فيلم عربي... نسخة ثانية
بقلم :واصف عواضة
كنا دائماً، نحن الجيل الذي وُلد بعد العام
1948، نسأل ونتساءل باستغراب كيف استطاع العرب التخلي عن فلسطين بمثل هذه البرودة
والبساطة التي قرأنا عنها في الكتب، أو سمعناها من آبائنا وأجدادنا وكبار السن
الذين عايشوا عام النكبة.
كنا نحاول استيعاب كيف استطاعت العصابات
الصهيونية الاستيلاء على بلد عربي وطرد أهله بكل هذه البساطة. وكنا نسأل وما نزال،
لماذا ترك الفلسطينيون أرضهم، وحملوا عيالهم وانتقلوا بين ليلة وضحاها إلى الدول
المجاورة، ليقيموا في العراء طلباً للسلامة...
اليوم نفهم أكثر من أي وقت مضى، كيف حصل كل
هذا، وبتنا نعي جيداً لماذا ضاعت فلسطين.
ربما نجد الكثير من الأعذار لعرب ال48، لأنهم
لم يستوعبوا جيداً ماذا يعني إلغاء بلد وتهجير شعب وتشريده، وتوزيع قنابل موقوتة
على دولهم، ما لبث ان انفجرت بهم واحدة تلو الأخرى. ربما لم يكن العرب يفقهون ماذا
يعني كل هذا في ذلك الحين، ولذلك استسهلوا اغتصاب فلسطين وإلغاء شعبها.
ولكن، بعد أربعة وخمسين عاماً على نكبة فلسطين،
أيّ عذر للعرب اليوم في تكرار التجربة، وإعادة إلغاء الشعب الفلسطيني؟ وأي فائدة
في إعادة إنتاج وإخراج هذا <<الفيلم العربي الطويل>> الذي مللنا من
مشاهدته مئات المرات حتى حفظناه عن ظهر قلب؟
وللذين فاتهم حضور هذا الفيلم بالكامل، أو
الذين يحضرونه من الآخر، أو الذين تخونهم الذاكرة، لا بأس من إعادة الشريط من
أوله، وباختصار:
تبدأ القصة باحتلال فلسطين، وتشريد شعبها إلى
الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان وسوريا.
يموت البطل في أول الفيلم... عبد القادر
الحسيني شهيداً وهو يدافع عن القدس.
ثم يموت المتهم العربي بعد فترة قصيرة... رصاصة
تصرع ملك الأردن عبد الله الأول وهو يهم بدخول المسجد الأقصى.
اضطرابات في العديد من الدول العربية، تطيح بأكثر
من نظام تحت يافطة التخلي عن فلسطين.
تنامي حالة اليأس والإحباط لدى المشرّدين في
مخيماتهم، تبدأ معها ولادة حركة المقاومة الفلسطينية المسلحة.
حرب عربية إسرائيلية عام 67 تنتهي بهزيمة فاقعة
للعرب، وتكون نتيجتها احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، وترفع من وتيرة
الإحباط لدى الفلسطينيين الحالمين بالعودة الى ديارهم، وتؤدي الى تشريد المزيد من
الفلسطينيين الى الدول العربية المجاورة وتبعدهم أكثر عن أرضهم.
تصاعد العمليات الفدائية من الدول المجاورة
لفلسطين، خصوصاً لبنان والأردن.
بداية إنشاء كيانات فلسطينية داخل هذه الدول،
اصطدمت بالأنظمة، وأنتجت حركات سرية خاضت حروبها ضد الإسرائيليين في العالم، وكان
خطف الطائرات أحد أكبر وجوه هذه الحرب.
حرب ضروس عام 1970 في الأردن بين الفلسطينيين
والنظام، انتهت بكارثة جديدة على الفلسطينيين، اضطروا معها للانتقال الى لبنان.
حرب ضروس أخرى عامي 1973 و1975 في لبنان، كان
الفلسطينيون وقودها ونارها ورمادها، وانتهت باحتلال بيروت وإخراج منظمة التحرير
الفلسطينية من لبنان (كان شارون بطلها)، وسبقها اجتياح لجنوب لبنان عام 1978،
واحتلال إسرائيلي جديد لأرض عربية، خاض اللبنانيون مقاومة شرسة لاقتلاعه من أرضهم.
حروب صغيرة متعددة خاضها الفلسطينيون على أكثر
من صعيد، تارة مع الأنظمة، وطوراً مع حركات شعبية، كان لبنان مسرحها الأساسي.
مزيد من الإحباط الفلسطيني أوصل الى أوسلو،
وانتهى بقمة بيروت الأسبوع الماضي، والتي تخلت عن فلسطين 48، وارتضت بدولة الضفة
الغربية وغزة.
إسرائيل ترفض الدولة الفلسطينية الموعودة،
وتبدأ حربها من جديد على الفلسطينيين. ويبدأ الفيلم من جديد تحت عنوان
<<ترانسفير>>... يديره شارون بدل بن غوريون، ويسهم العرب أنفسهم في
إنتاجه، بالصمت والعجز والارتباك.
غريب أمرنا وأمر عروبتنا وعربنا. لماذا نصر على
إعادة إنتاج مثل هذا الفيلم المكلف، ليس على الفلسطينيين هذه المرة، الذين لن
يخسروا أكثر من <<الحلم>>... هو مكلف لكل العرب بدولهم وأنظمتهم
وشعوبهم الذين يعرفون سلفاً حجم خسائرهم، وكأنهم لم يشاهدوا الفيلم السابق.
كل المطلوب إعادة حضور <<الفيلم
القديم>>، إلا إذا كان العرب يكرهون التاريخ... ولكنهم بالتأكيد، سوف يكرهون
المستقبل أكثر بكثير!!