هــوان علي الهــواء
هزيمة عام 1948 أمام إسرائيل كانت أهون بكثير
مما يجري الآن، يومها قليلون تابعوا ما جري وأدركوا هوله، قليلون كان عندهم وقتها
راديو به يعرفون ما يجري حولهم.. أما اليوم فنحن نتابع بالصوت والصورة وفوق ذلك
بالألوان هوان هذه الأمة علي الهواء مباشرة، بتفاصيله الهامة وغير الهامة،
بتصريحات مسؤوليها المعقولة أو السخيفة ومبادراتهم التي لا مبادرة فيها.
حتي في نكسة عام 1967 التي ما زلنا نجر خيباتها
إلي الآن حتي صرنا نؤرخ بعدها متناسين كل ما حصل قبلها، كانت المرارة صوتية عبر
الإذاعات الكاذبة منها والشامتة. وحتي عندما استقال الزعيم جمال عبد الناصر، تابع
الجماهير ذل ما جري من نبرات صوته وحشرجته، ومنها ومن قسوة اللحظة التاريخية خرجت
الناس إلي الشارع لا تلوي علي شيء تطالبه بالبقاء واستمرار إرادة التحدي رغم
الكارثة.
اليوم، ولله الحمد، كلنا راصد في بيته ـ
وبالتفاصيل المملة ولحظة بلحظة ومن أكثر من مصدر وبلقطات وزوايا مختلفة ـ أمرين
مختلفين: صمود فلسطيني رائع وقيادات عربية عاجزة أو متواطئة.. مع جماهير مغلوبة
علي أمرها ممزقة بين التشهير بنخوة مفقودة لدي قادتها وشعور عميق بالقهر لغياب
فادح للقدرة علي الفعل أو التأثير.
الكل يتابع اليوم كيف يكتب التاريخ من جهة
صفحات رائعة من ملحمة شعب يرفض الخنوع ويعاند كفه مخرز الإحتلال الغاشم ومن جهة
أخري صفحات مخزية للمؤسسة العربية الرسمية التي لم تفلح في شيء في هذا العصر
الحديث، فلا ديمقراطية أرست ولا تنمية بنت ولا كرامة نشرت ولا أرضا استرجعت ولا إحتراما
لها أشاعت.. ولا شيء. وإذا كان من السهل طبعا أن نلعن صباحا مساء وحشية الإحتلال
الإسرائيلي وقماءة شارون وكذلك عداء واشنطن المستفز وبلاهة قيادييها الذين ما
زالوا يبحثون بغباء شديد عن سبب الكره لهم فإن لا شيء أكثر إلحاحا اليوم من مزيد
فضح كل هؤلاء السادة الذين تاجروا بقضية فلسطين لنصف قرن وزايدوا علي قادتها فلما
جاءت ساعة الحقيقة واتضح الخيط الأبيض من الأسود تواروا عن الأنظار وخرست
ألسنتهم.. ومن تحدث منهم اتضح من كلامه الفارغ أن الصمت أفضل له بكثير.
عندما سئل محمود عباس (أبو مازن) عما إذا كان
ما جري في قمة بيروت من حجب لكلمة الزعيم ياسر عرفات فسرته واشنطن أنه رفع للغطاء
العربي عن أبو عمار وبالتالي مضت في غيها الداعم لعصابة شارون.. أجاب بتحفظ أنه لا
يريد أن يدفع بالأمور إلي هذا الحد.. ولكن يبدو هذا ما حدث فعلا ولا شيء يمكن أن
يفسر أصلا ما تبعه من صمت مخجل من عواصم عربية فاعلة أو هكذا كنا نظن علي الأقل.
أما أبو عمار فقد فضح من حصاره المرير في رام الله كل المتواطئين والمزايدين وجعل
إخوانه العرب في مؤسسة القمة الذين ارتدت مبادرة السلام العربية علي وجوههم بعد
يوم واحد يقفون محرومين حتي من ورقة التوت.
قاس ومرير أن نتابع كل هذا الذل علي الهواء
مباشرة ولكن من رحمه ستخرج بالتأكيد أجيال عربية جديدة قادرة علي أن تثأر لكرامتها
بين الأمم أما الفلسطينيون وقيادتهم الباسلة ـ التي لم تعدم وسيلة في البحث عن
استعادة حقوق شعبها حتي من بين تلك المثيرة للجدل ـ فهم الظاهرة النبيلة والمشرفة
الوحيدة في هذه المرحلة لأنهم ظلوا أوفياء لأن العهد هو العهد والقسم هو القسم ..
علي عكس كل البقية.