من أقوال الصحف العالمية

5 أبريل 2002

 

ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

هذه الحلقة من هذا الباب خاصة بالانتفاضة الفلسطينية المباركة أستهلها بقصيدة أحمد مطر الأخيرة قبل أن أشرع في التجول بين سطور الصحف الأجنبية. ففي قصيدة بعنوان "نسألكم الرحيلا ... سوف لن ننسى لكم هذا الجميلا" يقول الشاعر المبدع أحمد مطر مخاطبا بعض الأغوات العرب:

 

ارفعوا أقلامكم عنها قليلاً

واملئوا أفواهكم صمتًا طويلاً

لا تجيبوا دعوة القدس .. ولو بالهمس

كي لا تسلبوا أطفالها الموت النبيلا

دونكم هذه الفضائيات فاستوفوا بها "غادر أو عاد"

وبوسوا بعضكم .. وارتشفوا قالاً وقيلاَ

ثم عودوا ..

واتركوا القدس لمولاها ..

فما أعظم بلواها

إذا فرت من الباغي .. لكي تلقى الوكيلا !

 

طفح الكيل .. وقد آن لكم أن تسمعوا قولاً ثقيلاً

نحن لا نجهل من أنتم .. غسلناكم جميعًا

وعصرناكم .. وجففنا الغسيلا

إننا لسنا نرى مغتصب القدس .. يهوديًا دخيلاً

فهو لم يقطع لنا شبرًا من الأوطان

لو لم تقطعوا من دونه عنا السبيلا

أنتم الأعداء

يا من قد نزعتم صفة الإنسان .. من أعماقنا جيلاً .. فجيلا

واغتصبتم أرضنا منا

وكنتم نصف قرن .. لبلاد العرب محتلاً أصيلاً

 

أنتم الأعداء

يا شجعان سلم .. زوجوا الظلم بظلم

وبنوا للوطن المحتل عشرين مثيلاً

أتعدون لنا مؤتمرا ؟

كلا

كفى

شكرًا جزيلاً

 

لا البيانات ستبني بيننا جسرًا

ولا فتل الإدانات سيجديكم فتيلاً

نحن لا نشتري صراخًا بالصواريخ

ولا نبتاع بالسيف صليلاً

نحن لا نبدل بالفرسان أقنانا

ولا نبدل بالخيل الصهيلا

 

نحن نرجو كل من فيه بقايا خجل .. أن يستقيلا

نحن لا نسألكم إلا الرحيلا

وعلى رغم القباحات التي خلفتموها

سوف لن ننسى لكم هذا الجميلا

 

ارحلوا

أم تحسبون الله لم يخلق لنا عنكم بديلا ؟!

أي إعجاز لديكم؟

هل من الصعب على أي امرئ ..أن يلبس العار

وأن يصبح للغرب عميلا ؟!

أي إنجاز لديكم ؟

هل من الصعب على القرد إذا ملك المدفع ..أن يقتل فيلا ؟!

ما افتخار اللص بالسلب

وما ميزة من يلبد بالدرب .. ليغتال القتيلا ؟!

 

احملوا أسلحة الذل وولوا .. لتروا

كيف نُحيلُ الذلَّ بالأحجار عزًا .. ونذلُّ المستحيلا

 

تذكرني قصيدة أحمد مطر بمقولة لوكيل أحد الأغوات حينما وضع على وجهه تعبيرا جادا ثم ردد على مهل "سوف نتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب" يا سلام لقد ارتعدت فرائص جنازير الدبابات حول المباني الفلسطينية المهدمة وأوشك شارون أن يبول على نفسه من وقع هذا القول الغليظ وعندما تم اتخاذ القرار الأول قال معلق البي بي سي أن إسرائيل كانت سعيدة بالقرار لأنها كانت تتوقع قطع العلاقات الدبلوماسية تماما.

 

اعذرني يا سيدي القارئ فقد طفح الكيل، ولنبدأ بافتتاحية الواشنطون بوست The Washington Post الأمريكية الصهيونية في 30/3/2002 بعنوان "أوقفوا الهجوم":

(ربما كانت هناك استراتيجية واضحة وراء الهجوم العسكري الإسرائيلي على رام الله ومكاتب قيادة ياسر عرفات هناك. إلا أنه من الصعب تبين ذلك إذا ما كان الأمر كذلك. لا شك أن آخر الأعمال الإرهابية الفلسطينية - بما في ذلك القنبلة الانتحارية المثيرة للقرف في مستهل عيد الفصح يبرر ردا دفاعيا، ولكن من الصعب أن نرى كيف أن هجوما عسكريا على واحدة من أكبر المدن الفلسطينية والاستيلاء على مبنى السيد عرفات سوف يكون أكثر فاعلية في وقف العنف من الهجمات الإسرائيلية على مدى العام الماضي. على العكس من ذلك إن تكرار وتصعيد استخدام رئيس الوزراء أريل شارون للقوة لم يساعد إلا على زيادة تصاعد العنف الذي زاد عدد خسائر الأرواح الإسرائيلية والفلسطينية أضعافا. أوشك السيد شارون خلال ذلك على تدمير السلطة الفلسطينية، وهي الشريك الوحيد المتوفر للتفاوض بشأن وقف إراقة الدماء. إن هذا الهجوم الأخير يزيد من خطورة احتمال إتمامه لغرضه معرضا إسرائيل لحرب طويلة مع المتطرفين لا يمكن كسبها.)

يمضي المقال إلى ترديد نفس الأقوال اليهودية من أن عرفات يرفض وقف العنف رغم توسلات شيني  Cheney وزيني Zinni وكيف أن مثل ذلك السلوك من عرفات لا يمكن تبريره. ثم يعود الكاتب ليخفف من لهجته عن عرفات قائلا:(ولكن من الصعب أن نتخيل كيف يمكن له أن يكسب تأييد الفلسطينيين لوقف إطلاق النار في الأسابيع الأخيرة بينما وحدات الجيش الإسرائيلي تقوم بهجمات تدميرية داخل مخيمات اللاجئين أو كيف يمكن له الاستجابة لنداء الإدارة الأمريكية بأن يتحرك ضد الإرهابيين إذا ما وضعنا في الاعتبار أن القوات الإسرائيلية قد حصرته في طابق واحد من المبنى الرئيسي لقيادته وأن مساعديه وحرسه الخاص قد قتلوا أو قبض عليهم وأن الكهرباء قد قطعت وتم تدمير كافة المباني الأخرى بمجمع القيادة. لقد تأكد السيد شارون من أن السيد عرفات لن يستطيع تلبية المطالب الإسرائيلية والأمريكية.

وقد بذلت إدارة بوش كل جهد بالأمس - مثلما فعلت لعدة شهور- لكي تتجنب انتقاد أعمال السيد شارون. ومع ذلك فإن اختلاف السياستين الإسرائيلية والأمريكية يبدو شديد الوضوح، فقد قال سكرتير الدولة كولن باول بالأمس أن "الرئيس عرفات هو قائد الشعب الفلسطيني" بينما قال السيد شارون أنه عدو لإسرائيل ويجب فرض العزلة عليه. تقول الإدارة الأمريكية أن أولويتها هي وقف إطلاق النار بينما استدعى السيد شارون بالأمس الآلاف من جنود الاحتياط وطلب من البلاد أن تستعد لعمل عسكري قد يستمر لأسابيع. الإدارة الأمريكية تريد أن يصدق السيد عرفات على خطة سلام سعودية في بيروت بينما يرفض السيد شارون السماح له بالسفر. إذا ما كانت إدارة بوش تريد حقا إنهاء القتال الإسرائيلي الفلسطيني والعودة إلى عملية السلام فإنها لا يمكن لها أن تركز كل ضغوطها على الرئيس الفلسطيني وحده وقد أصبح سجينا لإسرائيل من الناحية العملية. يجب على الإدارة الأمريكية أن تطلب من السيد شارون وقف هجومه من أجل إسرائيل ومن أجل الإدارة الأمريكية.)

هذا الكلام لا ينطلي علينا. شارون لا يتحرك خطوة إلا بموافقة - وربما بتعليمات من - الإدارة الأمريكية التي أغضبها أن العرب صالحوا بين الكويت والعراق والحجاز وأعلنوا تضامنهم مع العراق واعتبروا الهجوم عليه هجوما عليهم جميعا. لذلك يبدو أن جورج بوش - ذلك الصبي الأخرق المغرور قد أطلق يد شارون لينتقم من العرب بضرب الشعب الفلسطيني. وما زال يهود الإدارة الأمريكية يحاولون وصم الأعمال الفدائية الفلسطينية بالإرهاب بعد أن أدرجوا المقاومة الفلسطينية ضمن قوائم الإرهابيين.

 

أما هآريتز الإسرائيلية في 31/3/2002 فقد بدأت افتتاحيتها "القوة لا تكفي" بلعن عرفات وبشاعة "الإرهاب الفلسطيني" وكررت العبارات المعتادة عن مدى استعداد إسرائيل وعملها الدؤوب من أجل السلام وتنازلاتها السخية مثل إسقاط شرط أسبوع من الهدوء التام قبل التفاوض، إلى أن قالت:

(لقد حولت تلك الملابسات عملية جيش الدفاع الإسرائيلي إلى ضرورة، رغم مخاطر احتمالات الشجب والاستنكار. تشعر إسرائيل في مواجهة الإرهاب الفلسطيني بضرورة بسط قوتها للحد من عنصر العنف الذي أدرجه عرفات ضمن مناوراته بشأن وقف إطلاق النار. ورغم ذلك فإننا لا يمكن أن نتجاهل أن من طبيعة العمل العسكري أنه ذو قيمة محدودة، فهو لن ينهي المواجهة ولن يدمر الإرهاب.

بالإضافة إلى أن القوة العسكرية مهما كان طابع ربطها بوقت معين لا يمكن لها الوقوف بمفردها، بل ينبغي أن تكون جزءا من مفهوم استراتيجي. هذا المطلب الأساسي غائب في الموقف الإسرائيلي. لم تضع حكومة شارون لنفسها حتى الآن هدفا سياسيا مقبولا يمكن الوصول إليه لكي تتحرك نحوه. وأسوأ من ذلك أنه في ظل الملابسات الحالية قد تجنبت الحكومة فرصة الإمساك بالمبادرة السعودية لكي تحدد لنفسها وللشعب خط أفق سياسي.

لذلك فإن الحكومة قد أيقظت القلق مرة أخرى من أنها في غمرة صراعها مع السلطة الفلسطينية لم تمد يدا أمينة للسلام وإنما عملت على تحقيق العكس وهو الاستمرار في إحكام قبضتها على المناطق <المحتلة>. إن الوقت لم يفت لمواجهة هذا الشك ببدء حوار مع العالم العربي على أساس النتائج التي توصلت إليها قمة بيروت.)

تذكرنا هذه الافتتاحية بتضارب الإدارة الأمريكية، فبعد أن رسمت تلك الإدارة كل الخطوط العريضة لمبادرة الاستسلام وكلفت السعوديين بتقديمها باسمهم، هالتها النتائج الأخرى للقمة فنسيت مخططها الأساسي وأرادت الرد الانتقامي السريع من العرب بإطلاق العنان لذلك الثور اليهودي الهائج في سعيه الدؤوب لرؤية لون الدماء.

 

نشرت الواشنطون بوست أيضا مقالا لكاتبها ريتشارد كوهين Richard Cohen في 2/2/2002 بعنوان "من مدينة الجزائر إلى القدس". يقول الكاتب:

(كان أريل شارون مشغولا مؤخرا بحيث أنه يصبح مفهوما إذا ما كان قد فاته احتفال سنوي معين في الشهر الماضي هو الاحتفال بنهاية الحرب الفرنسية الجزائرية. قبل أن تنتهي تلك الحرب في 1962 كان عدد القتلى لا يقل عن 250 ألف من الجزائريين ومن الجنود الفرنسيين 25 ألف. أضف إلى تلك الأرقام حوالي 4500 من المستوطنين الأوربيين وحوالي 150 ألف من الجزائريين الذين كانوا يعملون مع الفرنسيين وربما حاربوا في صفوفهم وقد تم ذبحهم في نهاية الحرب.

لقد ذكرت المثال الجزائري لأنني اعتقدت منذ وقت طويل أنه نفس الاتجاه الذي سيأخذه العصيان الفلسطيني الثائر لا محالة. السبب ليس لأن كلا المجتمعين من المسلمين وإنما لأنهما يعتبران نفسيهما محتلين بالمستعمرين الذين يعتبرون أنفسهم بالتالي من أهل البلاد الأصليين تقريبا.

تذكر أن الجزائر لم تكن مستعمرة فرنسية وإنما كانت جزءا من فرنسا ذاتها، وتذكر أيضا أن الفرنسيين لم يحاربوا دون عزيمة، فقد رد الفرنسيون على أساليب العصابات والإرهاب منذ بداية الحرب بكل الكبت والشدة. كان الاغتيال شائعا والتعذيب روتينيا واغتصبت حقوق الإنسان بأفعال مثل الاغتصاب الجماعي. كان الفرنسيون يرون أن عدوهم همجي بربري ونزلوا بأنفسهم إلى ذات الدرك.

إن معركة مدينة الجزائر قائمة اليوم في القدس وتل أبيب وحيفا ونتانيا وفي أي مكان يمكن أن يتسرب إليه الانتحاري الفلسطيني المتفجر، والمعركة يخوض غمارها الإسرائيليون أيضا بأساليب تزداد يأسا، بدأت بالاغتيال الوقائي والآن بإعادة احتلال الضفة الغربية تقريبا.

إن المسار الذي أخذته الحرب أو الصراع الفلسطيني ربما يكون قد تاه عن شارون وربما عن الرئيس بوش فيما يبدو، لكنه لم يغب عن بعض المشاركين الآخرين. يقول محمد عوده "إذا قتلونا قتلناهم. لن يتوقف الأمر." عوده يقول ذلك عن علم فابنه عبد الباسط هو الذي فجر نفسه في نتانيا في الأسبوع الماضي وقتل 22 غيره في عشاء عيد الفصح.)يمضي الكاتب إلى القول في نهاية المقال الطويل: (كلما دفع شارون بالجيش الإسرائيلي إلى أعماق الضفة الغربية كلما زاد الخطر. فهو والعسكريون سيسبحون عندئذ في بحر مليء بأسماك القرش، في ثقافة تقدر وتمتدح الانتحاري المتفجر فهو يجلب لأهله التميز وبعض المال، وكلاهما لا تملك العائلة منه إلا القليل. يستطيع شارون إذا شاء أن يتخلص من عرفات لكن ذلك لن يغير شيئا في المدى البعيد، فسوف يأتي من بعده قائد جديد وسيستمر الصراع.

الفلسطينيون يمارسون الإرهاب، لا شك في ذلك. هذا شيء لا يمكن تبريره ولكن يمكن فهمه. الإرهاب سلاحهم الرئيسي الذي يؤتي ثماره وسوف يستمر إلى أن يشعر الفلسطينيون بأن أهدافهم السياسية قد تحققت، ومن الغباء أن نستمر في العواء بقولنا "تنت Tenet ثم ميتشل Mitchell" كما لو كان في ذلك تعويذة سحرية سوف تقضي على الإرهاب.

المأساة التي يمكن ضمها إلى باقي المآسي هي أن كل الأطراف الأساسية فيما يبدو توافق على ضرورة إنشاء الدولة الفلسطينية وتوافق على حق إسرائيل في العيش في سلام. ولكن لكي يحدث ذلك فإن على إسرائيل أولا أن تخرج من الضفة الغربية ومعظم المستوطنات وليس كلها. ربما يبدو الانسحاب وفض الاشتباك والعودة إلى حدود 67 خضوعا للإرهاب لكنه أيضا في صالح إسرائيل.

الفرنسيون الذين يعطون للولايات المتحدة دروسا في حقوق الإنسان برهنوا في الجزائر على أنه لا يوجد شيء يهزم عدوا يحارب بأسلوب أقذر وأحط وبعزيمة أقوى. لا يفلح القمع ولا القتال ولا التعذيب ولا الاغتيال. في هذا درس لأريل شارون وجورج بوش إما أن يستوعبوه وإما أن يكرروه.) لاحظ أن هذا اليهودي - رغم اعتدال نبرته بعض الشيء -  قد اقترح الإبقاء على بعض المستوطنات بالضفة الغربية. لا غرو فاليهودي كالكلب إذا التقط عظمة لا يتركها بسهولة، والضفة جزء أساسي من أسطورة أرض الميعاد وإسرائيل الكبرى.

 

نشرت الجارديان The Guardian مقالا لكاتبها جاكسون ديهل Jackson Diehl في 2/4/2002 تحت عنوان "الوسيط التجاري الذي يبدو اليوم مفلسا" انتقد فيه الموقف الأمريكي الذي تحول في رأيه إلى دور المتفرج. يقول الكاتب:

(حين تولى جورج بوش الرئاسة في العام الماضي ازداد الأمل في الشرق الأوسط في أنه سوف يكرر واحدا من أعظم مكاسب والده الذي استخدم الدبلوماسية القوية الخلاقة لجر الإسرائيليين والفلسطينيين بعيدا عن صراع يزداد سوءا إلى عملية سلام. وبدلا من أن يحدث ذلك فإن الظاهر الآن هو أن القتال الإسرائيلي العربي سوف يذكر على أنه يوغوسلافيا إدارة بوش الحالية. هذا موقف خطير سمحت الولايات المتحدة له بأن يتحول إلى كارثة بتخوفها وسلبيتها المتعمدة.

كانت البلقان الخطأ الأكبر للسياسة الخارجية في سجل إدارة بوش الأولى. لقد فتح بوش الأب الطريق لسنوات من إهدار الدماء برفضه اتخاذ الخطوات المتواضعة نسبيا، والتي كان من شأنها إيقاف الاعتداء الصربي في 1991. يبدو أن الإدارة الحالية مصابة بفشل مماثل في الشرق الأوسط. فبالرغم من أن هذه الحرب من عمل ياسر عرفات وأريل شارون، إلا أن الإدارة الأمريكية شريكة في ذلك بإصرارها غير المقبول على التنحي جانبا في منطقة كانت الولايات المتحدة فيها وسيطا لا غنى عنه لعدة عقود من الزمن.) يستمر الكاتب في انتقاد الموقف الأمريكي وكيف أن كولن باول المتخوف غير الكفء كان من أسباب الفشل في يوغوسلافيا وكيف أن زيارته الوحيدة لإسرائيل في يونية من العام الماضي كانت نقطة تحول نحو الكارثة الحالية. يستمر الكاتب إلى القول ( عندما وصل باول هناك أبدى اقتراحا معقولا بالدعوة إلى تطبيق خطة ميتشل لوقف إطلاق النار تحت إشراف مراقبين دوليين. لكنه تداعى وتراجع فورا أمام مقاومة شارون. وحينما جاء وقت رحيله كان قد ترك فكرة المراقبين تماما واستسلم لطلب شارون سبعة أسابيع من الهدوء التام - دون احتساب اغتيال إسرائيل للفلسطينيين المتشددين كشرط قبل تطبيق أبسط الإجراءات الأولية لبناء الثقة.

صحيح أن الإدارة قد عزلت عرفات وحركت ضده ضغطا دوليا كبيرا لكي يسيطر على العنف، لكنها فشلت في أن تتخذ الخطوتين الأكثر صعوبة لكي ينجح هذا الأسلوب. لقد رفضت الإدارة أن تقدم أية رؤية لعملية سياسية جادة، وأهم من ذلك أن تضغط على شارون الذي تغاضت عنه، بل وباركت أحيانا أساليبه التي تزداد تدميرا.

استمر شارون فجعل من خطة "الضغط على عرفات" أضحوكة. كل فترة من الهدوء وضبط النفس الفلسطيني قابلها شارون بالتحية في صورة اغتيالات ونسف للبيوت أو إغارة على المناطق الفلسطينية. كلما شن معارضو عرفات هجوما إرهابيا كان الرد هجوما إسرائيليا مدمرا على قوات أمن عرفات. احتج متحدثو وزارة الدولة أحيانا لكن البيت الأبيض لم يقل ولم يفعل شيئا. وفي منتصف ديسمبر قامت الإدارة مرة أخرى بالتخلي عن أي تظاهر بالتدخل وذلك بسحب مبعوثها أنتوني زيني. حتى اجتياح شارون الشامل في نهاية الأسبوع قد فشل في الحث على رد فعل جدي.

ما كان لأي قدر من الجهد الأمريكي أن يوصل إلى تسوية سلمية بين عرفات وشارون، فكلاهما لا يريدها، ولكن مثال الإدارة الأمريكية الأولى يوضح ما كان يمكن عمله. فحينما ووجهت تلك الإدارة بعرفات وبرئيس إسرائيلي أشد تعنتا هو إسحق شامير رد بوش الأب وسكرتير دولته جيمس بيكر James Baker برؤية هي مؤتمر مدريد، واستخدمت الولايات المتحدة قوة نفوذها كاملة لإحضار الطرفين إلى هناك. قام بيكر بزيارة إسرائيل ثمان مرات خلال 18 شهرا. لم يتم التطرق مباشرة إلى حل ولكن المباحثات بدأت وتلاشى العنف ووقع عرفات وإسحق رابين اتفاقية صلح جزئية للسلام بعد عامين.

فلماذا رفض بوش الأصغر سياسة أبيه؟ يقول البعض أنه رد فعل زائد لسياسة إدارة كلنتون التي زادت من تدخل الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفشلت في التوصل إلى تسوية. ويشك البعض الآخر في أن بوش يرى أن سياسة الضغط الزائد على إسرائيل كانت خطأ أسهم في فشل أبيه في إعادة انتخابه. في أي من الحالين بدأ قرار هذا الرئيس التخلي عن التدخل يتضح كخطأ ذو أبعاد تاريخية.)

 

أما افتتاحية الجارديان بتاريخ 3/4/2002 فكانت بعنوان "المشكلة مع شارون هي أن سياسته تعمل في الاتجاه المضاد" أقتطف منها نهايتها:

سياسة شارون لها قليل من المدافعين عنها وكثير من الشارحين لها، منهم وزير الخارجية البريطانية. فقد قال بالأمس أن الإسرائيليين "قد بلغوا حالا من اليأس التام" بسبب المتفجرين الانتحاريين. ربما لم تسنح الفرصة له في مقابلة قصيرة ليقول كل ما كان يود قوله، لكن أي شرح يكون منقوصا إذا لم يقيم اليأس الفلسطيني بالإضافة إلى اليأس الإسرائيلي. اليأس وحده - سواء كان فلسطينيا أو إسرائيليا ليس بالمرشد الجيد لتخطيط السياسة، سواء كان هذا التخطيط من المعادين أو من هؤلاء الذين يطمحون إلى المساعدة. إن الحقيقة الرئيسية في الموقف الحالي هي أن إسرائيل لديها رئيس لا ينوي السماح بقيام دولة فلسطينية حقيقية، ربما كان مستعدا أن يقوم بالاحتفال بإنشاء بعض الترتيبات البلدية المضحكة تحت مسمى الدولة الفلسطينية. لن يمكن التقدم نحو السلام إلا إذا أرغم شارون على القيام - أو أن يستبدل شارون بآخر يكون مستعدا للقيام - بعمل مالا يود عمله. قد يدفع البعض بأنه بقدر ما يرفض شارون قيام الدولة الفلسطينية فإن ياسر عرفات - وربما كل العرب بصفة عامة لا يقبلون حقيقة الدولة اليهودية. لكن تبني مؤتمر القمة العربي لاقتراح السلام السعودي يقترح غير ذلك. من المؤكد أن الخداع والتظاهر كانا دائما جزءا من الصورة في الشرق الأوسط، إلا أن هدف عملية السلام كان أساسا خلق الميل تجاه القبول والمصالحة ثم تحويل ذلك إلى واقع مستديم. سياسة شارون تعمل في الاتجاه المضاد تماما.)

 

نشرت جريدة الإيكونوميست The Economist في 4/4/2002 تحليلا سياسيا بعنوان "حرب شارون". بدا التحليل بانتقاد الموقف العربي في المؤتمر الإسلامي ورفض العرب وصم المقاومة الفلسطينية بالإرهابُ، ثم تدرج التحليل إلى محاولة تبرير هجوم شارون واعتباره دفاعا عن النفس. يستمر المقال:

(يصعب على معظم القادة العرب وعلى بعض الأوربيين قبول مفهوم الدفاع عن النفس. بل إن هذا المفهوم في الواقع يثير حفيظتهم. مد العرب يدا حاقدة إلى إسرائيل عارضين السلام ولكنهم أيضا عبروا عن إعجابهم بالإنتفاضة ووعدوا بتقديم العون لها فهم يرونها حربا عادلة وغايتها النبيلة من طرد الاحتلال الإسرائيلي تبرر وسيلتها المفزعة. وحتى الحكومات الأوربية المستعدة لوصم الإرهاب الفلسطيني بصفته الحقيقية ترفض حق إسرائيل في أي رد عسكري، وخاصة غزو المناطق التي وقعت إسرائيل على تسليمها لسلطة عرفات الفلسطينية طبقا لاتفاقيات أوسلو.

تبدي تلك الحكومات نوعا من الإنكار، فهم يرون أن السيد عرفات يظل هاما لعمل السلام ولذلك فهم يرفضون الاعتراف بما يدبره. ففي أوسلو تنازلت إسرائيل عن أراض محتلة مقابل وعد عرفات بمنع الهجمات منها. وقد أخل عرفات بوعده منذ فشل مباحثات كلنتون للسلام في كامب دافيد. ربما لم يخطط عرفات للانتفاضة وربما لم يتمكن رجال شرطته من وقف كل محاولة تفجير انتحارية ولكنهم لم يبذلوا جهدا جديا في الأشهر الأخيرة واضعين اللوم على استفزازات شارون. قام عرفات باستنكار بعض الاعتداءات الوحشية ولكنه حينما ينادي طالبا "مليون شهيد" لتحرير القدس فإن الشهداء يعرفون ما يقصد. باختصار شديد لقد وضع عرفات في جيبه ما أعطته إياه أوسلو ثم أعاد شن حرب تحرير أخرى آملا أن ذلك قد يجلب له ما فشلت المفاوضات في تحقيقه من مكاسب. وحينما نخس إسرائيل بشدة كافية كان لابد لإسرائيل أن ترد فتنهشه.

لقد نخس هو ونهشت إسرائيل، لكن ذلك لا يجعل حرب إسرائيل الجديدة حكيمة. فسيكون لها توابعها غير المحسوبة شأنها في ذلك شأن السواد الأعظم من المجازفات العسكرية. فقد تشعل حدود إسرائيل مع لبنان وقد تخل باستقرار دول عربية مثل مصر أو الأردن على وجه الخصوص وهما الدولتان اللتان دخلتا في سلم مع الدولة اليهودية. وقد تتسبب في سحب نهائي لعرض السلام الذي قدمته قمة بيروت، وقد تسببت بالفعل في إرباك أمل أمريكا في الحصول على تأييد عربي لمحاولة جديدة لخلع صدام حسين.

إضافة لذلك فإن "عملية الجدار الدفاعيOperation Defensive Wall  " سوف تفشل بالتأكيد في تحقيق أهدافها المعلنة. أحد تلك الأهداف هو اقتلاع جذور "البنية التحتية" للإرهاب الفلسطيني. لكن ذلك يتكون أساسا من إمداد من الرجال والنساء الذين يشعرون بالمرارة وعلى استعداد لأن يقتلوا وأن يقتلوا في سبيل فلسطين. لابد وأن تزداد تلك المرارة بعد الحملة الإسرائيلية. الهدف الآخر المعلن هو "عزل" السيد عرفات. لكن كوميديا الموت التي قام شارون بتمثيلها حول المقر الرئيسي لعدوه القديم في رام الله قد أسفرت عن نتيجة عكسية.

كان عرفات قد فقد كثيرا من بريقه نظرا لإدارته العاجزة لفلسطين الجنينية فإذا به الآن يطفو من جديد كرمز محاصر لآمال شعبه. مهما قال السيد شارون فإن بقية العالم مستمر في أن يرى في عرفات المفاوض الوحيد الذي لا غنى لإسرائيل عنه.) يتحدث التحليل بعد ذلك عن الأغراض المستترة للحملة الإسرائيلية ومنها الضغط على عرفات لكي يقبل بشروط زيني لوقف إطلاق النار وكيف أن النتيجة قد تكون الآن مزيدا من الشروط المتشددة من جانب عرفات لأن الفلسطينيين قد تحملوا بجلد شديد مزيدا من الخسائر في الأرواح والعيش ولابد من أن يقترن وقف إطلاق النار بتحقيق بعض مطالبهم مثل المراقبين الدوليين وإجلاء الإسرائيليين إلى حدود 67. يضيف التحليل القول بأن شارون مراوغ فهو يقول شيئا لمجلس وزرائه ويقول شيئا آخر للأمريكيين ثم يفعل شيئا ثالثا يختلف تماما، وهو معروف بعدائه لاتفاقيات أوسلو ورغبته في استمرار الاستيطان بالضفة الغربية وقد أعلن أنه نادم لأنه لم يقتل عرفات في 1982. يستمر التحليل إلى القول: (ليس من قبيل المفاجأة في ضوء ذلك أن الأمريكيين قد تأرجحوا. لقد وضع القتال السيد بوش في حيرة. فهو جاد تماما في حربه العالمية التي أعلنها على الإرهاب. ولا يمكن له القول بأن إسرائيل لا تحارب الإرهاب بعد حدوث الأعمال الوحشية مثل عملية نتانيا. ومع ذلك فإن فلسطين غير مطابقة لنموذج 11 سبتمبر لأن إرهابها موجه لخدمة قضية جديرة هي الدولة المستقلة التي بذلت أمريكا نفسها جهدا لكي تقول بأنها تؤيدها. يستطيع السيد بوش أن يخلص نفسه من هذه الورطة من حيث المبدأ بأن يؤيد الغاية ويرفض وسيلة العنف التي اختارها الفلسطينيون للوصول بها. أما من الناحية العملية فإن ذلك ربما يتطلب العمل مع السيد عرفات، ذلك الإرهابي التائب الذي عاد إلى أساليبه الأولى. من هنا جاء جو التحسين والتعديل للسياسة الأمريكية. يبدو أن السيد بوش اليائس قد أعطى السيد شارون مطلق الحرية ليفعل ما يشاء لمدة قصيرة، على أمل أن السيد عرفات بعد تأديبه سوف يتبين له خطأ أساليبه، وقد أعطيت إسرائيل التعليمات بأن تحافظ على عرفات.

إذا كانت تلك هي الخطة فلا شك أنها خطة يائسة تماما. ماذا لو فشلت؟ ذلك هو مبلغ بؤس الإسرائيليين لدرجة أن رئيس المعرضة الإسرائيلي يوسي سارد Yossi Sarid قد اقترح فكرة لم تكن لتخطر في الماضي وهي إنشاء نوع من المحمية الدولية بالمناطق المحتلة على غرار البلقان حتى يعود السلام إلى أن يتم البت في وضعها النهائي. لا أحد تقريبا يأخذ هذه الفكرة على محمل الجد في الوقت الراهن. السيد شارون قد يقول أنها مكافأة للإرهاب. من الذي يجرؤ على توفير الجنود؟ لقد انهار الانتداب البريطاني في الأربعينيات. لكن اليوم قادم حيث قد لا يوجد بديل، إلا لدى اليهود والعرب في نزاعهم الأبدي بأن يغرق بعضهم البعض في بحر من الدماء.)

 

اعتذار واستدراك: حدث خطأ فني بالوصلة المؤدية لهذه الحلقات حجبت حلقة الأسبوع الماضي، فإليك تلك الحلقة التي كان من المفترض أن يتضمنها عدد الشعب الغراء في 29/3/2002:

 

*****

 

من أقوال الصحف العالمية

29/3/2002

 

ترجمة وعرض: محمد عبد اللطيف حجازي

mehegazi@yahoo.com

 

 اهتم المعلقون الإنجليز كثيرا بمحاولات مارجريت ثاتشر العودة إلى الأضواء بعد نشرها كتابا بعنوان "حرفة حكم الدولة Statecraft "، لكن اهتمامهم كان منصبا على إسداء النصح لها بأن زمانها قد ولى وأن الأوان قد حان لكي تختفي عن الأنظار. تلك نصيحة كانت أولى بتقديمها صحافتنا العربية، لكن المرتزقة لا يجرئون على مجرد التلميح، بل إنهم يفرشون الطريق بالورود فيتعثر فوقه ماض إلى القبر، وأنا أقصد هنا حرفية الكلمة وليس مجرد القبر السياسي، طالما أن سيدنا عزرائيل قد أصبح المسئول الأوحد عن التغيرات السياسية بالعالم العربي.

كان أكثر تلك المقالات تعبيرا لكاتبة "الجارديان The Guardian" كاثرين بنت Catherine Bennett في 21/3/2002 بعنوان "اخرسي يا ماجي فقد فات زمانك" أقتطف منه:

 (كان منا من أعجبته قدرتها على التحكم وقتا طويلا في حزب من الرجال الكارهين لها والمتآمرين عليها والذين كثيرا ما أبدوا احتقارهم للنساء بصفة عامة، ولا يسعنا الآن إلا أن نعجب من أنها قد سمحت لنفسها بأن تعود كالشبح مثل "تيد هيث Ted Heath"، وهو سياسي آخر عجز عن التوقف وظل يحوم بالبرلمان لعشرات السنين بعد خلعه محدقا بشكل مريع في صبيه السابق. كان هيث مثل الليدي ثاتشر اليوم يعجز عن التحكم في نفسه من وقت لآخر. وقد ذكرت ثاتشر بمذكراتها في ازدراء "حينما كنت في استراليا ألقى تيد هيث بخطبة نارية في مانشتر هاجم فيها سياستي."

لكن الوصف "الناري" ليس كافيا للتعبير عن حملتها الدائبة للنيل من اللاحقين لها. لقد وصف "ماجورMajor" سلوكها بأنه "غير محتمل"، بل إن الراحل "ودرو ويات Woodrow Wyatt " المتدله بها والذي كان محل ثقتها كان يرى أنها يجب أن تخفض من غلوائها فكتب بمذكراته قائلا " كانت تصيبني أحيانا لمحات من عدم الولاء لمارجريت فهي دائبة الشكوى من أنهم يكممونها". ومع قدوم هيج كان مؤيديها حملا يماثل معارضيها. والآن هاهي مرة أخرى تتنبأ بانهيار المدنية لمن لا يعقل تحذيراتها وخاصة فيما يتعلق بعضوية الاتحاد الأوربي. يبدو أن النحيب المخيف للبارونة كان له وقعه المرجو في إخافة "إياين دنكان سميثIain Duncan Smith " حين تقول "إن ضيف العرس يجلس على صخرة يستمع رغم أنفه." لكن هذا النحيب كان له أيضا مفعول عكسي في الترويج لقضيتها. وحتى جريدة التايمز <التي تنشر كتابها في حلقات> فقد حرصت على أن ترفق مع مقتطفاتها تعليقات لسياسيين أصغر يقللون من شأنها ويصفونها بأنها غير ذات موضوع تحاول خلق المشاكل.)

وتمضي الكاتبة إلى القول: (ومع ذلك فإن البارونة تخدم غرضا مفيدا هو أنها تقدم لنا الصورة الشنيعة لما يحدث لهؤلاء الذين لا يعرفون متى يتوقفون.)

ربما كان أهل الغرب في حاجة إلى مثل هذا التصوير الذي نعيشه نحن أهل الشرق ولم نعرف سواه سنينا طوالا. هل يمكن لك يا سيدي القارئ أن تذكر لي اسم حاكم عربي واحد "سابق" يسير حيا في شوارع أي من العواصم العربية مثلما يسير جون ماجور أو ويليام كلنتون في عاصمة بلاده؟ حكامنا لا يعرفهم التاريخ المعاصر إلا أمواتا أو على شفا حفرة من الموت، يكاد بعضهم أن ينسى اسمه من فرط كهولته وكأنهم في منافسة مع بابا الفاتيكان. 

 

لسنا نحن العرب الوحيدين في دمغ السياسة الدولية الأمريكية بالغطرسة ومحاولة التحكم في أقدار الآخرين وضربهم بالقنابل ثم التغني بشعارات أخلاقية جوفاء عن الحرية والديمقراطية. هناك أيضا من يشاركنا الرؤية من كتاب الغرب الأوربيين وإن كانت طريقة تعبيرهم أكثر تحفظا. ففي مقال بنفس الجريدة بتاريخ 23/3/2002 كتب الكساندر شانسيلور Alexander Chancellor مقالا بعنوان "عدو أم صديق؟" قال فيه:

(لكي تقوم الولايات المتحدة بضرب بلد ما فإن عليه أن يستوفي شرطين: أن يكون "دولة منحطة rogue state" وأن يمتلك أو أن يكون في طريقه نحو امتلاك "أسلحة الدمار الشامل". من إذن يستوفي تلك الشروط؟ فلنبدأ بأسلحة الدمار الشامل التي قامت حكومة الولايات المتحدة بتعريفها بصفة عامة بأنها "الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية". هناك العديد من البلاد التي تمتلك بعض تلك الأسلحة، سواء في العلن مثل بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين أو في الخفاء مثل باكستان والهند وإسرائيل.

إن الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة في العالم من أسلحة الدمار الشامل هي الولايات المتحدة طبعا. ولكن ذلك ليس محل النقاش فالولايات المتحدة لن تهاجم نفسها. السؤال الأقرب لموضوعنا في المقام الأول هو عما إذا كان تعريف أسلحة الدمار الشامل مقبولا، لأن الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية ليست الوحيدة التي تسبب الدمار الواسع. خذ على سبيل المثال القنبلة الأمريكية المسماة "القنبلة التبخترية Daisy Cutter" التي تحدث انفجارا يكاد يصل في إبهاره انفجار سلاح نووي. لقد أظهرت الصور التلفازية أثناء قصف أفغانستان في شهر نوفمبر الماضي سحابات حمراء في شكل عيش الغراب ترتفع منها ألسنة اللهب 300 متر في الهواء، أخذت تلك الصور لهذا النوع من القنابل وهي تفعل فعلها حول كابول. تستخدم في صناعة تلك القنابل مفرقعات تشبه تلك التي استخدمت في قنبلة مدينة أوكلاهوما ولكن قوتها تبلغ ستة أضعافها. إن قوة تفجيرها تدمر كل شيء في نطاق 600 متر فيما يبدو "دمارا شاملا" إذا تم في وسط مدينة. وحتى طائرات الركاب فإنها في واقع الأمر تصبح من أسلحة الدمار الشامل إذا قادها انتحاري كما أوضح 11 سبتمبر. لذلك فقد قامت المباحث الفدرالية الأمريكية FBI بتوسيع تعريف أسلحة الدمار الشامل فأضافت قولها "رغم أنها عادة متعلقة بالوسائل النووية والكيميائية والبيولوجية فإنها قد تأخذ صورة متفجرات مثل تلك المستخدمة لضرب مبنى "ألفريد مره"Alfred P Murrah  الفدرالي بمدينة أوكلاهوما" وهكذا فإن قنبلة تيموثي ماكفي  Timothy McVeigh قد أدرجت رسميا في سجل أسلحة الدمار الشامل، والمفروض أن ذلك ينطبق أيضا على أية وسيلة أخرى قتلت عددا كبيرا من الناس. وتقول المباحث الفدرالية أيضا أن أي "سلاح يدخل في نطاق أسلحة الدمار الشامل إذا ما كانت نتائج إطلاقه قاهرة لمتلقييها المحليين." ذلك يعني أن أي بلد في العالم يمتلك مثل ذلك السلاح.

ما هي إذن "الدولة المنحطة"؟ من السهل تعريف الدولة غير المنحطة: فبلاد مثل بريطانيا تقف مع الولايات المتحدة كتفا بكتف وتفعل ما يطلب منها دائما. أما بالنسبة للدول المعادية التي يصعب التعامل معها فإن أمريكا ما زالت تبحث جاهدة عن تعريف مقنع. كان مصطلح "الدول المنحطة" مرغوبا خلال رئاسة كلنتون في التسعينيات لاستخدامه بصورة رئيسية في تبرير الرغبة في إنشاء درع الدفاع النووي الباهظ التكلفة في أعقاب انهيار الكتلة السوفييتية التي كانت العدو التقليدي، لذلك كان لازما تقديم الخطر الخارجي في صورة دول صغيرة معادية تقوم بتطوير أسلحة نووية ولا تردعها الالتزامات الدولية أو الأخلاقيات المعتادة عن استخدامها.

لكي تحظى دولة بلقب "منحطة" من واشنطون فإنها لا تتهم فقط باشتهاء أسلحة الدمار الشامل وإنما يجب أيضا اتهامها بالخروج على القانون ودعم الإرهاب والصوت المعارض للولايات المتحدة. وحتى هذه المقاييس فإن تطبيقها لم يكن متشددا فدولة مثل سوريا تنطبق عليها كل تلك المعايير إلا أنها لم توصف بأنها "دولة منحطة" نظرا لأهميتها الاستراتيجية. أما كوريا الشمالية التي كانت الولايات المتحدة تحاول حينئذ التعامل التجاري معها فقد أغضبها هذا المصطلح لدرجة أنه تم إسقاطه نهائيا وتم استبداله بمصطلح آخر أكثر سخفا هو "الدولة المسببة للقلق state of concern ." كانت مادلين ألبرايت عندئذ سكرتيرا للدولة وقالت في شرح ذلك "نحن الآن نسمي هذه الدول دولا مسببة للقلق لأننا قلقين من دعمها للنشاط الإرهابي وتطويرها لصناعة الصواريخ ورغبتها في بث الفوضى في النظام العالمي."

لكن 11 سبتمبر قد رفع من درجة الأسلوب الخطابي للولايات المتحدة الذي رفع كوريا الشمالية من درجة الانحطاط إلى مرتبة أشد سوءا هي "محور الشر axis of evil" ، ويبدو أن مصطلح "محور الشر" هذا لن يصمد، فقد أسقط الرئيس بوش تلك العبارة بعد أن ردت كوريا الشمالية بأنه "معتوه عدواني المواجهة confrontational maniac".

أما عن مصطلح "الدول المنحطة" فإنه ما زال شائعا في الصحافة الأمريكية وإن لم يعد شائعا في الإدارة الأمريكية. ففي الأسبوع الماضي فقط نشرت النيويورك تايمز افتتاحية بعنوان "أمريكا كدولة نووية منحطة" في أعقاب ورقة تخطيط البنتاجون التي اقترحت الضربة الوقائية النووية ضد عدد من الدول غير النووية. وقالت الصحيفة أنه إذا ما فعلت ذلك أي دولة أخرى فإن "واشنطون تصفها عن حق بأنها دولة منحطة خطيرة." أي غرض نافع تخدمه تلك المصطلحات والعبارات التي لم يتم تحديدها أو تعريفها بدقة؟ لا شك أنها لم تساعد الولايات المتحدة على الإمساك بأسامة بن لادن.)

 

 يبدو جورج بوش كصبي المدرسة الصغير الذي عينه المدرس فجأة مسئولا عن الصف في غيابه. حجم المنصب أكبر بكثير من قدراته المحدودة والكل يطيع أوامره دون كثير من النقاش. حينما يكذب يرسم على وجهه تكشيرة جدية ويطلق عباراته الجوفاء عن الحرية والعدل والديمقراطية بينما طائراته تقصف القرى والجبال في أفغانستان بأطنان القنابل. ولا أدري كيف تربط عقول ذلك الشعب الأمريكي الساذج بين تلك المفاهيم المتضادة. أما توني بلير فإنه يبدو كما لو أنه قد اتخذ من ذلك الصبي المغرور مثلا يحتذى، فيكرر عباراته عن حماية العدل والحرية والديمقراطية وينادي لتحقيق ذلك بضرب شعب العراق مرة أخرى. لقد بدأت تلك المعادلة المغلوطة في لفت أنظار بعض الكتاب. كتب جوناثان فريدلاند Jonathan Freedland بالجارديان في 20/3/2002 مقالا بعنوان "عودة إلى الثورة" يقارن فيه بين حال أمريكا اليوم ومبادئ الثورة الأمريكية. أقتطف من المقال الطويل:

( غالبا ما يكون الرأي العام صائبا، ففي النقاش الدائر عن أمريكا والعراق على سبيل المثال كان المقترعين على صواب في استفتاء أجرته الجارديان بالاشتراك مع ICM  حينما اعترضت الأغلبية الواضحة بنسبة 51% على تعضيد أمريكا في هجوم على العراق وأيد 35% ذلك الهجوم، ومن الغريب أن العدوانيين كانوا في معظمهم من العمال الذين شكلوا نسبة41% من بين هؤلاء المؤيدين للعمل العسكري، تزيد نسبتهم ببضعة نقاط عن أولئك "الهبي" وأنصار السلام الذين يقولون عن أنفسهم أنهم محافظون.

ولننظر بعد ذلك إلى واحد من تلك الاستفتاءات العامة التي تسألك أن ترتب الدول بحسب أفضليتها لك ولنرى النتيجة. تأتي الولايات المتحدة على رأس القائمة بفارق كبير. وحينما سألت جريدة الأوبزرفر الإنجليز في العام الماضي عن أي الدول يحبون العيش بها بعد بلادهم، اختار أمريكا واحد من بين كل خمسة أفراد، وارتفعت النسبة إلى واحد من بين كل أربعة لمن قلت أعمارهم عن 24 .

لا خلاف بين هذين الرأيين فهما متجانسان تماما. الناس تعارض خطة أمريكا تجاه بغداد ولكنهم يميلون إلى أمريكا ويؤيدونها في ذات الوقت. لا توجد هنا مشكلة.

ومع ذلك فإن هذا التناغم يغيب عن أعظم مفكرينا ومحدثينا، فهم يرون أنك إما أن تؤيد كل شيء أو أنك لا تؤيد شيئا. إذا عارضت سياسات جورج دبليو فأنت شرير معاد لأمريكا، وعلى العكس من ذلك فأنت إن امتدحت القيم الأمريكية فإنك تكون من المبررين لكل التجاوزات الأمريكية، أو أنك متناقض لعدم تأييدك لكل عمل تقوم به واشنطون. صدقني فلدي تل هائل من الرسائل الإلكترونية يؤيد تلك الازدواجية، لذلك فإنني اليوم ألتمس دفاعا عن تلك المنطقة الوسطية الصغيرة التي أود أن أنتمي إليها، ويبدو أن هناك شريحة لا بأس بها من الرأي العام تود أيضا الانتماء إليها. نحن نود أن نكون مع أمريكا وضد بوش. نحن نود أن نمتدح وأن نصفق لما تمثله أمريكا حتى ونحن نعبر عن امتعاضنا وكرهنا لهذه الإدارة الأمريكية في حد ذاتها.

ليست هذه جراحة مخ ولا يحتاج الأمر إلى عبقرية لكي نمتدح المثل التي قامت عليها الجمهورية الأمريكية بينما نقوم في الوقت ذاته بجلد سادة واشنطون الحاليين. يمكنك أن تعشق إعلان 1787 بأننا نحن الشعب يجب أن نكون أحرارا، وأن تصر في نفس الوقت على أن ضرب العراق بالقنابل ليس أفضل وسيلة للنيل من أسلحة صدام للدمار الشامل. لا تناقض في ذلك.

يمكنك أن تحب النقلة الجذرية التي يمثلها الدستور الأمريكي والتي بوبت ورقمت حقوق الإنسان ورسختها تماما بلغة بسيطة واضحة مفهومة، ويمكنك في ذات الوقت أن تخشى من أن الضرب العسكري العنيف لأفغانستان لم يكن بالطريق السليم لشل الشبكة العالمية لتنظيم القاعدة الذي ينشط الآن فيما يقدر بتسع وخمسين دولة أخرى. لا تناقض في ذلك. أو يمكن لك أن تعجب وأن تنبهر بنشاط المجتمع الأمريكي وقدرته الخلاقة وتنوعه والذي يعود في معظمه إلى التركيبة الفريدة للدستور الأمريكي، ومع هذا تستطيع أن تندب وتنوح من غباء وشراسة عبارة مثل "محور الشر". لا تناقض في ذلك.

ومع ذلك فإن هذه المحاورة البسيطة تبدو صعبة لبعض الناس. إذا لعنت هذه الأفعال الثلاثة لبوش دمغوك بأنك "من اللوطيين الأوربيين الاشتراكيين" ومصاب بداء كراهية أمريكا ، وأنا هنا أقتبس من الرسائل الإلكترونية التي تصلني.) يمضي الكاتب في الإسهاب عن هذه الازدواجية ومحاولة التفرقة بين حب أمريكا ودستورها ورفض أفعال بوش إلى أن يقول:

(من الجائز أن نتخيل أمريكا وقد انتظمت بنفس الأسلوب الذي أراده الآباء المؤسسون وأن تكون نظرتها للعالم مسالمة فتبقى في الداخل دون تدخل في الخارج. إن هذا أكثر من مجرد جائز فقد اختلجت نفس هذه المشاعر لدى بعض الآباء المؤسسين. فلا أقل من توماس جيفرسون Thomas Jefferson الذي أعلن يوم تنصيبه أن الولايات المتحدة الجديدة تهدف إلى "السلام والتجارة والصداقة الأمينة مع كل الشعوب وألا تشتبك في أحبال التحالف مع أحد." ومن بعده قال جون كوينسي آدمزJohn Quincy Adams  أن أمريكا " لن تذهب إلى الخارج بحثا عن غيلان تدمرها."

كانت هناك في الواقع حقبة من الانعزالية ممتدة في تاريخ أمريكا ولا تستحق الثناء دائما. فالتردد في الانضمام إلى التحالف ضد النازية كان أكثر الأمثلة دناءة. ويجدر بنا أن نتذكر أنه إلى وقت حديث مثل حرب الخليج في 1991جاءت موافقة مجلس الشيوخ على الإجراء العسكري بأغلبية صغيرة جدا.  وهكذا فإننا إذا ما كرهنا فردية جورج دبليو بوش فإننا يجب أن نتذكر تعددية ودرو ولسون Woodrow Wilson  وفرانكلين روزفلت Franklyn Roosevelt  التي جاءت بعصبة الأمم والأمم المتحدة من بعدها. ليس هناك مذهب واحد للسياسة الخارجية الأمريكية، وإنما توجد فقط تقاليد متنافسة.

يجب علينا اليوم أن نعضد ذلك الإرث التقدمي وأن نمزجه بمدح ما وصفه كريستوفر هتشنز Christopher Hitchens عن حق بأنه "الفكرة العظيمة" للثورة الأمريكية. بل إننا قد نود أن نرى تلك الثورة يتم تصديرها إلى أراض لم تزرها الديمقراطية. لكن أفضل وسيلة لهذا العمل تظل مزيجا من الإقناع السلمي والمعونة دون القنابل. وليس من العداء لأمريكا أن نقول ذلك.)  

 

أما عن مؤتمر القمة العربية العجيب فقد كانت أبرز معالمه هو وضع العربة قبل الحصان، فقد تم تسريب البيان الختامي قبل انعقاد المؤتمر وبعد أن مهد الإعلام اليهودي لما أسموه المبادرة السعودية وكأنها منتهى المنى رغم أنها فيما يبدو لا تساوي شيئا وليست إلا ترديدا أجوفا لأفكار صهيونية أمريكية قديمة وتشجيعا للمزيد من لعب الطاولة والمباحثات والمفاوضات التي لا تنتهي. ويبدو أن صاحب المبادرة كان يهدف إلى تجسيد المثل العربي القائل بأنه "إذا كان الكلام من فضة فإن السكوت من ذهب". قال بعض الخبثاء أن هدف السعوديين الأساسي من تلك "المبادرة" هو تلميع صورتهم في الأذهان الأمريكية بعد أن انقض عليهم الإعلام الصهيوني الأمريكي مؤخرا.

كانت النقطة المضيئة في ذلك المؤتمر هي خطبة الرئيس بشار الأسد الشاملة التي طرحت المشاكل والملابسات بأوضح وأقصى ما يمكن أن تسمح به لغة الدبلوماسية فتكلم بصراحة عن عجز العاجزين من مدعي الزعامة العرب وكأنه يقرأ أفكار رجل الشارع في أي مكان من الوطن العربي. لقد شخص الداء ووصف الدواء في شجاعة وبسالة لم نعتدها من أي عربي يقف خلف عجلة قيادة دولته. ويبدو أن الإعلام الصهيوني الغربي كان متوقعا ذلك، فقد كانت قناتي CNN  وBBC  تغطيان المؤتمر على الهواء وعندما أدلى الرئيس الأسد بخطبته كان على قناة CNN مترجمة عرجاء لا تجيد العربية أو الإنجليزية قامت بتشويه الخطبة بترجمة إنجليزية ركيكة فرغت مضمون الخطاب من كل مظاهر قوته ووضوحه، أماBBC  فقد كانت أكثر خبثا ودهاء فامتنعت تماما عن تغطية الخطبة.

كان أبو عمار على عادته في برهنة مزايا التقاعد المبكر حيث ألقى بكلمته للمؤتمر عن طريق قناة الجزيرة فكال مديحا في غير محله وكأنه في لهفة لمزيد من التنازلات الفلسطينية المجانية. يبدو أن الحكومة اللبنانية كانت على حق - عن غير قصد هذه المرة حينما قامت بحجب خطبته المكررة الهزيلة للمؤتمر، وربما أنها استجابت لنداء يهودي آخر مثلما فعلت عند رفضها السماح لمؤتمر مضاد للصهيونية بالانعقاد في بيروت في شهر مارس من العام الماضي قبيل أيام من موعد انعقاده وبعد أن جهز له المشتركون من أنحاء العالم أوراق عملهم وحقائب سفرهم. كان كل هم الحكومة اللبنانية على ما يبدو هو الخلاص من اللاجئين الفلسطينيين الموجودين على أرضهان ولولا الضغط السوري لرأينا من حكومة لبنان المزيد من الأعاجيب.

سرعان ما جاء الرد الفلسطيني الباسل على هذا العبث في صورة قنبلة بشرية أخرى ترد بها على سماسرة أمريكا بذلك المؤتمر السخيف. كانت النسبة هذه المرة 1:25 أي فدائي فلسطيني واحد لكل 25 قتيل يهودي. هذا هو المعدل السليم والسعر الصحيح. فكم يحزنني موت فدائي فلسطيني مقابل جرح حفنة صغيرة من الصهاينة أو أحيانا دون مقابل على الإطلاق، لكن كل شيء يتحسن بالمراس والتجربة. بارك الله في تلك الأرحام التي أخرجت هؤلاء الفدائيين العقائديين الذين لن تنجح الصهيونية الأمريكية أبدا في اختراع دفاع ضدهم.

وعلى عادة CNN  ومقدمي برامجها من اليهود أخرجوا بنيامين ناتنياهو من قبره السياسي وجاءوا بالمزيد غيره من "خبراء" اليهود لمناقشة "الإرهاب" الفلسطيني واختلاق أوجه الشبه مع 11 سبتمبر.

 

نشرت نيويورك تايمز في 28/3/2002 تحليلا للأنباء تحت عنوان "محاولة بعد يوم مهول لرؤية ما بعد الثأر" بقلم الكاتب اليهودي سرج شميمان Serge Schmemann":

( يشك القليلون في أن إسرائيل لن تأخذ بثأر عديد الضحايا في مثل تلك الليلة المقدسة بعد أن حول متفجر انتحاري من "حماس" حفل وجبة السدر Seder المهيبة <وجبة ذات طقوس في اليوم الأول والثاني من عيد الفصح اليهودي> إلى حمام دم مريع في نتانيا.

أما اتفاق وقف إطلاق النار الذي سعى إليه الوسيط الأمريكي الجنرال أنتوني زيني طوال الأسبوعين الماضيين فإنه يبدو الآن أكثر بعدا عن أي وقت مضى ولا مفر من حدوث موجات عنف أخرى. لكن هناك أيضا من يعتقد بأن هذا التفجير قد يقدم الحث الشرس الذي يلزم في النهاية لطلب وقف إراقة الدماء.

أعلن الإسرائيليون الغاضبون بعد الحادث مباشرة أن مهمة المبعوث الأمريكي قد أصبحت بلا أمل. لكن السلطة الفلسطينية سرعان ما أدانت الهجوم - الذي أعلنت حركة حماس الإسلامية المتشددة مسئوليتها عنه وتعهدت السلطة بالتصدي. قال ناطق بلسان السفارة الأمريكية ببساطة "إن مهمة الجنرال زيني مستمرة."

أضاف التفجير الانتحاري عنصرا من الفوضى إلى الوضع الحالي الذي يعد مرتبكا حتى بمقاييس الشرق الأوسط ذاتها. حدث قبل يوم واحد أن رئيس وزراء إسرائيل أريل شارون قد منع ياسر عرفات عمليا من حضور مؤتمر قمة عربي في بيروت وكان رد الفعل الغاضب للقائد الفلسطيني هو رفضه الذهاب.

حدثت بعد ذلك حالة من الفوضي بمؤتمر القمة الذي كان مفروضا أن تفتح فيه العربية السعودية مبادرة سلام احتفي بها كثيرا وتقدم وعدا لإسرائيل بتطبيع تام للعلاقات مقابل الانسحاب التام من أرض محتلة. وفشل لاعبون أساسيون في الظهور هما الرئيس حسني مبارك من مصر والملك عبد الله من الأردن. وقد منعت سوريا خطبة تلفازية للسيد عرفات مما أدي إلى انسحاب الفلسطينيين.

سبب ذلك ضعفا شديدا لمظهر المبادرة السعودية. وشعورا بالعزلة لدى السيد عرفات وانقساما بين العرب وأما الأمريكيين فقد لامهم الجميع بعد أن كانوا يدفعون بالعرب إلى عمل مؤتمر ناجح وبالإسرائيليين إلى حضور السيد عرفات.

وبعد ذلك وبمجرد أن حاول الرئيس بوش أن يجعل الأمور تبدو على أفضل وجه بإعلانه أن التركيز الحقيقي للإدارة الأمريكية هو على الجنرال زيني الذي كان يحقق "نجاحا طيبا جدا" - انفجرت القنبلة في نتانيا.

لقد منعت عطلة عيد الفصح وابل التهديدات النارية واللعنات التي عادة ما تلي حدثا عاصفا على هذا المستوى. لكن الإسرائيليين الذين تكلموا لم يتركوا أي شك في أن التفجير الانتحاري - الذي جاء بعد هجوم أو محاولة للهجوم بصفة شبه يومية منذ بداية مهمة الجنرال زيني قبل أسبوعين - قد تخطى الحد الذي لا يمكن لإسرائيل الصبر بعده.) استمر الكاتب قائلا بأن الضربة كانت رسالة موجهة إلى كل من اليهود وقت عيدهم والعرب في مؤتمرهم، وأن شارون سوف يعقد اجتماعا سريعا مع مجلس دفاعه وأن الضربة قد تكون عذرا لعرفات لكي ينقض على كل "الإرهابيين" بحجة أنهم الآن يضرون بالمصالح العربية. وقال الكاتب أن بوش الآن في حاجة إلى إنجاح مهمة زيني. اختتم الكاتب بقوله:

(لقد أوضح السيد شارون بأنه ليس على استعداد لضبط النفس. لقد تخطى رئيس الوزراء <الإسرائيلي> الولايات المتحدة علانية حينما أعلن أنه ليس على استعداد للسماح للسيد عرفات بالسفر، وأن حكومته قد جعلت من المعلوم أنها على استعداد لاستئناف العمليات العسكرية الكبيرة بالمناطق الفلسطينية إذا ما فشلت جهود وقف إطلاق النار.)

وهكذا يا سيدي القارئ يبدو أن يهود النيويورك تايمز عليمون ببواطن الأمور، فهم أول من يخطرنا بأن سوريا كانت وراء منع خطبة عرفات بالمؤتمر، وكان ذلك سببا في قصر "سلام الشجعان" على شاشة الجزيرة.

أستمع يا سيدي القارئ أثناء كتابة هذه السطور إلى البيان الختامي لمؤتمر القمة وتفاصيل المبادرة السعودية فكان أول خاطر لي هو أن كلمة المبادرة يجب أن تستبدل بعبارة "استعطاف والتماس إلى بني شيلوك"، ولأننا نعرف الرد الإسرائيلي سلفا فلا يسعنا إلا أن نقول لإخواننا بفلسطين المحتلة: سيروا على بركة الله، لا تلتفتوا لهذا الهراء واستكملوا مشواركم البطولي، فهو سبيلكم الوحيد إلى استقلالكم وإقامة دولتكم على تراب وطنكم.