بقلم : د. نادر
فرجانى
يا ليتها كانت
"كذبة إبريل". لكن بعض الحقائق أقسى من المزح السخيف.
اليوم منعت الحكومة
المصرية، بالقوة، جموعا من المصريين من حقهم الأصيل فى التعبير، مجرد التعبير،
سلميا، عن سخطهم على الحكومة الإسرائيلية بسبب اعتداءاتها الصارخة على الشعب
الفلسطينى البطل، بالسعى لتطويق سفارة إسرائيل فى مصر، قلب الأمة العربية الذى كان
نابضا.
أقدمت الحكومة على هذا
المنع فى الوقت نفسه الذى تنشر صحفها أخبار وصور المظاهرات فى إسرائيل ذاتها، وفى
البلدان الأوربية وأمريكا احتجاجا على اعتداءات إسرائيل الوحشية على الشعب
الفلسطينى الأعزل، وتستشهد الملائكة الفلسطينية فى محاولة صد العدوان التتارى،
ويتدفق الشباب الأوربى على فلسطين المحتلة ليساهم فى حماية الفلسطينيين. أى عار
تجره الحكومة على شعب مصر؟! هى، على قولة المثل العامى "لا ترحم ولا تخلى
رحمة ربنا تنزل"!
ولا يمكن أن نستنتج من
هذه الفعلة الشنعاء إلا أن الحكومة فيما يبدو تحرص على ما تعتبره هى مصالح إسرائيل
أكثر من الحكومة الإسرائيلية ذاتها، أو عتاة حلفاء، وداعمى، الكيان الصهيونى
أنفسهم. الحكومة هنا تحاول أن تكون ملكية أكثر من الملك ذاته.
وحيث نعتقد، جزما، أن
المشروع الصهيونى فى فلسطين اعتداء صارخ ليس فقط على الفلسطينيين، بل على العرب
جميعا، ومصر خاصة. نرى فى فعلة الحكومة هذه حرصا لا يصح على أعداء العرب
والمصريين.
والأسئلة
التى تلح على الذهن عديدة: أولها حكومة من هذه؟ ومصلحة من تحمى؟ وماذا ستقدم عليه
بعد اليوم من هدر لحقوق المصريين؟
لقد
أهدرت الحكومة، بداية، حق المصريين فى تعليم جيد، وفى رعاية صحية مضمونة، وفى فرصة
عمل مجزية، وفى ضمان اجتماعى كريم، وفى اختيار ممثليهم بحرية ونزاهة، ومن ثم، فى
مساءلة الحكومة بفعالية. وفى ظل كل هذا الحرمان من الحقوق، لا غرابة أن تمنع
الحكومة عن المصريين الحق الذى لم تقدر حكومة إسرائيل أو الحكومات الغربية
المساندة لها على منعه عن مواطنيها.
وقد
يرى البعض أن عدم الوفاء بحقوق المصريين فى التعليم والصحة والعمل والضمان
الاجتماعى، يعود لقلة موارد الحكومة، مما يتيح للبعض أن يلتمس لها العذر. غير أن
هذا التبرير لا يصمد أمام حالتي منع لمصريين من التعبير عن حقهم فى إدانة العدوان
الإسرائيلى أو فى نظام حكم ديمقراطى صالح يمكِّنهم من مساءلة الحكومة، ويضمن من ثم
أن تحرص على مصالحهم، وليس مصالح أعدائهم. ففى حالتي المنع هاتين تستعمل الحكومة
إمكانات، بل وتهدر موارد، اجتبتها من عرق المصريين فى إهدار حقوقهم الأصيلة،
وحماية مصالح أعدائهم.
السؤال
الأخير هو: ماذا ستمنع الحكومة المصريين من، بعد اليوم؟
هل
ستمنعهم من متابعة نضال الفلسطينيين البطولى فى وجه احتلال عات وغادر؟ لقد حاولت
بالفعل!
هل
ستمنعهم من متابعة أخبار احتجاج العالم على إسرائيل؟ ليس ببعيد!
هل
ستمنعهم من الصلاة إذا دعوا الله أن يخسف بإسرائيل، أو أن ينصر الفلسطينيين، حيث
إن انتصار الفلسطينيين يعنى دحر الكيان الصهيونى وإغضاب مواليه؟ يجوز!
هل
ستمنعهم من مجرد فتح أفواههم إذا ظن أحد عباقرة السياسة-الأمن أنهم سينطقون ضد
إسرائيل أو أمريكا أو الحكومة أو "يوسف والى"؟ لا يستبعد!
قد
تبدو هذه التساؤلات مفرطة فى المغالاة، فليس منع مسيرة، فى مجتمع قهرى، بالأمر
الجلل. ولكن عندنا أن منع هذه المسيرة بالذات، فى هذا الظرف بعينه، هو
أمر جَلل إن كان هناك من أمور جُلل. ومن يقدم على مثله لا يتورع، إن لم
يُرَّد، عن ارتكاب ما هو أفدح. فتوقعوا ما هو أفدح فى المستقبل، إن بقى الحال على
ما هو عليه.
فى النهاية، يتأكد
لنا، مرة أخرى، أن صلاح الحال فى مصر، وفى دورها العربى والإنسانى رهن بتبلور نسق
حكم يعبر تعبيرا حقا عن جموع الناس، ويخضع للمساءلة الفعالة من
قبلهم، ويحرص، من ثم، على صيانة حقوقهم ومصالحهم.