هل يشكل العراق خطرا على الولايات المتحدة؟

 

 

 

بقلم :  الدكتور محمد علي الفرا

 

  

قد يتساءل الكثيرون عن دوافع هذه الحملة الشرسة على العراق، وهل هناك ما يستدعي دق طبول الحرب، واعلان النفير العام، وتوجيه الكثير من الاتهامات الباطلة للعراق لتبرير شن الحرب عليه؟ وهل اصبح النظام العراقي - كما تدعي الادارة الاميركية - يهدد جيرانه، ويعرض امن العالم وسلمه للخطر، وفي الوقت نفسه يهدد الولايات المتحدة ومصالحها، ام ان ادارة الرئيس بوش افتعلت هذه الازمة لتصرف الناس عن سوء الاوضاع الاقتصادية في البلاد وتوجههم نحو خطر افتعلته او اختلقته؟ وما هو الدور الذي تقوم به الصهيونية العالمية في التأثير على السياسة الخارجية الاميركية، وبخاصة بعد تحالفها مع اليمين المسيحي المتطرف الذي يهيمن على الادارة الاميركية الحالية؟

ان عداء الولايات المتحدة للنظام العراقي وانقلابها عليه لم يكن سببه غزو الكويت، كما يعتقد كثيرون، وانما هو مخطط له قبل ذلك، وان غزو الكويت كان بمثابة المصيدة التي وقع فيها النظام العراقي بمكيدة اميركية.

ربما يعرف كثير من المطلعين على مجريات الاحداث المحلية والعالمية بان العلاقات بين العراق والادارة الاميركية في عهد الرئيس »رونالد ريجان«، وفي اثناء الحرب الايرانية - العراقية كانت قوية على الرغم من ان التمثيل الدبلوماسي بين البلدين كان مقطوعا، وقد كشف عن هذه العلاقات العميقة والقوية الصحفي الاميركي المعروف »الن فريدمان« في كتابه الوثائقي »نسيج العنكبوت: التاريخ السري لكيفية تسليح البيت الابيض العراق بطرق غير مشروعة«، وقد عرض هذا الكتاب على الرئيس »جورج بوش« الاب، فلم يعلق عليه، واكتفى بالسكوت، والسكوت علامة الرضا كما يقولون ومن المعلوم بان »جورج بوش« كان آنذاك نائبا للرئيس »ريجان« ثم خلفه في الرئاسة بعد ذلك.

يقول »فريدمان« في بداية كتابه بان الرئيس ريجان بمجرد سماعه نبأ الغارة الاسرائيلية على المفاعل النووي العراقي في 7/6/،1981 عقد اجتماعا عاجلا في البيت الابيض، حضره كل من نائبه جورج بوش، ورئيس موظفي البيت الابيض جيمس بيكر، ووزير الدفاع كاسبر وينبرغر، ووزير الخارجية الكسندر هيج، وقد ابدى الجميع انزعاجهم من هذه الغارة. وكان وزير الدفاع اكثر المنزعجين لاعتقاده بان العراق يمكن ان يصبح بمثابة الحليف السري للولايات المتحدة في صراعها مع نظام آية الله الخميني في ايران، وكان الطلبة آنذاك يحتجزون موظفي السفارة الاميركية في طهران ويحاصرونهم، وكانت الادارة الاميركية تعتقد انذاك بان العراق مؤهل لصد الاخطار المتوقعة من انتشار ما اسمته »الاصولية الاسلامية« في منطقة الخليج.

ويستطرد »فريدمان« قائلا بان البيت الابيض اوعز للمندوبة الامريكية في الامم المتحدة »جين كيركبا تريك« بان تتعاون سرا، ومن وراء ظهر وزير الخارجية »الكسندر هيج« مع كل من وزير خارجية العراق والمندوب العراقي في الام المتحدة لصياغة قرار يدين اسرائيل لقصفها المفاعل العراقي.

وكخطوة نحو تحسين العلاقات بين العراق والولايات المتحدة اقدمت الادارة الامريكية على شطب اسم العراق من قائمة الدول المساندة للارهاب، كما قامت بتزويد العراق بأسلحة اميركية عن طريق طرف ثالث ليتمكن من صد هجوم ايراني واسع النطاق تمكن بموجبه من الوصول الى منطقة مجنون العراقية، وقد ارسل الرئيس ريجان مبعوثه الخاص »دونالد رامسفيلد« (وزير الدفاع الحالي) الى بغداد حاملا رسالة يعرض فيها عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وقد اشترط العراق وقف تزويد ايران بالاسلحة، ومن المعلوم بان الادارة الاميركية كانت تزود الطرفين بالاسلحة، وكان في تلك الادارة من يؤيد ايران، وعلى رأسهم وزير الخارجية »الكسندر هيج« الذي عارض التقارب مع العراق.

ويذكر »فريدمان« في كتابه اشكالا من الدعم الامريكي للعراق منها ارسال صور جوية تحدد المواقع الايرانية الهامة والحساسة التي تنصح الادارة الاميركية العراق بقصفها من الجو، وايفاد عدد من الخبراء العسكريين الامريكان لتقديم المشورة للجيش العراقي في الميدان.

وفي هذه الفترة كانت الادارة الامريكية تشجع الاعمال الجهادية ضد الوجود العسكري السوفياتي في افغانستان وتسهل دخول المتطوعين العرب الى افغانستان، وقامت بمد المجاهدين الافغان بالمال والعتاد والسلاح، واستقبل الرئيس »ريجان« بعض قادتهم في البيت الابيض، ووافق على طلبهم بتزويدهم بصواريخ ستنجر المتطورة التي استخدمت في ضرب الدبابات والمدرعات والطائرات السوفيتية.

بعد انتهاء الحرب العراقية - الايرانية، وزوال خطر تصدير الثورة الاسلامية الى الخارج، كما كان يعلن قادة وزعماء ايرانيون برز في الادارة الامريكية اتجاه يدعو الى التودد الى ايران والتقارب منها، وكان ذلك على حساب العلاقات العراقية الامريكية، ويعتقد اصحاب هذا التوجه بان ايران من حيث الموقع والاستراتيجية والحجم والثقل اهم من العراق، ومن المعلوم بان السياسة الدولية والعلاقات بين الدول لا تحكمها المبادىء الاخلاقية بقدر ما تحكمها المصالح، فالتقارب او التباعد بين الدول يعتمد على تلاقي المصالح وتقاطعها او افتراقها وتباينها.

ولا شك في ان العراق، الذي خرج منتصرا في حربه مع ايران تمكن من بناء قوته الذاتية، واستطاع تشكيل جيش قوي اصبح اقوى جيش في منطقة الخليج، وسلّح بأحدث الاسلحة، كما قام العراق بانشاء العديد من المصانع الحربية مما اعتبر تهديدا لاسرائيل التي تخشى من كل قوة عربية او اسلامية نامية، ولذلك اصبح لا بد من القضاء على هذه القوة العراقية وبدأ التخطيط لضرب العراق، وكان على الولايات المتحدة ان تجد وتبحث عن هذه المبررات، فوجدت فرصتها المناسبة حينما غزت العراق الكويت، وهذا ما افصح عنه »هنري كيسنجر« وزير الخارجية الامريكية الاسبق في مقالة له بعنوان »الطريق الى القدس يمر ببغداد«.

ان الواجب القومي يحتم علينا مساندة العراق ودعمها بكل ما نملك من امكانات، وعدم اعطاء اية تسهيلات او منح قواعد يمكن استخدامها في ضرب العراق الذي تعد قوته اكبر رصيد للامة العربية، وان تدمير هذه القوة يعني القضاء على قوة عربية يمكنها الوقوف في وجه الغطرسة الاسرائيلية، واحباط المخططات الصهيونية، ولا ينبغي ان يكون موقفنا اقل واضعف من الموقف الالماني الرافض للاشتراك في اية حملة حربية ضد العراق والممانع لتقديم التسهيلات حتى ولو صدر قرار من مجلس الامن يؤيد ضرب العراق، واخيرا نتساءل ونقول: لماذا يحرص بعض العرب الانجرار وراء الحملة على العراق متعللين بما قد يصدر من قرارات دولية تلزمها بذلك، في حين ان اسرائيل لا تلتزم بتنفيذ اي قرار دولي؟ اليس العرب اكثر الامم تضررا من عدم تنفيذ هذه القرارات؟ اليس من حقهم ان يطالبوا الولايات المتحدة بالتخلي عن سياسة تطبيق المعايير المزدوجة، وتشجيعها اسرائيل للتمرد على القرارات الدولية بينما تلزمنا بتطبيقها؟