بقلم : علي الصفدي
تتصرف اغلبية الاعضاء في الكونجرس الامريكي
ازاء قضية القدس وكأنهم لا يعلمون ان القدس لم يتم البت في امرها بعد في اية
مفاوضات سابقة، وانها مدرجة على جدول مباحثات الوضع النهائي وفق ما نصت عليه اتفاقات
اوسلو بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي رعاها وتبنى التوسط على اساسها البيت
الابيض، وكأنهم لا يعلمون ايضا ان قرار مجلس الامن الدولي رقم 242 الذي صدر عام
1967 قد دعا الى عدم جواز احتلال الارض بالقوة والى انهاء الاحتلال، وان القرار
شمل ضمنا القدس الشرقية باعتبارها ضمن الاراضي التي تم احتلالها، وينطبق عليها ما
ينطبق على تلك الاراضي التي يجب ان يزول عنها الاحتلال الاسرائيلي، ويتصرف نواب
الكونجرس وكأنهم لا يدركون انه ليس من حقهم اختيار عاصمة لبلد اخر غير بلدهم مهما
كان ارتباطهم به، الا انهم يضعون نصب اعينهم مصلحة اسرائيل قبل المصلحة الامريكية،
ويسعون الى نيل الرضى من الائتلاف الليكودي الصهيوني المتطرف قبل الاخذ بعين
الاعتبار موقف حكومتهم والاعتبارات السياسية التي تتحرك وفقها، لذلك يخضعونها
للضغوطات والاشتراطات بعدم تمرير ما تطلبه منهم من تشريعات سياسية ومالية الا اذا
وافقتهم اهواؤهم واستجابت لطلبهم بتعزيز مكانة القدس كعاصمة لاسرائيل واصدار
توجيهاتها بتضمين ذلك في وثائقها الرسمية المتعلقة باسرائيل وقد ربط الاعضاء
المتحمسون لاسرائيل موافقتهم على تحويل المخصصات التي تنفق على الشؤون الخارجية
للعام القادم والتي تبلغ اكثر من اربعة مليارات دولار بمصادقة الادارة على قرارهم
حول القدس. وقرروا الكف عن تحويل الاموال الى القنصلية الامريكية في القدس الا اذا
خضعت لمسؤولية السفير الامريكي، قاصدين بذلك الغاء اي صفة تمثيلية لها لدى السلطة
الوطنية الفلسطينية.
لقد رضخ الرئيس بوش لحملة الكونجرس المتجنية
على القدس العربية وعلى الحقوق الفلسطينية - العربية - الاسلامية فيها، واتخذ
قرارا يوم الاثنين الماضي بالموافقة على القانون الذي يلزم ادارته باعتبار القدس
عاصمة لاسرائيل، ثم اصدر بيانا ينطوي على تناقض في الموقف الامريكي يقول فيه (ان
مشروع القانون يعكس مشاعر الكونجرس حيال القدس ولكنه ليس بالضرورة ملزما للسياسة
الخارجية الامريكية) فهل يعقل ان تشير جميع الوثائق الرسمية الى القدس كعاصمة
لاسرائيل دون ان يلزم ذلك بالتالي وزارة الخارجية والاجهزة التنفيذية الامريكية؟
وامعانا في ازدواجية الموقف اعلن الناطق باسم الخارجية الامريكية ان واشنطن ما
تزال ترى ان وضع القدس يجب ان يتحدد خلال محادثات الوضع النهائي بين الاسرائيليين
والفلسطينيين موضحا ان الادارة الامريكية تعارض دوما اي اجراء تشريعي من شأنه
عرقلة صلاحيات الرئيس فيما يتعلق بالمصالح الامريكية في المنطقة ونشر سلام عادل
ودائم فيها.
انها ليست المرة الاولى التي ينحاز فيها
الكونجرس كليا الى جانب اسرائيل بل هي حلقة في سلسلة من الانحيازات التي مارس
خلالها الضغط على الادارات الامريكية السابقة لنقل السفارة الامريكية من تل ابيب
الى القدس دون مراعاة للدور الامريكي في الوساطة الذي يفترض به الحياد والنزاهة
بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي، ودون مراعاة للمصالح الامريكية في العالمين
العربي والاسلامي.
ولكن بالرغم من كل القرارات والمواقف الجائرة
ستبقى القدس الشرقية بكل ما فيها من مقدسات اسلامية ومسيحية مدينة عربية فلسطينية
وعاصمة لدولة فلسطين التي لا بد ان تقام في يوم من الايام.