لكأننا احجار شطرنج، تجري ازاحتها كيفما شاء
ومتى اشتهى »باحثو مراكز الدراسات وخبراء التخطيط الاستراتيجي« في الولايات
المتحدة، ليس فقط بالضد من ارادتنا، ولكن ايضا من دون علمنا.
آخر صرعات »التخطيط الاستراتيجي« التي يجري
تسريبها، عبر صحف تل ابيب على نحو خاص، تنهض على فرضيتين، او تقترح سيناريوهين
متوازيين تنتظم وفقهما الاحداث المقبلة في المنطقة:
احدهما، يقتضي تغيير النظام في العراق،
باعتبار ذلك مقدمة (نصر تكتيكي) للمخطط، على ان السعودية ستحل ثانية في قائمة
الاستهدافات الامريكية لتغيير صورة الشرق الاوسط وملامحه.. اما مصر، كبرى الدول
العربية، فلا تحتل سوى مكانة »جائزة الترضية« في هذا المشروع.
وثانيهما، يعتمد نظرية »الازاحة شرقا« ان جاز
التعبير.. فاسرائيل ستنراح حدودها شرقا مبتلعة فلسطين بالكامل، وهذه بدورها ستنراح
شرقا لتبتلع الاردن بكامله، اما العراق، اول غيث المشروع، فيستقر كمملكة هاشمية،
بعد ان يفقد الاردن صفتيه/ هويتيه: الاردنية والهاشمية على حد سواء.
مثل هذا التفكير يليق بنخب اسرائيلية موغلة
في تطرفها الايديولوجي/التوراتي.. على انه يقترب من التحول الى مهزلة عندما ينسب
الى مراكز تخطيط وتفكير استراتيجية في واشنطن.. اللهم الا اذا كان القائمون على
هذه الابحاث هم انفسهم كهنة شاس ورابايات المفدال، ومجانين الترانسفير من ايتام
ورحبعام زئيفي.
والغريب في امر مثل هذه السيناريوهات الكئيبة
انها تتكاثر جنبا الى جنب مع سيناريوهات اخرى تذهب في اتجاه مغاير تماما.. فحديث
الدولة الفلسطينية المستقلة، بات سيد الاحاديث جميعها بعد خطاب »الرؤية« الذي ادلى
به جورج بوش.. وبعد ان اخذ يتردد في جميع عواصم العالم من دون استثناء.. وبعد ان
ايقن الاسرائيليون بعد عامين من العدوان وسياسة الارض المحروقة ان الضفة والقطاع،
لقمة عصية على الهضم والابتلاع، وان الدولة الفلسطينية آتية لا ريب فيها.
الغريب في امر هذا السيناريو، انه يأتي في
الوقت الذي يرفض فيه العالم فكرة تغيير النظام العراقي من الخارج، بل ويتحفظ بشدة
على جهود استصدار قرار دولي جديد بخصوص المفتشين.. فأي عالم هذا الذي »سيلحس« جميع
تحفظاته ومواقفه السابقة، ليقبل بهذه الازاحات لدول وشعوب وقيادات، وعلى هذا النحو
المفرط في البساطة والتبسيط، حد السذاجة.
مشكلة هذه السيناريوهات المعدة في غرف مغلقة
محكمة التكييف، انها تقفز عن حقيقة ان هذه الدول تقيم بين ظهرانيها شعوب، يقطنها
قرابة الخمسة والثلاثين مليون انسان.. وان لهم وجهات نظرهم حيال هذه المسألة، حتى
وان غلبوا على امرهم ردحا من الوقت، وان السادة حملة »شهادات الاختصاص والخبرة« في
المراكز المذكورة، لا يمكن ابدا ان يصنعوا تاريخ هذه المنطقة، ولا ان يرسموا
صورتها وملامحها.