لكل الشهداء الأبرار
بقلم: ياسمينة صالح
سامحونا
نحن الذين سكتنا دهرا و نطقنا كفراً .. نحن الذين عبرنا
الكلمات كلّها كي لا نقول شيئا .. كي لا نقف في الصفوف الأمامية خوفا من موتٍ
يرافق خطانا ..
***
سامحونا ..
اليوم، نستيقظ على دمكم الغزير .. نستيقظ على وجهكم الذي نعرفه
جيداً
نعرف كم خناه في مسيرتنا الطويلة نحو الوهم الذي أسميناه
سلاما، كي نغض من أبصارنا عندما تمر الدبابة الأمريكية أمام شارعنا التاريخي، و
عندما تقصف الصواريخ قباب أحلامنا ليصنع الحكام منا ناقة صالح على هذه الأرض
التعيسة ..
***
سامحونا
أيها الطالعون من الصمت .. الصارخون بالشهادة ..
أيها الغاضبون / الثائرون/ الرائعون
كيف استطعتم زلزلة تاريخنا المكتظ بالغموض و بالصواعق ..
كيف ملأتم فراغاتنا باليقين ؟ كيف استطعتم استدراجنا إلى هذا
المدى المفتوح على دمكم لنعرف حدود خياناتنا الطويلة، و ما اقترفناه في حقكم من
الذنوب و من الآثام ، كيف؟
***
سامحونا
أيها الأطفال الأبطال الشهداء/الأبرار/ الأشجار/ الأنهار/
الأزهار
***
سامحونا
لن يكفي الدهر كي يغسل خطايانا ... كي ينسى الحاضر شكلنا
البائس .. صمتنا البائس..
وجودنا البائس ..
لن تكفنا اللغة كي نعتذر لكم واحدا واحداً يا أحبابنا الموتى /
الأحياء
كي ندفنكم كما يليق دفن الشهداء
لا الكلام و السكوت .. لا الحياة و لا الممات ... لا الأمام و
لا الوراء
***
سامحونا
***
الآن ..
بامكاننا الإعلان للقبيلة و للعشيرة أن الخنازير و القردة
يحكموننا بالسلام المبجل و أننا لن ننتمي إلى الأرض كما ينتمون إليها
لأن الدم وصل إلى الركبتين
و لأن المدن التي لا تناهضك هي التي وقفت ضدك مرتين
مرة لأجل دمك و مرة لأجل تاريخك..
***
سامحونا
لنموت أقل فجيعة
لتعبركم أسماء أحلامنا البريئة التي صدقت طوق الحمامة و النجاة
و استسلمت لغيلان الحضارة و التجارة و الدماء
***
سامحونا
هـا .. عجزنا عن العودة إلى النقطة الصفر عندما اكتشفنا أننا
كنا الصفر المكرر في معادلة انتم أبطالها
يا يل الثور و النخوة في زمن الدعارة و الخيانة
سامحونا .. سامحونا .. سامحونا ..
الحوار الأخير
قبل مقتل العصفور بدقائق
للشاعرالفلسطيني : ابراهيم نصرالله
..................
هادئٌ بحرُ غزةَ
ماءٌ وأشرعةٌ
زرقةٌ وصباحٌ عريضٌ
ونافذةٌ للنوارسِ أو جدولٌ في الوريدْ
هادئٌ بحر غزةَ
لي رغبةٌ: أن أرى وجهَ أُمي ومدرستي
وأن أقفَ الآنَ في الصفِّ طفلاً
وأُطلقَ في البرّ خيلَ النشيدْ
وبي رغبةٌ
أن أمرّ على وردةٍ في الجوارِ
أُسرُّ لها أن أرضَ المخيمِ حقلٌ
وهذا الرحيلُ البعيدْ
لستُ أمضي إلى الموتِ مبتسماً
بينَ هذي الرصاصةِ والشمسِ أرفعُ أُغنيةً
رايةً للحياةْ
أُحبُّ الصغارَ كثيراً
وإن لمْ أكنْ ذاتَ يومٍ هناكَ صغيراً يلاحقُ سرّ الأعاصيرِ
والموجِ حينَ تثورُ المياهْ
كلُّ أسئلتي انتشرتْ فيّ موجاً
فقدْ يبسَ الغصنُ
لكنّ أسئلتي اكتملتْ
واستوتْ برتقالاً
وأغنيتي تعرفُ الدربَ للحبِّ
تعجبُ ؟
لا بأسَ
لكنني أعرفُ البحرَ منذُ صباه
طاعنٌ في الزغاريد والعرسِ .. والشمسِ ..
هذا أنا
وجبينٌ إلهْ
لا أقول لكَ الآنَ إني سأمضي إلى الموتِ
لا أعشق الموتَ
لكنه سُلَّمي للحياةْ.
***
هادئٌ بحرُ غزةَ
هذا الصباحُ أليفٌ وأطيبُ مما شربناهُ
لا وردَ في الطرقاتِ
أجلْ
ولكنّ وردتَنا الأغنياتْ
وهنا باعةُ السمكِ ..
الطالباتُ ..
الحوانيتُ ..
آخرُ فصل الشتاءْ
صِبْيَةٌ يحبسونَ النوارس في الدفترِ المدرسيِّ
ويندفعونَ طيوراً إلى الماءْ
فأسٌ على كتفٍ .. عنبٌ في الشفاهِ .. وأشرعةٌ ..
حين تعلو ... ستسألُ
هل أبصرُ الآنَ أشرعةً أم سماءْ ؟
حناجرُ مُخْضَرَّةٌ .. وخضارٌ ..
حقولٌ تجيءُ إلى السوقِ ناضجةً بالغناءْ
هادئٌ بحرُ غزةَ
هذي البيوتُ التي تسكنُ الروحَ تشبهني
خطوةُ الضوءِ .. ألفتُهُ
وضجيجُ المحطاتِ ... يشبهني
غيمةٌ تحملُ الأرضَ حتى النجومِ ..
وبيارةُ البرتقالِ .. الحدائقُ ..
تشبهني
حزنُ جدي .. حكاياتُهُ .. ويداهُ ..
عروقُ أبي ..
وجهُ أمي الحبيبُ ...
خيولُ المعاركِ ..
تشبهني
جارتي .. جارُنا
طفلُهما حينما اختطفتْهُ الرصاصةُ من عندليبِ البراءةِ
أُبصرهُ كلّ يومٍ على بابِ مدرسةٍ
عابراً زمني
وهو يشبهني
كلُّ ما يتجمَّعُ حولي وفيَّ
سمائي التي ظلَّلتْ وطني
***
لا أقولُ مع القائلينَ إذا ما أتتني الرصاصةُ
وانفجرتْ في الصباحِ شظاياً
وفي بدني :
ليسَ هذا الذي يعبر الدربَ يومي .. ولا زمني
ولكنني
ربما كنتُ أحملُ كُتْبي وأمضي إلى المدرسةْ
وأنتظرُ الباصَ في ضحكةِ المرأة المشمسةْ
ربما كنتُ أمضي إلى البحرِ
أخلعُ هذي الثيابَ
وأمضي إلى الماءِ طفلاً
على كتفي تتضاحكُ أو تصرخُ اليابسةْ
ربما كنتُ أصطادُ بعضَ السمكْ
وأعدوا إلى البرّ
ثم أقول لقطتنا ها هنا انتصبي وقفي حارسهْ !
ثم أرجعُ ثانيةً للمياهِ
فتمسكني من يدي سمكهْ
وتحملني عنوة وهي تضحكُ :
ها قدْ تأخرتَ
هيا بنا أيها الولدُ الساحليُّ المشاغبُ للمدرسةْ
ربما
ربما
***
حينما يصبحُ الجندُ أكثرَ من شرفاتِ المنازلِ والياسمينْ
وأبوابِ غزّةْ
حينما يُصبحُ السجنُ في لحظةٍ مدناً
أين تعلو نوارسُ غزهْ
حينما يصبحُ الموتُ فاتحةً للغيومِ .. السهولِ ..
وأنوار غزةْ
يخرجُ الحبُّ نحوَ الشوارعِ يُشعلُ أقمارَ غزةْ
***
شارعانِ .. زقاقٌ .. وبابٌ .. دمٌ نابض كالحذرْ
كلمةُ السرّ :
(حبٌّ)
وخطتنا أن نسيرَ إلى (عسقلان) ونـزرعَ فيها الشجرْ
ونمضي إلى رفحٍ وهنالكَ نجني الثمرْ
والهدف :
أن يكونَ الفضاء لهذي العصافيرِ
لا للرصاص الذي غاصَ في دمنا وانتشرْ
***
قالتْ الأرضُ يا خيليَ انتظروا
وارتدتْ شجراً .. جدولاً .. وصلاةْ
قالتْ الخيلُ يا بريَ انتظروا
فالشوارعُ للناسِ لا للطغاةْ
قالتْ الريحُ في أضلع الشجرةْ
حُلْمُنا باسقٌ والبروقُ خطاه
جدولٌ قالَ : أَصْحَبُكُمْ
ومعي كلّ ما خبأتْهُ المياهْ
صلاةٌ يحاصرها الصمتُ قالتْ : وداعاً .. وداعاً
وإن لم تعودوا سأمكثُ في الأرضِ
لن أرفع الشمسَ حتى تباركَ في عتمةِ الليلِ عرشَ الإلهْ
***
صباحٌ لأحلى الشبابْ
لغزةَ هاشمْ
للفجرِ يأتي عريضاً ويكبُرُ كالسنديانِ بهذا الترابْ
صباح لأعراسنا العالياتِ كظهر الحصانْ
صباحٌ لعصفورةٍ دَرَجتْ
ـ قبلَ أن تُشرقَ الشمسُ ـ فوقَ القبابْ
صباح صباحٌ لأحلى الشباب
(لجيفارا)*
لم يزلْ يانعاً في عيون الصبايا
ومستسلماً لغناءِ البلابلِ .. مُحتفلاً بنجومِ الدماءْ
ولما يزلْ في الشوارعِ يمضي غزالاً
ويمحو خطى الجندِ ـ بالدّم ـ فوقَ الرمالْ
ويأتي إلى البحرِ كلّ مساءٍ نبياً
وقامتُهُ السَّروُ والاحتفالْ
غامضاً كابتسامةِ طفلٍ
فسيحاً كبيارةٍ وسؤالٍ
ومثلَ أكفّ رعاةِ الجبالْ
كلُّ هذي البنادق تحرسُ حُلْمي
وهذي الصدورُ تعانقُ فيّ الميادينَ والناسَ ؟
تلكَ أغانيّ شمسٌ
ولمْ تكن الشمسُ ظلاً
لأنمو هنالكَ بينَ الظلالْ
مجدُنا أننا حينَ نمضي إلى البحرِ
تتبعنا الخيلُ
والطرقاتُ
وأحلى الرجالْ
***
هادئٌ بحرُ غزةَ
هلْ جهّزتْ أُمُّكَ الزادَ
نصفَ رغيفِ .. وعشرينَ زيتونةً .. برتقالهْ
فالطريقُ طويلٌ إلى (عسقلان)
ركضتْ تحتَ سقفينِ ..
دارتْ هنالكَ في الحوشِ ..
سبعونَ عاماً ..
ولما تزلْ طفلةً كغزالهْ !!
قُلتُ يا أُمُّ : ها عسقلانُ هنا
وهي أقرب من بابنا
ـ لا عليكَ إذن لا عليكْ
واسمع الآنَ ما سأقول :
إذا كَـثُرَ الجنُدُ كنْ يا صغيري قوياً
وكنْ مثلَ نهدي الذي أرضعكْ
ومثل حليبـي الذي جف من زمنٍ .. طيباً
ولا ترتبكْ
إن قلبي معكْ
وخبئ سلاحكَ
لا شيء أجمل منكَ سوى وردةٍ زَيّنَتْ مدفعَكْ
لا تطلق النارَ يا ولدي باتجاه الشجرْ
فهي أشجارُنا
وإذ تطلق النارَ حاذرْ إذن أن تصيبَ صغيراً
فأنكَ ما زلتَ في عين أُمكَ تعدو على طرقاتِ الصِّـغرْ
ربما غيّرتكَ الحروبُ ..
أجلْ
ولكنني أذكرُ الآنَ انك لم تكُ يوماً تحبُّ الدماءَ
وكسّرتَ مدفعكَ الخشبيّ مراراً هنا ... أو هنا
فوقَ هذا الحجرْ
وكنتَ صديقَ البراعمِ
حتى إذا ما أتى الصيفُ صرت حبيبَ الثمرْ
أرضُ غزةَ يا ولدي وجهُنا
ومن طينها ندهنُ الخدَّ كي يتوردَ يا ولدي
ونباهي القمر
هل تجهزتَ ؟
آهِ
تقولُ تأخرتَ
لا تتأخرْ كثيراً عليّ
سأعجنُ .. أغسلُ صحنَ العجينِ وبعضَ الثيابِ ..
ـ ثيابَكَ ـ
أخبزُ
يا ولدي ..
مثلَ كلّ نهارٍ
وحينَ يجيءُ المساءُ
سأتركُ قلبي على عتبةِ الدارِ عيناً
وأُغنيةً تنتظرْ
فكنْ مثلَ نهدي الذي أرضعكْ
ومثلَ حليبـي الذي جفّ من زمنٍ .. طيباً
ولا ترتبكْ
إن قلبي معكْ
***
هادئٌ بحرُ غزةَ
مستسلمٌ للنسيمِ ... المراكبِ
مستسلمٌ لأيادي الصغارِ وأقدامهم
شاسعٌ ليقولَ لنا : انه لم يكنْ لسوانا