الولايات المتحدة طرف في الصراع الديني على القدس

 

 

بقلم : باتر محمد علي وردم

  

من الواضح أن الكونغرس الأميركي المتصهين يريد أن يورط الإدارة الأميركية في صراع ديني طويل مع العالم الإسلامي من خلال فرض بنود في قانون موازنة وزارة الخارجية تجبر البيت الأبيض على اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل. إن هذا الابتزاز الوقح، تحت شعار الديمقراطية يشكل نقطة محورية في علاقات الولايات المتحدة مع العالم الإسلامي، ومع أكثر من مليار مسلم غالبيتهم العظمى غير مقتنعة بمواقف حكوماتها من الصراع العربي -الإسرائيلي وتعتبر أن من حقها اتخاذ خطوات وإجراءات فردية أو جماعية ضد من يسئ إلى الإسلام أو يتجاهل حقوق المسلمين.

طوال فترة الصراع العربي-الإسرائيلي، وبالرغم من الانحياز الأميركي المطلق لإسرائيل سياسيا، بقيت الإدارة الأميركية حذرة جدا في الانغماس باتخاذ مواقف دينية مؤيدة لإسرائيل والصهيونية تستفز العالم الإسلامي، ولهذا رفضت الإدارة الأميركية دائما اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل قبل أن يتم الاتفاق عليها في المفاوضات النهائية، وربما تلك هي الحسنة الوحيدة للولايات المتحدة في إدارتها لأزمة الشرق الأوسط، من خلال محاولة الفصل ما بين الديني والسياسي.

لكن حتى هذه الحسنة ستذهب أدراج الرياح، مع هذا القرار الجديد للكونغرس والذي يجعل الولايات المتحدة، كدولة ومؤسسات وإدارة سياسية في مواجهة مباشرة مع العالم الإسلامي، لأنه مهما وصلت حدود العقلانية والتنازلات والتكيف مع موازين القوى، فإن أمرا واحدا لا يمكن أن يقبله مسلم، ولا يمكن أن يتجرأ على قبوله زعيم عربي أو مسلم وهو القبول بفكرة أن تكون القدس عاصمة لإسرائيل.

أن المجال الضيق الوحيد الذي كان يمكن استيعابه، وبالكثير من الصعوبة والصراع الداخلي هو أن تكون القدس عاصمة لدولتين، فلسطينية وإسرائيلية مع الوصول التام للمقدسات الدينية من قبل جميع الأديان، وأن يتم ذلك الإعلان بالتوازي بين الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية. أما وأن تصبح القدس، بتركيبتها وخصائصها السكانية والمعمارية الحالية عاصمة لإسرائيل في ظل الحصار التام للشعب الفلسطيني والجرائم الإسرائيلية المتكررة وإلغاء تفاهمات واتفاقيات أوسلو من قبل إسرائيل وتدمير البنية التحتية للدولة الفلسطينية، فهذا يعني تقديم هدية أميركية كبيرة لإسرائيل مقابل جرائمها مما يشجعها على ارتكاب المزيد منها.

حتى لو قال الرئيس الأميركي أن هذا القرار »توجيهي« وغير ملزم، ويحق له تجاهله فإن السابقة هي أن قانونا وتشريعا أميركيا قد أقر للمرة الأولى أن القدس هي عاصمة لإسرائيل، وهذه نقلة نوعية مأساوية في الانحياز الأميركي لإسرائيل ومن الصعب جدا ترميم هذه الكارثة وتسويق تبريرات الإدارة الأميركية على العالم الإسلامي.

المطلوب الآن حملة سياسية إعلامية عربية وإسلامية ترتقي إلى حجم هذا الاستفزاز، ومن مسؤوليات النظام العربي والإسلامي الرسمي بكل مؤسساته أن يرد على التحدي وإلا فإن الشعوب المسلمة والتنظيمات غير الرسمية سوف ترد، ونحن نعلم جميعا مدى قدرتها على الرد. وقبل أن تبدأ الأنظمة العربية والإسلامية الرسمية بنقد الإرهاب والإعلان عن مكافحته فعليها أن تتخذ موقفا صارما ضد هذا الاستفزاز الأميركي الوقح والذي يؤكد مرة أخرى على استهانة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي واتخاذها موقفا دينيا صهيونيا يهوديا واضحا في هذه المسألة الحساسة، وبالتالي أصبحت طرفا رئيسيا في صراع ديني حول القدس لم يجد له حلا سياسيا مقنعا حى الآن بل أن كل الشواهد تؤكد بأن صراع القدس لن يحل إلا دينيا، ولكن الموقف الأميركي الحالي هو خطوة أخرى نحو تدهور الوضع إلى مرحلة اللاعودة.