مشهد «هزلي» للعدالة الأوروبية

 

بقلم : شعبان عبدالرحمن

 

الخميس السادس والعشرين من سبتمبر. .. جلست عشرات الأمهات والزوجات البوسنويات اللاتي فقدن ذويهم في مذبحة سربرينتسا الشهيرة أمام التلفاز لمشاهدة الجزء الثاني من محاكمة الرئيس اليوغسلافي السابق سلوبودان ميلوسوفيتش أمام محكمة الجزاء الدولية بتهم قيادة ودعم مذابح التطهير العرقي التي اقترفها مجرمو الصرب ضد المسلمين في البوسنة والهرسك.

 

تقريبا.. كانت تلك الأمهات والزوجات ومعهن شعب البوسنة الذي مازال يلملم جراحه هم الذين انشغلوا وحدهم بتلك المحاكمة ومتابعة أخبارها، فقد «جرجرت» الآلة الإعلامية الغربية الرأي العام العالمي نحو ما تدبر له الولايات المتحدة من مذابح أخرى ضد مسلمين.. بزعم مقاومة الإرهاب!

 

ورغم أن ما جرى في البوسنة من مذابح يشيب لهولها الولدان يمثل وصمة عار في جبين أوروبا بحكم انتماء البوسنة جغرافيا للقارة الأوروبية إلا أن الإعلام الأوروبي ولو من باب التكفير عن الذنب أو ذر الرماد لم يول محاكمة المجرم ميلوسوفيتش الاهتمام الكافي.

 

ولذلك ذهبت صرخات الأمهات والزوجات أدراج الرياح وهن يعلقن على تلك المحاكمة بالقول: «لا توجد عدالة في هذا العالم يمكن أن تنزل بميلوسوفيتش العقاب الذي يعادل كل الجرائم التي ارتكبها في البوسنة»!.

 

وللتذكير فقط.. فإن مجرمي صرب البوسنة بالتعاون مع الجيش الشعبي اليوغسلافي (قوات ميلوسوفيتش) تمكنوا من إبادة ثمانية آلاف من المسلمين في سربرينتسا يوم الحادي عشر من يوليو عام 1995م تحت سمع وبصر قوات الأمم المتحدة التي كانت قد تسلمت المدينة مع غيرها من المدن الأخرى ووضعتها في حمايتها تحت شعار «الملاذات الآمنة».

 

... يومها مارست قوات الأمم المتحدة دور تطمين و«تنويم» المسلمين حتى انقض عليهم مجرمو الصرب ذبحا وتقتيلا، بينما فر عشرات الآلاف من السكان إلى عالم الشتات داخل البوسنة ولم تسمح لهم المليشيات الصربية بالعودة إلى ديارهم حتى اليوم مثل غيرهم من سكان مدن أخرى مثل مدينة جوراجدة وتوزلا وغيرهما، ذلك رغم تأكيد نصوص اتفاقية دايتون القاضية بعودتهم، وهي الاتفاقية التي ترعاها الولايات المتحدة.

 

والسؤال الذي يظل ملحا هو: هل ميلوسوفيتش وبقية العصابة الصربية مسؤولون وحدهم عما جرى من مذابح في البوسنة أم أنهم كبش فداء للنظام الدولي الجائر الذي تورط حتى أذنيه في المجزرة الكبرى؟

 

ميلوسوفيتش نفسه أجاب عن جانب من هذا السؤال باتهام المخابرات الفرنسية بالتورط في مذبحة سربرينتسا من خلال وحدة مرتزقة، وقال مخاطبا هيئة المحكمة: أسألوا الرئيس الفرنسي جاك شيراك!

 

ثم كشف ميلوسوفيتش أن المطلوب كان «ترتيب مجزرة» تتهم بها القوات الصربية لتبرير تدخل عسكري أطلسي في البوسنة.

 

هذا جانب من الصورة وما خفي كان أعظم.

 

والحقيقة أن أوروبا لو عقدت محاكمة عادلة لما جرى في البوسنة لوضعت نصف قادتها في قفص الاتهام إلى جوار ميلوسوفيتش. وإذا كان «موضوع» محاكمة هذا السفاح هو مجازر البوسنة فإن الهدف منها هو التغطية على «موضوع» أوسع وأخطر وهو التغطية على عملية إسدال الستار على الفصل الأخير من الاحتلال الأطلسي لمنطقة البلقان بأسرها.

 

هل يريدون اقناعنا بأنهم بهذه المحاكمة ينتصرون لحقوق شعب تعرض لخطر الإبادة، وهل يحاولون خداعنا بأنهم يحترمون ما يرفعونه من شعارات حول حقوق الإنسان؟

 

إذا كان الغرب «موجوعاً» لهذه الدرجة لما حدث «للإنسان» في البوسنة فلماذا غرقت يداه في دماء أفغانستان، ولماذا تغرق يداه كل يوم في دماء فلسطين.. أليسوا بشراً؟!.