مفارقات

 

بقلم : د. أحمد نوفل

 

1- الامة التي جعل الله من أعلى وظائفها ومهماتها نصرة المستضعفين في الارض من أي لون ودين، صارت هي اليوم أضعف المستضعفين، تستضعفها الامم من كل لون ودين.. بما في ذلك عبدة الابقار، وحكومة الفلبين!!

 

2- ليس صراع حضارات.. ولكنها حرب عصابات.. ونهب ثروات.. في مقابلة مع صحيفة المانية نشرتها «السبيل» يصر صمويل هنتنجتون على ان ما تخوضه أمريكا مع المسلمين، تطبيق أو تصديق لنظريته في حرب الحضارات أو صراعها، وهو يقصد دونما لف وتمويه صراع الحضارة الغربية مع الحضارة الاسلامية، وكذب هذا الصمويل. فأمريكا ليست حضارة، وليست كفؤاً لحضارة الاسلام الراقية الانسانية العظيمة حتى تخوض صراعاً معها. وبعضنا يقع في الشرك والاحبولة ويصدّق أنها كما يزعم هذا الدعي.

 

هي من ناحية صحيحة انهم يحاربون الاسلام، ولكن لا من منطلق حضارة بل من منطلق الظلم الذي يمارسونه، ونهب الثروات المنظم الذي يفعلونه.

 

فهم مرفهون على حساب المقهورين والمنهوبين. ولذلك على الامة ان تكون طليعة التحرر العالمي من الاستعمار الجديد الذي يلبس ثوباً مستعاراً، بل ثوب زور حين يدعي انه يخوض حرباً حضارية. لو كانت الامة بكامل وعيها وعافيتها، ودورها الحضاري لرفعت هي شعار: حرب المستضعفين ضد الظلمة والجلادين والنهابين ومصاصي ثروات الشعوب ودمائها، وأول هؤلاء المجرمين الامريكان وشركاتهم التي تحكم الدولة الامريكية والعالم من بعدها.

 

ثم يتكلم هذا المجرم عما يسميه: الحدود الدموية للاسلام. ويعدد مجموعة من الاقطار يخوض الاسلام فيها حروباً: الشيشان وافغانستان والسودان واذربيجان والفلبين.. الخ. ونسي او تناسى ان المسلمين هم الذين يحاربون بفتح الراء في هذه البلدان وتنتقص حقوقهم وسيادتهم إما من دولة مباشرة كما في السودان وافغانستان، واما بتواطؤ من دولة كما في الفلبين والشيشان..

 

فهم الوالغون في الدم، والغارقون في لجته الى الاذقان، ولا يتهمون الاسلام بالدموية.

 

ومن أعجب العجب في مقابلة هذا الصمويل قوله حول الديمقراطية والعالم العربي:

 

«الاسلام غير الديمقراطي هو الاسلام العربي، فلا توجد ديموقراطية باستثناء لبنان ولكن لبنان مسيحية اكثر منها اسلامية، وحينما تغيرت الاغلبية حدثت الحرب الاهلية..» والسطران اللذان نقلناهما مليئان بالمغالطات. ويا للمفارقة فان الذي يمنع الديمقراطية عن العالم العربي هو أمريكا. أوليست الانظمة الاكثر دكتاتورية هي الاكثر صداقة لأمريكا؟ ولماذا ضغطت امريكا من خلال العسكر في تركيا على الحكومة المنتخبة حتى قدمت استقالتها ولم تحتج أمريكا لان العسكر عملاء لها ولـ«اسرائيل». ولبنان الذي يرأسه مسيحي سمحت أمريكا بالانتخاب فيه وبتحديد زمن رئاسته، ولكنها تسكت عن التمديد غير المنتهي في تونس ومصر مثلاً لماذا؟.

 

3- العراق يعلن قبوله بقرارات الشرعية الدولية دون قيد ولا شرط، وعن استعداده للتفتيش الدولي، ولخبراء من بريطانيا، ولاعضاء من الكونجرس وغيره ليفتشوا بلا حدود، ومع هذا تعلن امريكا عن العراق انه دولة خارجة على القانون والشرعية الدولية، وفي خطاب بلير امام مجلس اللوردات البريطاني يتكلم عن وقائع حدثت قبل ثلاث عشرة سنة، ويتغافل هذا الذي تسميه الصحافة البريطانية كلب بوش، يتغافل عما تفعله الدبابات والجرافات والاباتشي الاسرائيلية الامريكية وقت خطابه، في فلسطين من قتل ومجازر وتدمير.

 

ان مجموع ما دمرته الآلة الاسرائيلية في ابان حكم شارون يعدل برجي امريكا. ومجموع ما قتلته وجرحته يفوق قتلى وجرحى امريكا فلماذا لا يعلن العالم العربي العظيم وقياداته الحكيمة جداً الحرب على الارهاب الشاروني؟

 

و«اسرائيل» يصدر قرار عن مجلس الامن هزيل الى حد الموات يطالبها فيه المجلس العتيد بالانسحاب من حول مقر عرفات «المشكلة هي عرفات ومقره لا الدمار الشامل في فلسطين». فترفض «اسرائيل» هذا القرار، الذي هو اسرائيلي ومفصل على المقاس الشاروني، ومع هذا لا تعلنها امريكا دولة خارجة على القانون ولا الشرعية الدولية ولا تجرد لها الجيوش والحملات ولا يتكلم حملان «بالنون» العالم العربي امام هذا الاستذئاب الاسرائيلي.

 

مفارقات تفري الكبد، وتملأ الجوف مراراً وعلقماً!!

 

4- تبين لنا من خلال الوقائع ان لا مشكلة بيننا كشعوب وبين امريكا، تبين ان عدو امريكا هو الانظمة العربية، فهي تريد تغيير النظام العراقي، من اجل راحة وسلامة وهدوء بال الشعب العراقي ومزيد من رفاهيته ودلاله. وحرصاً من امريكا على تحقيق كل ما ذكر من اهداف سامية وانسانية ونبيلة تتعلق بالشعب العراقي، ولما كان الشعب العراقي لا يستطيع التخلص من نظامه بنفسه، فان امريكا المحبة للشعوب، وعدوة الانظمة قامت تحشد العالم لهذا التغيير النبيل. وهي من اجل «راحة نفس» الشعب الفلسطيني، ورفاهيته، تريد تغيير عرفات، صديقها بالامس، الذي اعطته نوبل، وجعلته «ستاراً»، اذ بها اليوم، لما تبين لها ان مصالح الشعب الفلسطيني متعطلة والذي يعطلها عرفات، فانها قامت تريد تغييره.

 

وهي في السابق كانت تريد تغيير العقيد لراحة نفس الشعب الليبي. وهكذا تبين لنا دون ان نستقصي باقي اقطار العالم العربي ان امريكا صديقة الشعوب، وهي الوحيدة التي تعين الشعب على تغيير النظام الذي لا يملك اي شعب آلية لتغييره. بناء على ما ذكر ادناه من محبة امريكا لنا، فان الشعوب العربية - وهذا المقال يعبر عنها وعن ضميرها- تعلن تأييدها المطلق لامريكا بكل ما اوتيت من طاقة وجهد وعرق ودموع وعطش وفقر وجوع، وتصطف وراء أمريكا وتقف في خندقها وحفرتها!!

 

ونعتذر لامريكا عن عدم فهمنا لها ولاهدافها لغباوة عقولنا وخفة احلامنا وسفاهة آرائنا، فلما تبين لنا انها ليست عدوتنا، وانما عدونا الانظمة التي تريد امريكا تغييرها فاننا نعلن بالصوت العالي تخندقنا وتموضعنا وتمترسنا مع ووراء امريكا. وسيري بنا لتحقيق اهدافك -أهدفنا في التغيير والتعمير والرفاهية وسوء المصير!!

 

و..بالروح... بالدم.. نفديك يا بلير.. ونفديك يا بوش!!

 

وأما انتم يا زعماءنا فقد فاتكم قطار التاريخ، وعرفنا نحن مخلصنا وسنستقوي عليكم بأمريكا، ولستم وحدكم الذين تعرفون من أين تؤكل الكتف!!

 

5- عبدة الشيطان.. في عمان.. وابناء علية القوم.. هذه من عجائب الزمان.. تحتاج الى تأمل طويل وحكمة وروية.. الامور اخطر مما تظنون. أفيقوا قبل فوات الاوان. آن أن تراجع كل السياسات والاولويات، والتركيز الذي كان بالسابق.

 

افيقوا قبل الطوفان!! والسؤال الآن: هل «الاهتمام» اكثر بعباد الرحمن أم بعبدة الشيطان؟!

 

6- لبنان يريد ان يستغل بعض مياه انهاره ليصل المستغل منها الى ما دون العشر، ونعيد: عشر حقه الطبيعي، ومع هذا تضج امريكا و«اسرائيل»، وتبعث امريكا سفيرها وخبراء مياه لمراجعة المسؤولين اللبنانيين، ويسأل السفير الامريكي اللبنانيين: ماذا تريدون ان تفعلوا بالمياه؟ هل تريدونها للشرب ام للاستخدام المنزلي؟ فيرد عليه بري: لنملأ برك السباحة!!

 

وفي الواقعة اكثر من دلالة: فأولاً الغطرسة الاسرائيلية والعربدة امام الاستخذاء العربي والانكفاء العربي والوهن والعجز والشلل والقرف العربي، الكيان الغريب المصطنع الهجين المتمدد على حساب الدول العربية يسأل: لماذا تريدون مياهكم؟ او قل مياهنا؟

 

وثانياً هذا الغطاء الامريكي والمسارعة الامريكية، ففي غضون يوم من احتجاج «اسرائيل» كان موفد امريكا قد شرف المنطقة -مسافة السكة- ليواصل الضغط على اللبنانيين وكأنه مندوب «اسرائيل».

 

وهنا نقول للواهمين الذين يدعوننا لأن نحيد أمريكا. دلونا على السبيل كيف نحيد أمريكا عن «اسرائيل» يا عقلاء العالم!

 

والسؤال في الختام: لماذا القوم لا يفرطون «بحق غيرهم» وقومنا يفرطون بحقهم؟!

 

7- في الصراع او الخلاف على جزيرة ليلى، وهي مجرد صخرة خالية، وقفت اوروبا كلها مع اسبانيا وهي ظالمة، وفي صراع أمريكا مع «الاشقاء» في العراق وقف العرب كلهم ضد العراق وهي مظلومة!!.