الانتفاضة: التقييم والتقويم

 

بقلم :  فرج شلهوب

farajsh_assabeel@yahoo.com

 

انتفاضة الأقصى، الف وتسعماية شهيد، عشرات الآلاف من الجرحى، مئات البيوت المهدمة، ومئات الآلاف من الاشجار المقلوعة، حصيلة مرعبة!! هكذا يحاول البعض تصوير عامين من الصمود الفلسطيني، قبل ان يخلص من عرضه المجزوء، الى ان ثمة خطأ ارتكب، وان الاصلاح يبدأ من قرار وقف الانتفاضة.

 

قراءة مشوهة، تدعي الحكمة بأثررجعي، يسكنها اليأس والعجز والقنوط حتى اعماق الاعماق، وربما يسكنها بشيء آخر غير اليأس والقنوط!!

 

ان القراءة الصحيحة، للانتفاضة لا يمكن اختزالها في جملة الارقام السابقة.. تماماً مثلما ان الخلوص الى تلك النتائج لا يمكن بحال من الاحوال اعتباره رؤية ثاقبة ومبصرة.

 

فالأمر اولاً: ينبغي ان يُحدد كل طرف، على صلة بالانتفاضة ويهمه امرها وينبري لقراءة مسيرتها بزعم ترشيدها.. أين موقعه خلال العامين الماضيين؟! وفي أي مربع كان يقف، العداء للانتفاضة أم الداعم لها؟! أم في صفوف النظارة ممن لا يحسنون سوى المراقبة بعين واحدة؟!

 

وثانياً: اذا سلمنا بأن اهداف الانتفاضة، رغم التضحيات المشار اليها، لا تزال بعيدة.. فهل الخلل في اصل وجود الانتفاضة أم في أمر آخر، وما هو هذا الآخر؟! ومن المسؤول عن هذا الخلل؟

 

هل هم الشهداء الذين قدموا ارواحهم، أم المعتقلون والجرحى ممن صنعوا اروع المواجهات مع الاحتلال، رغم غياب التوازن وقلة العدة والعتاد؟! أم ان التردد في حسم الخيار مع المقاومة.. ووضع قدم في الماء واخرى في الطين، هو الذي اربك المسار الشعبي والمقاوم على حد سواء؟! وأين هي حدود مسؤولية بعض السماسرة، الذين نصبوا انفسهم قادة للشعب ، بينما لم ينفكوا منذ يوم الانتفاضة الاول، عن الطعن فيها، ونسج خيوط العلاقة والصداقة مع الاحتلال، واخيراً تصعيد الصراع على كعكة السلطة، بينما الانتفاضة في ذروة الصراع مع الاحتلال؟!

 

هل قصَّر شعب الانتفاضة وخذل نفسه وأمته، وهو من دشن بدم ابنائه اعظم التضحيات واعظم الصمود، في العمليات الاستشهادية وفي صمود جنين الاسطوري، وفي تفجير دبابات المركافا بشحنات الديناميت والعبوات المصنعة محلياً؟! أم ان المقصر هو النظام العربي الرسمي الذي تقاصر حتى بلغت قامته دون الارض، حين آثر التفرج على الدم الفلسطيني وكف اليد عن تقديم العون والاسناد الحقيقي لشعب الانتفاضة، من نفسه أو من غيره، ولم يكتف بهذا، بل اخذ على عاتقه احكام الحصار من حولها، مادياً واعلامياً وربما سياسياً في بعض الاحيان، فضلاً عن شراكته المباشرة في عمليات التنفيس عبر المبادرات السياسية والتطبيع وانضاج البديل وملاحقة الصادقين والتمكين للمشبوهين في القيادة الفلسطينية؟!

 

ان تقييم الانتفاضة لا ينبغي ان ينصب على جانب دون آخر، ولا ان ينتقى من الاحداث والارقام، ما يعزز وجهة دون اخرى.. وبغير وجه حق.

 

لقد اوجعت الانتفاضة الاحتلال، بأكثر مما أوجع الاحتلال شعب الانتفاضة، رغم الفارق في الخسائر المادية، والارقام والشهادات في ذلك اكثر من ان تحصر، غير ان للاحتلال هدفاً واضحاً وارداة واحدة، بينما تعددت الاهداف في الطرف الآخر، وتوزعت الارادات، بين مقاوم محاصر يقاتل بدمه ولحمه الحي، وآخر يبحث عن مجده وموقع قدمه بعد ان تنجلي المعركة. ولا يمنع هذا ان يكون ثمة اخطاء وقعت في مسيرة الانتفاضة، ولكن بالقطع لن يكون التصويب، بقتل الانتفاضة والتسليم للاحتلال، استجابة لقراءة اناس، لم يكونوا من الانتفاضة ولا معها في أي وقت من الاوقات.

 

ان الحقيقة التي لا يجوز ان تغيب عن أي تقييم ان الانتفاضة لم تنكسر ولم يُهزم شعبها، وهبة حصار المقاطعة مشهد بسيط من بين مشاهد كثيرة، تثبت ان الشعب الفلسطيني لا يزال قادراً على المواجهة والصمود، ولكن المهم الآن، وبعد عامين من القتال، ان تحدد القوى الوطنية المقاومة، وليس المساومة، ماذا تريد؟! وما هو برنامجها الموحد، بعيداً عما يروجه دعاة التصالح مع الاحتلال، وبعيداً عن أية حسابات خارج ما تمليه مصلحة الشعب ومصلحة قضيته العادلة؟!

 

فحكومة شارون لم تنتصر، ولن تنتصر طالما ان الشعب الفلسطيني مصمم على انتزاع حقه وعدم تمكين المتخاذلين من تحديد مصيره، القريب والبعيد، وسيكون خطأ استراتيجياً، ومهما كانت المبررات، تمكين حكومة اليمين المتطرف، من الشعور بلذة الانتصار على الانتفاضة، فمثل هذا الخطأ قاتل ولايجوز السماح به، وهو ما يعني ، ان احد اهداف الانتفاضة الاساسية التي لا يجوز التنازل عنها، هزيمة حكومة اليمين..واقناعها بلغة الدم والعمليات الاستشهادية، ان حلاً عسكرياً لا يمكن فرضه على الشعب الفلسطيني، طال الزمان أم قصر، والمسألة على هذا النحو، ليست صعبة، ولكنها تحتاج للصبر والمزيد من الصبر، خصوصاً وان البديل عن الصبر، هو الاستسلام لحكومة اليمين، وبالتالي فرض، تسوية مشوهة، ليست الا اعادة انتاج لصورة الاحتلال، وسيطرته على الارض والانسان، تحت مسيمات واسماء مضللة وخادعة.