظ بوش على البند المذكور لن يحفظ للعرب والمسلمين حقهم في القدس. وما اسماه البيت الابيض »حق« الرئيس في تجاهل بعض بنود قانون العلاقات الخارجية التي تخالف مسؤولياته الدستورية في السياسة الخارجية، لا يقنع احدا. وسواء تحفظ بوش على سياسة الكونغرس بشأن القدس او تحفظ الكونغرس على سياسة بوش بشأن العراق فان العرب هم من سيدفع الثمن.. وكذلك دافع الضرائب الاميركي.

لكن السؤال الكبير: متى سيقرر العرب دفع ضريبة ضعفهم وتقاعسهم، وماذا تبقى من مقدسات لم تدنس وحرمات لم تنتهك وكرامات مسحت بها الارض وهم لا يزدادون الا خنوعا..