الانتفاضة.. والدروس المستفادة!

 

بقلم :  د. مصطفى محمد الفار

 

  

لقد مضى عامان على انتفاضة الاقصى، وما زالت شعلتها تزداد اتقادا شرارتها تزداد توهجا وكانت هناك دروس مستفادة، فلا يمر يوم على هذه الانتفاضة الا ونرى درسا جديدا من التضحيات: الدرس الاول ان الانتفاضة قد قضت على امكانية قبول الاملاءات الاسرائيلية، وهي تمثل ردا على انتهاكات اسرائيل المستمرة لحقوق الانسان، والاستهتار بحق الانسان الفلسطيني في العيش حرا كريما مستقلا، ففي حين تطلع الشعب الفلسطيني الى حل سياسي يسهم في ارساء قواعد السلام العادل، ويعيد اليه حقوقه المغتصبة، تنصلت اسرائيل من اتفاقاتها السابقة التي عقدتها مع السلطة الوطنية، ولم تكتف بذلك، بل راحت تقترف العديد من الممارسات الوحشية، واساليب الحصار والتصفية والاعتقال هادفة من وراء ذلك الى عزل النضال الفلسطيني عن سياقه التاريخي.

ولكن الشعب الفلسطيني الذي بات اسيرا في ارضه ووطنه، يؤكد كل يوم من خلال انتفاضته الباسلة، اصراره على تحدي اجراءات القمع والارهاب والتحرك ضمن امكاناته البسيطة لمواصلة النضال وصولا الى حقوقه العادلة، وهو ما افزع وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر فجعله يهدد بان مصير قطاع غزة سيكون كمصير الضفة الغربية التي اعيد احتلالها بالكامل اذا لم تتوقف هذه الانتفاضة، وقبله هدد شارون وغيره من المسؤولين الاسرائيليين.

الدرس الثاني: ان قضايا الشعوب عامة والقضايا الوطنية خاصة لا تحل بتسويات جزئية قاصرة، ولا بالاستسلام الى الواقع بمعطياته الخادعة والمؤقتة، وبان ارادة التغيير واستعادة الحقوق قادرة على ان تعبر عن نفسها في كل حقبة باطارات وقوى مختلفة، وبان الذي يتخلى عن المقاومة ويلهث وراء التفاوض المقترن بالتنازلات لن يحصد الا الخيبة، والحقيقة التي يجب ان تدرك هي ان الاحتلال لا بد ان يزول في النهاية.

الدرس الثالث: ان لا مفر للامة العربية بجميع اقطارها من ان توجه جهدها وارادتها وان تقيم تكاملها الاقتصادي والاجتماعي والامني، كشرط لازم لحماية اقاليمها وثرواتها فهذه امريكا تفتعل حربا على العراق، وتستهدف استقرار وامن المنطقة في خدمة المشروع الصهيوني ولانقاذ شارون من الانتفاضة، ومن حالة الارتباك التي تواجهه، وفي نفس الوقت، فهي تطمع ببترول العراق، وثروات المنطقة العربية كلها، والثابت ان الاقطار العربية، كل واحدة على حدة لن تستطيع مواجهة الهجمة السافرة، ولن تقوى على الصمود في وجهها، وليس من بديل عن التكاتف، وفرض اولويات عربية على رأسها حسم الصراع العربي الاسرائيلي..

الدرس الرابع: حاول شارون القضاء على روح المقاومة لدى الشعب الفلسطيني، مع كل ما رافق عدوانه من آثار تدميرية في مختلف الاتجاهات، ومع كل هذه الممارسات، فلم يسلم الاسرائيليون انفسهم من نتائج هذه السياسة الاجرامية القمعية، اذ توقع الخبراء الاقتصاديون ان تؤدي مواصلة العدوان على الشعب الفلسطيني الى شل حركة الاقتصاد الاسرائيلي، وربما ادى الى انهياره التام في غضون بضعة اشهر، ووصفت الصحافة الاسرائيلية توقعات الاقتصاديين في هذا السياق، بانها سوداوية، بينما تضاربت اراء القادة الاسرائيليين بين الاعتقاد بان الوضع الاقتصادي هو انعكاس للوضع الامني، وبين ان التسوية السياسية تغير الحالة الامنية، من الواضح اذن، ان هذا التردي في الاقتصاد الاسرائيلي كان ثمرة انتفاضة الاقصى التي تركت آثارها ليس في زعزعة البنيان الامني فحسب، بل في دفع اسرائيل الى شفير الهاوية مع كل ما يحشده شارون من امكانات للقضاء على هذه الانتفاضة، وهو ما يطرح اهمية دعم الشعب الفلسطيني عربيا لمساعدته على الصمود والتصدي، على الرغم من الكلفة الباهظة التي يدفعها من دم ابنائه، لانه انما يدافع بهذا الصمود عن الكرامة العربية والعزة العربية والتاريخ والحضارة العربية الاسلامية..