على العهد يا صاحب الذكرى باقون

 

 

بقلم :  الدكتور سليم سليمان الانصاري

 

اقتضت مشيئة الخالق سبحانه وتعالى ان يتعمق الارتباط بين مسجد عتيق في ركنه حجر اسود ومسجد مبارك تحت قبته صخرة مشرفة واذا كان (اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين) آل عمران 96 فثاني مسجد اقيم بعده هو (المسجد الاقصى الذي باركنا حوله) الاسراء 1 فلا غرابة في الجمع بينهما وربطهما برباط وثيق تجلى بمعجزة الاسراء والمعراج المباركة، التي غدت جزءا من عقيدة المسلم سجلها القرآن الكريم فخلدت بخلوده.

واذا اعتبرنا كل معجزة لنبي كرامة لبني امته فلا ريب في ان معجزة الاسراء والمعراج عنوان عقيدة المسلم التي تنبع اهميتها من قوة الايمان بالخالق سبحانه واصرار عباده على نصرة دينه فقد شاء جل جلاله ان يكون محمد العربي الامي الصادق الامين اول فاتح لبيت المقدس، ارهاصا بوضعها امانة في ايدي ابناء امته ثم تلاه الفاروق عمر يوم تسلم مفتاح المدينة ممثلا للمجاهدين الفاتحين، وكان صلاح الدين احد ابطالها الذين اعادوا لها سيرتها حرصا منه على الا يضيع ما بذله الاباء والاجداد في سبيلها فجمع الجموع في احلك الظروف التي كان عليها ابناء الامة الاسلامية حيث انتشر في ارجاء الدولة الاسلامية الوهن وشاع التحلل وكاد الفساد يعم ولكن، ثمة قلوب لم تكن فارغة، فأوقد فيها صلاح الدين جذوة الايمان وجعل منها جحافل تنتصر للخالق سبحانه وللعقيدة ومبادئها وتراثها الانساني فكان صلاح الدين نعم القائد الامين على دينه وقام بما شرفه الله تعالى به من تكليف بثبات ورباطة جأش لا تتأتى الا للعظماء من القادة.

ان الذي بعث في هذه الامة الفاروق عمر والناصر صلاح الدين سيبعث - متى شاء - لهذه الامة من يلم شملها ويقودها للنصر باذن الله وسنبقى على موعد مع هذا الشريف الغيور رابط الجأش.

ومن الدلائل على اهمية الاسراء والمعراج في ادبياتنا ما كرم الله تعالى به صاحب المعجزة ليلة عرج به الى الافق الاعلى: (ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين او ادنى، فأوحى الى عبده ما اوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى) النجم 8 - ،11 فرآه بفؤاده لا بأم عينيه، بيد ان الرؤية لم تبلغ نهايتها (ولقد رآه نزلة اخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، اذ يغشى السدرة ما يغشى، ما زاغ البصر وما طغى، لقد رأى من آيات ربه الكبرى) النجم 13 - 18. وحين غشي السدرة كان مما اعطي الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، والنهي عن المقحمات او الكبائر التي تقحم مرتكبها نار جهنم. فأي نفحة ربانية وأي شرف هذا الذي استأثر به امامنا وهادينا؟ الا يكفينا ما شرف الله تعالى به امة محمد عليه السلام بقوله عز من قائل (ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا) فاطر ،32 وهذا معناه ان صفوة اهل الكتاب هم امة محمد صلى الله عليه وسلم فحري بها ان تحفظ هذا التكريم، وان تواجه احقاد اولئك الذين حرمهم جل وعلا هذا التشريف حين نقل تبليغ الرسالة واداء الامانة الى ابناء (خير امة اخرجت للناس) آل عمران 110 بعد تطاول بني يهود على الذات الالهية، وقتلهم الانبياء بغير حق ونشرهم البغي والفساد في الارض، فليس مستغربا ان يواجه المسلمون مكائد الاحتلال وعربدته وجبروته ما دامت صدور المحتلين مملوءة بالحقد وقلوبهم مزروعة بالبطش والتنكيل! وسيبقى الصراع قائما الى يوم الدين، في بؤرة هي بيت المقدس حيث الحرم القدسي الشريف وفيه المسجد الاقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة وهو بوابة السماء، منه الصعود يوم ينفخ في الصور كما حدثت به الاخبار المتواترة وكتب التفاسير.

واليوم بعد مضي خمس وثلاثين سنة على وقوع ارض الاسراء والمعراج في قبضة المحتل، وبقاء الاقصى اسيرا امام بصر ابناء خمسة وخمسين قطرا يشكلون العالم الاسلامي وملء اسماعهم لا نزال على موعد مع قيام قائد شهم ابي يمحو العار وينتصر لدين الله ولاخوانه الصابرين الصامدين في مواجهة اعتى هجمة طغى فيها المحتل وامعن تقتيلا وتشريدا وحصارا وهدما وتجريفا واعتقالا وسجنا وتصفية وغير هذا مما لا يتسع المقام لسرده، من اعمال عربدة وصلف ما كان لها ان تستفحل من دون مليارات الدولارات التي يغدقها العم سام، والفيتو الذي يحول دون الادانات واقرارها. فصراعنا مع المحتل ليس صراعا عربيا اسرائيليا، ولكنه صراع بعض العرب مع بعض ابناء الغرب، ومن دون ما يقدم الغربيون لهذا المحتل ما كان ليقوم له كيان، ولا يقوى على ان يلوح بالتهديد والوعيد ضد وجودنا وحدودنا ومياهنا وحتى تسليح من يقف في وجهه، مع ان ترسانته الحربية طافحة باسلحة قذرة ومحرمة دوليا وما كان لهذا المحتل ان يعربد ويطغى، الا بتدليل اهل الغرب له، حتى بلغ الامر ان اصبح العم سام يجاهر بالحرب ضد من يتصدى للاحتلال، ويؤكد ضمان الامن له على حساب حقوق غيره!

وعلي المحتل ان يفطن الى انه ما من عشيرة او قبيلة او حمولة او عائلة الا وثكلها الباغي بقتل احد ابنائها وما من حر يقبل الضيم مهما طغى الطاغوت وتجبر الجبروت، فالله حي لا يموت مهما اشتد بنا الحال، فالشدائد محك الرجال، وسيجني الجاني حصاد ما زرع، طال الزمان او قصر وما يتغنى المحتل به من تفوق آلته الحربية وهم لا بد ان ينهار، ولن يدوم مهما طال عليه الامد، ورغم كل ما حل بنا من انكسارات واحباطات فلا بد للفجر ان يعقب هذا الليل الطويل، بهذا خبرتنا الايام، وهي سنة الله في خلقه (بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا) الكهف 58 ولنا ان نتدبر كذلك قوله (بل الساعة موعدهم والساعة ادهى وامر) القمر 46 فتطمئن قلوبنا الى تحقق النصر على كل من طغى وتجبر.

واليوم ونحن نسترجع ذكرى الاسراء والمعراج الشريفة تبقى عقيدتنا وصدق الايمان في نفوسنا خير معين لنا في صراعنا مع الاحتلال فصراعنا طويل ويزداد حدة مع الايام، ونحن نعلم انه لن يرجع الارض المغتصبة عهد ولا ميثاق ولا مؤتمر ولا قرارات محبرة ولا خطب منبرية تلوك كلاما سئمنا من سماعه كثيرا، غير اننا باقون على عهدنا لصاحب هذه الذكرى، ولن نفقد الوعي ما دام لسان حالنا يقول:

لا تقولوا انتهى الطريق الى (ايلياء) فينا

ولا تقولوا انتهينا

نحن ادرى بما سقينا من العار

وادرى بما ادير علينا

كم سألنا ونحن ادرى بما فينا:

اصدق ما قيل

ام كان مينا؟

وكثير من السؤال اتهام

وكثير من رده في يدينا

ونداريه لا حياء وخوفا

بل حفاظا عليه من اهلينا

ويبقى ان نؤكد اننا لسنا في حاجة الى امتلاك اسلحة دمار شامل ولا انتاجها بل اننا في حاجة الى قطع اي يد يفكر صاحبها ان يقذف علينا ما بيده من اسلحة قذرة، ينتجها ويتزود بها ولا يحاسب على التهديد بها، فعلينا ان نسلك طريقا تجبر المتربصين بنا ان يفكروا قبل استعمالها، ولن نعدم الوسيلة التي تجعل اسلحة الدمار الشامل وبالا على من يصنعها ومن يزود بها ومن يتزود بها، وعلى الباغي تدور الدوائر.