ذكرى الانتفاضة (2 - 3)
بقلم : م. علي حتر
hatar_assabeel@yahoo.com
5. الانتفاضة والموقف الأمريكي
أمريكا عدو مباشر، بل إنه عدو حدود مباشر من
خلال الكيان الصهيوني.. هذا ما برهنته هذه الانتفاضة.. ولم يعد أي من أصدقائها
قادرا على الدفاع عن مواقفها بعد مواقفها في دعم الكيان الصهيوني بكل الوسائل.
والتدخل الأمريكي وأشكاله المختلفة في
المسألة، أمنيا واقتصاديا وحتى التدخل بفرض الشخوص على الساحة الفلسطينية، وعلى
الساحات العربية المجيطة، له دلالات تبرهن كل ذلك..
6. الانتفاضة وموقف الأمم المتحدة
أما الأمم المتحدة من خلال المماطلات، وتشكيل
لجان التحقيق في مجزرة جنين ثم إلغائها، قبل أن تبدأ عملها، وتجاهل كل ما عرض في
قنوات الإعلام، والوقوف منه موقف الفيلم السينمائي، وازدواجية المعايير في الوقوف
من العمليات البطولية واعتبارها إرهابا، بينما اعتبرت المجازر عمليات عسكرية
عادية.. كل ذلك أثبت أن هذه المنظمة تابعة تبعية كاملة لأمريكا ومن بعدها الكيان
الصهيوني الذي يرفض الامتثال لأي قرار من قراراتها رغم أنها كلها، تصب في مصلحته
بشكل نسبي، ورغم عدم قبوله بتحديد حدوده بشكل نهائي ورغم وجود أسلحة الدمار الشامل
النووية لديه ورفضه الاشتراك في أية معاهدة دولية لنزع الأسلحة.
7. الانتفاضة والظواهر المشرفة
أنتجت الانتفاضة مجموعة من الظواهر والدروس
للإنسانية، وهي في معظمها ظواهر غير مسبوقة في التاريخ، بسبب خروجها من شعب أعزل
محاصر من أعدائه وأبناء جلدته ومن العالم كله.. ومن هذه المظاهر، على سبيل المثال
لا الخصر:
ظاهرة استعمال الشعوب العزلاء للحجر وقدرتها
على الصمود في وجه أعتى الحكومات وأقوى الجيوش.
ظاهرة فارس عودة وهو الطفل الذي وقف أمام
أقوى الدبابات يقاتلها بكمشة من الحجارة.
ظاهرة الاستشهاديين والاستشهاديات والأمهات
اللواتي يودعن أبناءهن إلى الشهادة
8. الانتفاضة وظواهر مقلقة
مثلما قدمت الانتفاضة للعالم ظواهر ونماذج
بطولية يحنذى بها، نمت خلالها بعض الظواهر التي كان وراءها المرتزقة والعملاء
والمتساقطون، الذين وقفوا يحفرون تحتها بدهاء مقيت، وبحجج مدروسة بعناية، ليعملوا
على تفتيت العمل البطولي المقاوم من أجل مصالحهم مرورا بمصالح الصهاينة
والأمريكان. ومن هذه الظواهر:
ظاهرة فساد السلطة خلال الثورة، وهي ظاهرة
وجود قيادات فاسدة غير مقاومة توجت بتيجان الشرعية المزيفة، على رأس شعب يقاوم بكل
قواه.. ورغم ذلك يستمر ولا يستطيع أحد منعه من القتال الدامي بدون سلاح.. مع بعض
القيادات المحدودة القدرات بسبب حصارها.. وبدل أن تقوم السلطة بدعمه وتوجيهه وجهة
المقاومة، تقوم بإدانة عملياته البطولية، وتنسق مع العدو تحت إشراف المخابرات
الأمريكية وهي كما نعرف أكبر المؤسسات في العالم منحيث العداء والتآمر على
الشعوب.. وتقوم بعض أجهزتها الأمنية بتسليم مناضليه للعدو.. بحجة التنسيق الأمني
مع العدو، رغم إصرار هذا الشعب المميز على أن يوحد وجهته ولا يدخل في معارك غير
معاركه مع العدو الرئيسي.. ومن الظواهر التي انتشرت في فلسطين والدول المحيطة
بها.. ظاهرة الكتاب المرتزقة والذين انبروا يشككون بقدرة الانتفاضة على الصمود..
ويختلقون مختلف المبررات لإثبات ذلك بدل دعم المناضلين.. وهم يختارون الكلمات
المقنعة غير المباشرة ليعتقد القراء أنهم يفعلون ما يفعلون من أجل حماية الشعب
العربي في الأرض المحتلة. ولا بد من فضح هؤلاء المرتزقة وكشفهم حتى يفشلون هم ومن
يمولهم في تحقيق نتائج لحربهم النفسية التي يشنونها ضد الانتفاضة..
9. الانتفاضة والموقف الصهيوني الرسمي
علاقة الكيان الصهيوني بسادته الامبرياليين
بدأت تدخل في مجال اعادة التقييم، بعد أن أدخلت الانتفاضة حالة من الشك لدى بعض
الغربيين، لعدم قدرة الكيان الصهيوني على حماية مصالحهم: لأن من لا يستطيع حماية
تل أبيب، لا يستطيع حماية النفط، او قناة السويس بينما كان في الماضي يتدخل
لحمايتها، (ضرب المفاعل العراقي وحرب السويس)
ومن لا يستطيع ضمان اوسلو ووادي عربة وكامب
دافيد، ، لا يستطيع ضمان سايكس - بيكو.
ومن لا يستطيع حصار غزة وحدها، يفقد دوره
الفعال في مواصلة الحصار على العراق..
ومن لا يستطيع ضمان أمنه، هل يستطيع ضمان امن
الرجعيات في المنطقة؟
ومن تشغله الانتفاضة كل هذا الاشغال، هل يمكن
ان يتفرغ لإنجاز مهام خارج حدوده؟
ومن لم يستطع ان يفرق العرب في الساحة
الفلسطينية وحدها، هل يستطيع ان يكون له دور واعد في تمزيق الامة العربية على
الساحة الشاملة؟
كما ابرزت الانتفاضة للعالم وحشية هذا الكيان
التلمودي، في مسائل قتل الأطفال واستعمال الطائرات ضد المدنيين الأفراد، وضرب
سيارات الإسعاف وسحب الجثث والتمثيل بها وتدمير مخيم جنين وحصار كنيسة بيت لحم..
والتجويع وهدم المنازل على أهلها وجرف أشجار الزيتون وإبعاد أهل المناضلين،
واغتيال القادات واعتقالهم في أسوأ الظروف..
كما برهنت لكل ذي عقل وللمراهنين على الحمائم
الصهيونية وعودتها للحكم، أن حزب العمل لا يختلف عن الليكود، وهو الذي شاركه في كل
عملياته العسكرية الهمجية وباركها قبل أن تنطلق من خلال مشاركته في الحكومة.. في
وزارات من أهم وزاراته (الخارجية)
وأثبتت الانتفاضة إصرار أهلنا على النضال
وعلى الصمود فوق الأرض فشل كل الإجراءات الأمنية والحصار والحواجز، واختيال القادة
الميدانيين، والعمليات الأخيرة اثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا الشعب وهذه
الانتفاضة تنجب البطل تلو البطل، وعندما تهدأ، فهي لا تهدأ إلا لتبدأ من جديد. كما
أثبت تمسك أهلنا بالأرض عجز العدو وكل القوى المتآمرة على امتنا عن تنفيذ برنامجها
المتعلق بالتهجير الطوعي أو القسري، وأن شعبنا قد تعلم من مأساة 1948 ألا يغادر
أرضه.. مهما كانت الظروف والمؤامرات..
10. الانتفاضة والموقف الصهيوني غير الرسمي
كان للانتفاضة دور هام في خلخلة النسيج
الإجتماعي والسياسي والديني للمجتمع الصهيوني، وهز كل ما فيه من إيمان بقدرته على
الصمود بعد أن كان يأمل أن يتوج مشروعه بأن يصبح كيانا طبيعيا ثابتا في المنطقة،
وخصوصا بعد التنازلات التي قدمتها له القيادات العربية والفلسطينية تحديدا، وتمثلت
هذه الخلخلة في خلق ظروف لم يعتد عليها اليهود القادمون من أجل الاستمتاع بأرض
العسل واللبن.. فها هو يفقد الأمن في أكثر اماكنه حراسة.. وداخل حصونه ومعاقله
وحتى وزارة الدفاع.. وفي ملاهيه ومدارسه وجامعاته وفنادقه المحروسة.. وفي وسائل
مواصلاته وداخل مستوطناته.. وفي غرف نومه.. والمهم أن الانتفاضة أثبتت أن فقدان
الأمن عملية مستمرة وغير قابلة للتوقف.. رغم وعود شارون بتحقيقها خلال مائة يوم..
في حين بدأت السنوات تجري وتركض وهو يراوح في مكانه.. وتنخفض معها شعبيته يوما بعد
يوم..
ومن نتائج فقدان الأمن في المجتمع الصهيوني..
بروز فكرة انهيار الكيان الصهيوني داخل نفس
المجتمع الصهيوني ومناقشتها لأول مرة في تاريخه من خلال عملائه وخبرائه ومفكريه..
إنخفاض معدلات الهجرة اليهودية إلى فلسطين..
ولجوء الصهيونية إلى استيراد يهود مشكوك في أصولهم مثل الفلاشا ويهود الأرجنتين
بإغراءات مالية كبيرة (وقد قال ذلك الحاخام اليهودي يشعياهو هرتسل محذرا من خطر
دخول اليهود غير الأنقياء إلى شعب الله المختار)
كما ازدادت الهجرة المضادة أي هجرة اليهود من
فلسطين، وتجاوزت التوقعات حيث اقتربت من المليون باعتراف العدو نفسه على قناة
الجزيرة.
انتشار الامراض النفسية بين المدنيين،
وانتشار المهدئات بينهم
انتشار الامراض النفسية بين الجنود وامتناعهم
عن الذهاب لمجابهة الاطفال، واعتقال مئات الجنود بسبب ذلك.
تحول المدن الصهيونية الى مدن اشباح في
المساء، واضطراب الحياة الاجتماعية فيها.
الهروب من المستوطنات، والذي فاق كل توقع،
رغم ما يبني الصهاينة على هذه المستوطنات من امل يضمن فيه بقاء هذا الكيان
وديمومته.
حركة الطيارين الذين وقعوا على عريضة أعلنوا
فيها رفضهم للقتال ضد الشعب الأعزل
حركة الطلاب الذين وقعوا عريضة وأرسلوها إلى
شارون تؤكد رفضهم للإنخراط في الجندية (منذ أيام فقط)
اشتداد الخلافات الداخلية بين الصهاينة، ونمو
الحركات التي تطالب بتقديم التنازلات.
تراجع الاستثمارات الاجنبية في الاراضي
المحتلة، وتوقف السياحة.
اغلاق المصانع الصهيوينة، وتعثر التجارة،
وافلاس الكثير من الشركات الصهيونية.
كثرة المقالات المعارضة لسياسة شارون
والمشككة بقدرة الكيان الصهيوني على الإستمرار.
( يـتــبـــع )