هجوم على الاستعصاء
بقلم :احمد جابر
فلسطين تشتعل، عصابات الأرغون وشتيرن والهاغاناه وكتائب
البالماخ، تقتحم البيوت وتعمل سكاكينها في اجساد الآمنين، عبد القادر الحسيني
يستعيد سلاحه ويطلق ما في حوزته من رصاص، جيوش العرب صامتة، وسلاحها الفاسد زاد
فسادا.
هي حرب العام 1948، وهذه معركة اخرى من معاركها
تدور في العام 2002. لقد ابتعد الزمن بالقضية الفلسطينية، فالتصق بها اهلها اكثر،
وحدد <<أشقاؤها>> لأنفسهم، المسافات الفاصلة المناسبة عنها، يقتربون
منها بالادعاء، وينفرون منها بالتطير.
لقد حدد شارون مهمة حربه منذ فترة، استكمال
مشهد <<حرب الاستقلال>>. وها هو يطمح الى الفوز بذلك، لكن ما مغزى هذه
التتمة المؤجلة من تلك الحرب السالفة؟ لا تكرار من جانبنا للمرامي الاسرائيلية،
أمنا وسيطرة وقهرا وتفوقا لا يدانى، ونشدد في المقابل على الاهداف العربية في
الخطة الاسرائيلية، ففي هذا الجانب يعني استكمال حرب 1948، رسم صورة اسرائيلية
للعرب عن انفسهم، يظهر فيها عجزهم ثم يكرس بتكرار إظهاره، وتجسم هزيمتهم، ثم يضخم
تجسيمها، وينفّر خطابهم الذاهب ابدا الى اجترار الماضي المجيد، ثم يمزق ويذرى
نتفاً على واقع حاضرهم البائس، القاعد من دون أفق يسمح بقرع ابواب المستقبل.
شارون يستكمل حرب الاستقلال، بتأكيد حقيقة
استقلاله المشيد على مداميك إنجازاته، كما بتأكيد حقيقة هوائية الاستقلالات
العربية المرفوعة على هوائيات الايديولوجيا والشعارات الزائفة.
ثم يسأل القاعدون العرب في لحظة النهوض
الفلسطيني العارم، كيف اجازت اميركا لشارون حربه؟ وعليه، يسألونها منّة سلام!! لقد
<<اخذت>> الولايات المتحدة الاميركية اجازة شارون من بنية الوضع
العربي المتداعي أولا، ومن مادته صاغت سياسة قهرها وتسلطها، ومن قراءتها لاحتمالات
نبضه، فوّضت شارون بترجمة مصالحه ومصالحها المشتركة.
لعل اميركا تريد من ذلك القول للعرب: لقد ذهب
زمان تسميتكم للعجز حنكة، وللالتحاق والخضوع تحالفا، هي تريد تسمية الاشياء
بأسمائها: العجز عجز والتبعية تبعية، ومن يأخذ سلطانه وحمايته من اميركا، او
<<من يأكل خبز رعايتها، فلا بد وأن يضرب بسيفها>>. لا يقع هذا الكلام
موقع الدعوة الى <<ضرب المصالح الاميركية>>، فهذا شعار ينتسب عموما
الى <<عدة الشغل>> القومجية، لكن المقصود هو اخراج المسائل جميعها من
كهف الاسئلة المؤامرة، الى علن الاسئلة المسؤولية، الخاصة منها اولا وثانيا
وعاشرا... ثم قراءة مسؤولية الغير المترتبة على مسؤولياتنا.
وعلى ذلك، اذا كان العرب بنى ومصالح وهموما
ومشاغل، وطروحات وشعارات، تقع كلها في باب المتمايز والمختلف في الموقف من القضايا
وفي العمل من اجلها، اذا كان الامر كذلك، فهل من المعقول الاخذ بشعار ان
<<فلسطين هي الهم الجامع>> لكل العرب، من دون التدقيق بعناصر هذا الهم
لدى كل دولة عربية على حدة؟ ومن دون قراءة المسافة الفعلية التي تفصل هذه الدولة
او تلك عن قضية فلسطين؟ مدعاة التساؤل هنا امران أساسيان: الاول هو ان الاستقلالية
الفلسطينية هي الاساس في إذكاء نبض <<الصراع القومي>>، وقد افضى
التجاوز على هذه الحقيقة سابقا، الى نتائج سلبية على غير صعيد، والثاني هو ان
انتصار <<الشخصية الوطنية الفلسطينية>> المستقلة لا يمكن ان يحصل الا
من خلال اوسع بذل عربي، وهذا لا يمكن ان يكون واحدا على صعيد كل دولة عربية
بعينها، وتطلبه على هذه الصورة غير واقعي، وتدحضه عناصر <<المسافة الواقعية>> المتشكلة من عناصر الشعار، كما من عناصر الممارسة، وما
بينهما من معطيات الاجتماع والثقافة والاقتصاد، والموقع والدور.
في ضوء ذلك يمكن استكشاف وتعيين عناصر
الاستعصاء الفلسطيني، كموقع مقاومة اخير، بعدما جرى تذليل وتمهيد كل المواقع
الرسمية العربية الاخرى، يستمر الفلسطيني ممسكا بشعاره ومتطابقا معه. هو يريد
دولته، بما يؤكد انبعاث شخصيته، وهو يتشبث باستقلاله، ترجمة لحريته في تقرير
مصيره، وهو يعلي راية مقدساته، في القدس وغيرها، مدركاً لأهمية تحصنه بشحنة
الرمزية في وجه انتزاع الشعب الفلسطيني من دائرة تاريخه. لا يراد من الشعار هنا،
امتصاص نقمة، ولا جذبا للانتباه الشعبي الى مكان آخر، الشعار الشعبي الفلسطيني
يذهب الى حيث يريد مباشرة، وهذا لا يقارن بالشعار الرسمي العربي، فبين الاثنين مسافة.
يتقدم الاجتماع الفلسطيني، بمؤسساته كافة،
وتعبيراته الشتى، بوضوح وشفافية الى ما يريد، هو حر في اختياره، وهو حر في اعتراضه
كما في موالاته، وهو مسؤول عن تعبيراته ولكنه غير مساءل الا من موقع انسجامه مع
خطه التاريخي العام او افتراقه عنه. هنا الحرية صنو الاندفاع، ووضوح الرؤية قرين سطوع العطاء. لا خوف يتوسط العلاقة بين
الحاكم والمحكوم. وعند الشدة، وفي مفاصل التقرير، يتقدم الحاكم الفلسطيني في ميدان
العطاء، او هو يصبح رمزا اكيدا له. مشهد واقعي يكرره الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات
لدى كل منعطف حاسم، أليس في الامر مسافة اجتماع ايضا؟ ومسافة قيادة وعلاقة سلطة؟
وموقف شعب وقدرة على العطاء ثم التقدم بعيدا في ميادينه؟
قد يطول الحديث عن مقارنات
<<المسافة>>، لو أريد الايغال. ولأن المقارنة ليست مطروحة إلا على
سبيل التظهير والدلالة، فإنه يمكن الاستنتاج ان الاستعصاء الفلسطيني، بما هو نسيج
الالتحام بقضيته والاندماج فيها، وبما هو العامل المفاعل لكل الارهاصات التقدمية
والديمقراطية العربية، مستهدف، ومطلوب الاطاحة به، وذلك لكي تكتمل عناصر الدائرة
العربية الرسمية، وينسدل النار على مشهد الهزيمة الاخير.
عندها يستطيع شارون القول: لقد انتهت حرب 1948،
او هي دخلت في مرحلة سبات طويل.
نخشى ان يكون العرب في موقع المواءمة مع شارون.
لقد تعب هذا الاخير من تأجيل انتصاره حتى الآن، فهل تعب العرب من حمل هزيمتهم
فباتوا يريدون الآن التخفف من أثقالها؟