الادارة الامريكية ومصير الطغاة

 

بقلم : حمزة منصور

salim_assabeel@yahoo.com

 

عرف تاريخ البشرية طغاة كثيرين، كما عرف الوانا شتى من الطغيان في مقدمتها الطغيان السياسي والعسكري والاقتصادي. والطغاة كما تؤكد كل الوقائع يدفعهم شعورهم بامتلاك القوة الى محاولة اخضاع العباد لذواتهم، والتحكم في مصائرهم وثرواتهم، وفقاً للسنة الالهية «كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى» والعرب يقولون في امثالهم السائرة «القوي عايب». فالقوة التي لا يحكمها شعور بأن فوق كل ذي قوة قوي عليم حكيم عادل، لا تقيم وزناً لقيمة عليا، ولايزيد اصحابها ضعف الآخرين الا طمعا، ومن هنا كانت حروب الابادة، وتدمير الحضارة، واسترقاق الآدميين، وبناء أمجاد من جماجم البشر.

 

فالطاغية يرى نفسه المحيي المميت، وفي حوار ابراهيم عليه السلام مع النمرود يعلنها الطاغية صريحة واضحة: «قال انا احيي واميت». والطاغية يعتقد انه المالك المتصرف، الذي لا يملك شيء الخروج على ارادته، وهو المعنى الذي عبر عنه فرعون كما جاء في النص القرآني الحكيم: «أليس لي ملك مصر وهذه الانهار تجري من تحتي». كما يعتقد انه من طينة غير طينة البشر، وان عرقه خير الاعراق، وسائر الخلائق في مراتب دونية، وربما قال: انها لم تخلق الا لخدمة قومه. ومن هنا قال بنو اسرائىل بعد ضلالهم البعيد: «نحن ابناء الله واحباؤه»، واعتبروا انفسهم «شعب الله المختار» ولم يروا في غيرهم الا «جوييم»، خلقوا على صورة البشر، ليكون لهم شرف خدمة اليهود.

 

وعلى هذا الدرب سارت النازية، فكان العرق الجرماني خير الاعراق، وكانت «المانيا فوق الجميع»، وعليه ايضاً سارت الفاشية، التي قالت: «ايطاليا فوق الجميع»، والسلسلة طويلة، يصعب حصرها، او التوقف عند كل حلقة من حلقاتها. الا ان كل طغيان عرفته البشرية، بأشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية والفكرية، يتصاغر امام الطغيان الذي تمثله الادارة الامريكية في زماننا، فهي وان كانت تشترك مع كل الطغاة في المنهج والدوافع، الا انها تمتلك من اشكال القوة وادوات التدمير، ما يبدو معه الطغاة على مر العصور اقزاماً صغاراً.

 

وجاء الطغيان الامريكي مستوعباً لكل التجربة البشرية، ووارثا لها، فكما كان فرعون يتلهى بابادة البشر، فان الولايات المتحدة سجلت ارقاما قياسية في افناء الهنود الحمر واليابانيين والفيتناميين والكوريين، واخيراً العراقيين. وكما استعبد طغاة الامس الخلائق، عامل الامريكيون الافارقة معاملة دون معاملة الحيوان، وما زالوا يمارسون ضدهم سياسة التمييز العنصري رغم دعاوى المساواة وحقوق الانسان، وفعلوا بأسرى افغانستان من صنوف القهر والاذلال والامتهان ما لم يفعله احد من قبل.

 

وكما تفرد الطغاة بالقرار وقالوا كما صرح القرآن الكريم: «ما أريكم الا ما أرى وما أهديكم الا سبيل الرشاد» ضربت الادارة الامريكية عرض الحائط بكل معارضة لضرب العراق، ووقفت وحيدة الا من تابعيها بلير وشارون في مواجهة العالم. وكا ادعى الطغاة أنهم فوق الجميع، تمارس الادارة الامريكية بالفعل سياسة عنصرية، تزدري كل من هو غير امريكي، فبعد قانون الادلة السرية، الذي لا يطبق الا على العرب والمسلمين، وبعد رفض التوقيع على انشاء المحكمة الجنائية الدولية، واصلت عقد اتفاقيات ثنائية مع كثير من الدول، بحيث لا يتم تسليم الامريكيين المقيمين على ارضها للمحكمة الجنائية، ليبقى مجرموها بمنأى عن ان تطالهم يد العدالة.

 

وغاب عن الادارة الامريكية، ان الطغاة رحلوا غير مأسوف عليهم، ودون ان تذرف عليهم الارض والسماء دمعة واحدة، وانما صبت عليهم اللعائن. ولن يكون مصير طغاة البيت الابيض بأحسن حالاً من مصير اسلافهم، ولن تحميهم آلتهم العسكرية وخزائن اموالهم ووسائل اعلامهم من المصير المحتوم، ليكونوا لمن خلفهم آية، والمؤجل اعظم، وتبارك قيوم السماوات والارض القائل: «ألم تر كيف فعل ربك بعاد، ارم ذات العماد، التي لم يخلق مثلها في البلاد، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، وفرعون ذي الاوتاد، الذين طغوا في البلاد، فاكثروا فيها الفساد، فصب عليهم ربك سوط عذاب، ان ربك لبالمرصاد» فهل يكون سوط العذاب الذي سيصب على رأس امريكا في افغانستان أم في العراق على ارض الخليج أم غيرها؟ لا يهم.. المهم انه واقع لا محالة.